صياغة الإستراتيجية الأمنية

بين "الزمرة" و"الطغمة"

بعد احتلال بريطاني استمر لأكثر من 120 عاماً، لم يهنأ اليمن الجنوبي بالاستقلال الذي أُعلن في نوفمبر 1967، إذ دخلت البلاد في دوامة من الصراعات بين تيارين متصارعين هما: “الجبهة القومية” و”جبهة التحرير”.

وعلى الرغم من حسم الصراع لصالح جناح عبد الفتاح إسماعيل رئيس الحزب الاشتراكي اليمني، إلا أن البلاد عانت من تنامي العنف والفوضى، نتيجة تبني الحكم سياسة ماركسية متطرفة، وشن مؤسساته حملة ضد من وصفتهم بالطبقة “البرجوازية”، وملاحقتها رجال الدِّين وشيوخ القبائل باعتبارهم يمثلون زعامات “رجعية”، وقيامها بتأميم الممتلكات الخاصة والعقارات والأراضي ومحاربة الملكية الخاصة، ما دفع بآلاف المواطنين للفرار باتجاه اليمن الشمالي.

وسرعان ما دب الصراع داخل الحزب الحاكم بين فصيل موالٍ الرئيس السابق عبد الفتاح إسماعيل، أُطلق عليه اسم “الطغمة”، وفصيل آخر تابع للرئيس علي ناصر محمد، الذي أُطلق عليه اسم “الزمرة”.

وكان يكمن خلف المصطلحات الشيوعية المقعرة؛ خلافات عشائرية وأحقاد مناطقية دفينة، لم تتمكن الماركسية ولا اللينينية من محو أثرها، إذ مثل جناح “الزمرة” منطقتي “أبين” و”شبوة”، ومثل جناح “الطغمة” مناطق “الضالع” “ويافع” و”لحج”.

وفيما كان يُفترض أن يكون اجتماعاً عادياً للمكتب السياسي للجنة المركزية، في الساعة العاشرة من صباح الثالث عشر من يناير 1986؛ أوعز رئيس الدولة علي ناصر إلى حراسه بتصفية خصومه، وأخطر رفاقه بعدم الحضور، وعندما وصل خصومه إلى قاعة الاجتماعات أطلق حرس الرئيس النار، فقتلوا عدداً من قادة الفصيل المعارض؛ وعلى رأسهم علي عنتر، وصالح مصلح، وعلي شايع.

وفي شهادته للصحفيين؛ قدم الرئيس اليمني الجنوبي الأسبق، علي ناصر، رواية مغايرة قال فيها: “اتجهت من منزلي، الذي يقع على تلة لا تبعد سوى عشرات الأمتار من مبنى اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني، قبيل الساعة العاشرة من يوم الثالث عشر من يناير، حيث كنت ذاهباً إلى الاجتماع بصحبة ابني جمال وحرسي الخاص، وعندما اقتربت سيارتي من مدخل مبنى اللجنة المركزية وترجلت منها انطلقت صيحات المرافقين والحرس، الذين كانوا يتجمعون على المدخل، تطالبني بالرجوع وتحذرني من أنهم يريدون قتلي، وما كادت هذه الصيحات تصل مسامعي حتى انهمرت زخات كثيفة من رصاص الرشاشات باتجاهي، فقتل ابني جمال على الفور وكان يقف بجانبي”.

وسرعان ما انفجر الوضع في عدن بكاملها، حيث اندلعت مواجهات شاملة في المدينة، استمرت عشرة أيام، دُكت فيها العاصمة بالقذائف من البر والبحر والجو، وقُطعت خدمات الكهرباء والماء والاتصالات، وأسفرت المواجهات عن مقتل ثلاثة عشر ألف شخص، وسجن سبعة آلاف، وتشريد 250 ألفاً من المواطنين الذين فر معظمهم إلى الشمال.

وقُتل من الحزب الاشتراكي 52 قيادياً، وتمت تصفية الجرحى في المستشفيات، وقتل المعتقلون في السجون على أساس الهوية الشخصية، التي تثبت انتماءه القبلي والعشائري للمعسكر المعارض أو إلى الفئة الأخرى المعادية، ثم دهست جثثهم بجنازير الدبابات، فيما تم إجلاء نحو خمسة آلاف من رعايا الدول الأجنبية.

وبينما كانت الاستخبارات المركزية الأمريكية تراقب الوضع عن كثب، وترسل التقارير إلى واشنطن، دون أن تتدخل في المواجهات، تلقت الاستخبارات السوفيتية تعليمات صارمة من موسكو بتجنب الوقوع في فخ الصراعات اليمنية، وذلك على الرغم من استيلاء كبار مناصري موسكو على السلطة في عدن.

لم تنته القصة عند ذلك الحدث، حيث أعقب إعلان الوحدة بين الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (1990)، اندلاع حرب أهلية ثانية عام 1994، تلتها حرب ثالثة عقب سيطرة الحوثيين على صنعاء (عام 2015)، ولا تزال المعارك مستمرة… حتى اليوم.

تحليل الخلفية التاريخية

تلقي قصة الصراع المستمر في اليمن الضوء على أهمية معرفة المحركات التاريخية والاجتماعية للصراعات، والتي تمثل ركناً أساسياً في تحليل العوائق التي تحول دون تشكيل مركب أمني (Regional Security Complex)، فمن خلال النموذج اليمني، وغيره من النماذج العربية الأخرى، يمكن تقصي أهم ملامح تشوهات التشكل القومي/القطري في الأبعاد التالية:

1- البعد الاستعماري: فبعد نحو أربعة قرون من الحكم العثماني؛ خضع الجزء الأكبر من العالم العربي للاستعمار البريطاني والفرنسي والإيطالي، ما أدى إلى ظهور حركات التحرر الوطني في غضون النصف الأول من القرن العشرين، وانخرطت تلك الحركات في معارك قومية وثقافية وعسكرية، انتهت بإبرام اتفاقيات مع القوى الاستعمارية، وما لبث أن تشكلت الدول “القومية” التي رُسمت حدودها وفق مصالح القوى الخارجية المتنفذة.

2- التشكل العسكري-الجمهوري: عقب الاستقلال؛ وقعت جميع الجمهوريات العربية في دوامة الهيمنة العسكرية نتيجة هيمنة الانقلابات كآلية وحيدة لتداول السلطة، وذلك بخلاف الملكيات العربية التي ظهر معظمها في القرن الثامن عشر.

3- الحرب الباردة: وقعت المنطقة العربية في دوامة الانحياز لأحد المعسكرين الشيوعي والرأسمالي، إذ قامت دولة شيوعية في اليمن الجنوبي، وتولت أحزاب شيوعية الحكم في بعض الدول العربية، وازدهرت الإيديولوجيات الاشتراكية القومية في معظم الجمهوريات، ما أدى إلى “حرب باردة” عربية تمثلت في صراع الدول الاشتراكية التي انحازت للمعسكر الشيوعي مع الملكيات التي انحازت إلى المعسكر الرأسمالي، فيما انخرطت سفارات الدول الغربية في دعم مختلف أطراف الصراع لترجيح كفتها في المنطقة.

4- عسكرة النزاعات: نظراً لعدم نضج مؤسسات الدولة في حقبة التشكل الجمهوري، فقد هيمنت عصبويات ما دون الدولة على المشهد السياسي، حيث اندلعت النزاعات الداخلية والحروب الأهلية على أسس إثنية وطائفية ومناطقية وعشائرية، كما شهدت المنطقة مواجهات مسلحة بين الدول نتيجة خلافات حدودية، وفتحت تلك الصراعات المجال واسعاً للتدخل الخارجي.

5- البعد الديمغرافي: حيث تضاعف عدد سكان الوطن العربي نحو ستة أضعاف في أقل من سبعين عاماً. وتزامنت تلك الزيادة المضطردة في السكان مع بروز ظواهر الانزياحات السكانية، والتي تعتبر الأضخم على مستوى العالم، بما في ذلك الهجرة من الريف إلى المدينة، وحركة الهجرة المستمرة التي شملت نحو 50 مليون عربي خرجوا من المنطقة، فضلاً عن حركة اللجوء الناتجة عن “الربيع العربي”، والتي جعلت المنطقة تعاني من أكبر نسبة لجوء ونزوح في العالم، وفق إحصائيات الأمم المتحدة.

6- التدهور الاقتصادي: تسببت النزاعات الإقليمية وسياسات العسكرة وسباقات التسلح في إهمال حكومات المنطقة سياسات التنمية، ودخولها في دوامة الفساد والتضخم والبطالة، وغيرها من ملامح التدهور الاقتصادي.

وبالتالي فإن الجمهوريات العربية لم تتمتع بحالة استقرار يمكن من خلالها تشكيل منظومة أمن إقليمي، إذ إنها راوحت بين الخضوع للاستعمار الغربي، والانحياز لهيمنة إحدى المعسكرين الشيوعي والرأسمالي، والوقوع بعد ذلك في ربقة النفوذ الإيراني أو الإسرائيلي والأمريكي، وخاضت تلك الدول عدداً كبيراً من الصراعات البينية والحروب الأهلية، ولا تزال تعاني من عدم النضج البنيوي رغم مرور أكثر من سبعة عقود على التأسيس.

وتتمثل أبرز عوائق التشكل الإقليمي في: هيمنة التنافس الدولي في المنطقة منذ انعتاقها عن الحكم العثماني، وتنامي التدخل الخارجي نتيجة وقوع بعض الدول العربية بين مثلث إقليمي متصارع (تركيا-إيران-إسرائيل)، بالإضافة إلى ضعف تجارب إدارة الدولة الوطنية أو التعاون الإقليمي، وفشل النخب الحاكمة في التوافق على مبادئ مشتركة وتعريفات متقاربة للأمن والاستقرار، ولجوئها إلى عسكرة النزاعات، فضلاً عن تنامي النزعات الانفصالية وهيمنة عصبويات ما دون الدولة، وظهور الميلشيات المسلحة العابرة للحدود وتأثيرها على سيادة الدول العربية واستقلالها

تحديد الرقعة الجغرافية

تتطلب عملية إنشاء نظام أمن إقليمي تحديد الرقعة الجغرافية التي يتم استهدافها، وذلك من خلال الإجابة على التساؤلات المحورية التالية:

1

ما هي الرقعة الجغرافية المستهدفة؟

2

ما هي دوائر التقاطع الجغرافي التي يمكن من خلالها تشكيل منظومة تستجيب للتحديات؟

3

ما هي التقاطعات السياسية لدول الإقليم مع المنظومات الإقليمية المجاورة؟

4

هل سكان الرقعة الجغرافية المستهدفة يتمتعون بصفات إثنية أو جغرافية أو اقتصادية مشتركة؟

5

هل النظام الذي يتم تشكيله يقوم على أسس إقليمية أو شبه إقليمية؟

6

هل المنطقة المستهدفة هي منطقة صراع/حرب (war zone) أم منطقة أمن (security zone)؟

المحددات الجغرافية والجيو-سياسية

وتأتي تلك التساؤلات لتصحيح مسار بعض المقاربات التي حاولت استقراء تجارب دول ناضجة ضمن أقاليم مستقرة، ومحاولة تطبيقها، دون إدراك أن الدولة النامية لا تتمتع بمميزات التعاون والاستقرار المتوفرة في الدول المتقدمة، إذ يتطلب العمل في مناطق النزاعات والحروب مهارات أكبر، وخاصة في مجالات إدارة الصراع، ومعالجة التهديدات، وفي تبني برامج إصلاح القطاع الأمني، ونزع السلاح، وما إلى ذلك من برامج قد لا تمثل أولوية في الأقاليم التي تتمتع بقدر أكبر من الأمن والاستقرار.

مع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار أن وجود الوطن العربي بين قارتي آسيا وأفريقيا، ووقوع العديد من دوله على حوض كل من: المتوسط، والبحر الأحمر، وبحر العرب، والخليج العربي، إضافة إلى الاشتراك مع دول أخرى في الأنهار الرئيسية كنهر النيل ونهر الفرات، قد منح المنطقة ميزة التقاطع مع عدد كبير من الأقاليم والمحاور والتحالفات، والمنظمات الإقليمية والدولية، الأمر الذي يتطلب عناية بالغة في تحديد الرقعة الجغرافية وامتداداتها.

ويرى بعض الباحثين أن البدء من إنشاء منظومة “شبه إقليمية” ناجحة، ومن ثم العمل على تعميمها، هي الوسيلة الأنجع لتفادي العديد من التناقضات والصراعات، مدللين على ذلك بالفاعلية النسبية لدول مجلس التعاون الخليجي، بالمقارنة مع ترهل مؤسسات جامعة الدول العربية وتراجع أدائها.

ونظراً لما تعانيه المنطقة من سيولة مجتمعية، وهشاشة بنيوية؛ فإنه يتعين أخذ سائر قطاعات ما دون الدولة وما فوقها بالحسبان في عملية حصر الأطراف الفاعلة وتحديد الرقعة المستهدفة، وذلك وفق التصنيفات التالية:

  • دول عربية كبيرة وفاعلة.
  • دول عربية متوسطة الحجم أو الفاعلية.
  • دول عربية صغيرة الحجم.
  • دول إقليمية فاعلة خارج المنظومة العربية: تركيا، إيران، إسرائيل.
  • دول خارجية تمتلك قواعد عسكرية في الإقليم: أمريكا، روسيا، الصين، فرنسا، بريطانيا، ألمانيا.
  • قوى محلية ما دون الدولة: ميلشيات إثنية وطائفية مسلحة.
  • قوى خارجية ما دون الدولة: جماعات سياسية عابرة للحدود، ميلشيات إيرانية، وباكستانية، وأفغانية، شركات أمنية.
  • قوى مجتمعية عابرة للدول: منظمات مجتمع مدني، منظمات دولية غير رسمية، جماعات وأحزاب سياسية ذات طابع قومي وأممي، جماعات عشائرية عابرة للحدود، طوائف وأقليات دينية.
  • منظمات إقليمية: جامعة الدول العربية، مجلس التعاون لدول الخليج العربي، مجموعة الدول الفرنكفونية، منظمة الدول الإفريقية.
  • منظمات دولية: الأمم المتحدة، حلف شمال الأطلسي، التحالف الدولي لمحاربة “داعش”.

المعالجة الأمنية

يتعين إقامة النظام الأمني الإقليمي على أساس: المعالجة الدبلوماسية، وتعزيز مفهوم الاعتمادية، واستحداث أدوات تحقيق الأمن الجماعي، بديلاً عن نمط العسكرة الذي طغى على نزاعات الفترة الماضية، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال عملية احترافية تراعي خصوصيات المنطقة وعمق الأزمات التي مرت بها، وأن تطرح مجموعة من الأسئلة المحورية لتحديد الأهداف المرجوة من التنظيم الإقليمي.

كما يتطلب النظام الإقليمي وجود دول قوية ومستقرة، وقادرة على معالجة مشاكلها دون تدخل خارجي، ونظراً لما عانته أجهزة الأمن العربية خلال العقد الماضي من الترهل والضعف، فإنه من الضروري تبني برامج شاملة لإصلاح القطاع الأمني (security sector reform) عبر حزمة إجراءات تم وضعها في تسعينيات القرن الماضي لإصلاح المؤسسات الأمنية المنهارة في أوروبا الشرقية عقب انعتاقها من الحكم الشيوعي، وتتضمن إصلاح، أو إعادة بناء، القطاع الأمني للدول التي فشلت في توفير الأمن لشعوبها بشكل فعال، وأصبحت مؤسساتها مصدر تهديد دولي نتيجة قيامها بأعمال القمع والممارسات المسيئة، وسياسات التمييز.

وتهدف عملية إصلاح القطاع الأمني إلى تحسين مستوى خدمات الأمن والعدالة الفعالة والقوية، عبر تحديد المؤسسات المعنية التي يمكن محاسبتها من قبل الدولة التي تحظى بالتمثيل الشعبي.

وتستهدف عملية إصلاح القطاع الأمني جميع المؤسسات المعنية بتوفير الأمن، بما في ذلك: القوات المسلحة، وأجهزة الأمن، والاستخبارات، والشرطة، والمؤسسات المسؤولة عن خدمات الجمارك، ومؤسسات العدالة، والمؤسسات العقابية، والمؤسسات التي تلعب دوراً في صياغة السياسات الأمنية، مثل: الوزارات، والبرلمانات، ودواوين المظالم، ولجان حقوق الإنسان، ومنظمات المجتمع المدني، وتعمل ضمن إطارين:

– أولهما معياري نظمي

– والثاني تنفيذي تشغيلي

وتصنف عملية إصلاح القطاع الأمني ضمن قطاع “الأمن البشري”، فيما يصنفها البعض ضمن مجال “الحكم الرشيد”، ويتم تطبيقها في الدول التي تنتقل من نظام سياسي إلى آخر، أو الدول الفاشلة التي تحتاج إلى عملية إعادة ترميم شاملة في فترات ما بعد الصراع، حيث تكون المؤسسات الأمنية قد دُمّرت أو فقد الشعب الثقة فيها أو أصبحت منبوذة، وذلك نتيجة تورطها في ممارسات التعدي والقمع.

مع ضرورة التنبيه إلى أن الهدف الرئيس من عملية إصلاح القطاع الأمني هو: حماية أمن الإنسان، وما يتعلق به من حماية أمن المجتمع، وتوفير خدمات العدالة، وإنشاء المؤسسات التمثيلية، وتعزيز عمليات الإشراف والمحاسبة، ونشر ثقافة احترام حقوق الإنسان.

الرؤية

شباب سوري واعٍ، يشارك في صنع القرار السياسي، ويسهم في صياغة مستقبله، وينافس في شتى ميادين التنمية، لتحقيق ما يتطلع إليه لرفعة وطنه وازدهار مجتمعه

الرسالة

مركز فكر إلكتروني يعمل على إدماج الشباب السوري في مجالات صنع القرار، واحتضان طاقاتهم الكامنة وإبداعاتهم الفكرية والبحثية، وتمكينهم من المساهمة الفاعلة في التنمية وبناء المجتمع، عبر التأسيس لثقافة التميز، وتحفيز المسؤولية، وترسيخ روح المبادرة، لدفعع مسيرة التقدم والازدهار

المشرف العام: د. بشير زين العابدين

وسائل التواصل الاجتماعي

جميع الحقوق محفوظة – شارك شباب © 2021