مفاهيم


التقسيم وصراع الهويات 


في شهر مايو 1916 أبرم وزير الخارجية الفرنسي فرانسوا جورج بيكو اتفاقاً سرياً مع نظيره البريطاني مارك سايكس لتحديد مناطق نفوذ دولتيهما في المشرق العربي، ونصت المعاهدة في صيغتها النهائية على منح فرنسا كلاً من: الموصل وسورية ولبنان، ومنح بريطانيا جنوب بلاد الشام والعراق.

وشهدت السنوات الأربع التالية؛ اعتماد الخريطة السياسية للمشرق العربي من خلال وعد بلفور بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين عام 1917، ومعاهدة "سيفر" التي قسمت منطقة الهلال الخصيب وفق أطماع القوى الأوروبية عام 1920، ومعاهدة "سان ريمون" التي نصت على وضع سورية والعراق تحت الانتداب الفرنسي والبريطاني تباعاً في العام نفسه.

وإمعاناً في تفتيت المشرق العربي وضعت السلطة الفرنسية خطة فرز طائفي للمنطقة؛ فأعلنت إنشاء دولة لبنان الكبير (1 سبتمبر 1920)، ودولة حلب (8 سبتمبر 1920)، ودولة العلويين (23 سبتمبر 1920)، ودولة جبل الدروز (20 أبريل 1921)، ودولة دمشق التي اتخذت من العاصمة اسماً لها، كما فرضت نظامي إدارة محليين في إقليم الجزيرة وسنجق الاسكندرون.

وسرعان ما تبين للانتداب الفرنسي صعوبة الاستمرار في إدارة خمسة أجهزة حكم مستقلة، فانضمت دولتا حلب ودمشق عام 1924، واتُخذ قرار ضم مناطق الدروز والعلويين للدولة السورية في 1936، وأخذ الإقليم صورته النهائية بدولة لبنانية مستقلة، وبقيت الجمهورية السورية على الوضع القائم اليوم بعد ضم لواء الاسكندرونة إلى تركيا عام 1939.

وفي أتون حالة الفوضى التي انتابت الجمهوريات العربية ابتداء من عام 2011؛ عاد الولع الغربي بخارطة المنطقة؛ إذ بدأت تظهر رسومات جديدة وخرائط مستحدثة لإعادة تقسيم المشرق العربي وفق مصالح القوى الدولية المتنافسة.

  • ففي محاضرة بمدرسة: "جيرالد فورد للسياسة العامة" طرح عراب السياسة الخارجية الأمريكية هنري كيسنجر فكرة تقسيم سورية على أسس إثنية وطائفية.
  • ونشر "معهد دراسات الحرب" خارطة تقترح تقسيم البلاد إلى: رقعة شمالية شرقية يسيطر عليها الأكراد، وأخرى وسط وشمال غربي البلاد تسيطر عليها المعارضة السنية في حلب، وثالثة يسيطر عليها النظام العلوي وتتضمن محافظات: دمشق وحمص واللاذقية وطرطوس.
  • ونشر "مركز ويلسون" دراسة أخرى ضمّنها خريطة تقترح فض الاشتباك بين المعارضة والنظام على طول الخط السريع بين دمشق وحلب، بحيث تصبح دمشق وحمص وحماة ومحافظات الساحل تحت حكم النظام، وتخضع القطاعات الشمالية والشرقية للمعارضة.
  • وفي دراسة موازية رأى "أرنولد ألرت" (مايو 2013) أن الصورة الأنسب لضمان استقرار سوريا تكمن في تأسيس نظام "ترويكا" تتوزع السلطة فيه بين السنة والأكراد والعلويين.
  •  كما نشر "غبريال شينمان" بحثاً (يوليو 2013) أشار فيه إلى أن حل الأزمة السورية يكمن في إعادة رسم خارطة الجمهورية فيما يتناسب مع طموحات الأقليات الكردية والمسيحية والدرزية والعلوية، مستشهداً بمبادئ ولسون الأربعة عشر التي أقرت حق الشعوب في تقرير مصيرها خلال مفاوضات السلام التي أعقبت الحرب العالمية الأولى.
  • واقترح مايكل أوهانلون (الخبير في الشؤون الأمنية بمعهد بروكينغز) في 23 يونيو 2015، حسم الصراع في سورية من خلال تأسيس نظام فيدرالي  يبدأ من منطقتين: كردية في الشمال ودرزيةة في الجنوب، ومن ثم إنشاء منطقة آمنة للعلويين وتشكيل مجلس إدارة علوي يعمل على توفير الخدمات الأساسية بالتنسيق مع الروس والإيرانيين.
  • وأكد آرام نرغيزيان الباحث المتخصص في الشؤون العسكرية لدى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن أن النظام: "قد بدأ الاستعداد لفكرة حماية مناطقه الأساسية وجعلها آمنة في ظل وجود 175 ألف مسلح تحت إمرته، ينضوون في صفوف الجيش والمليشيات ومقاتلي حزب الله والمقاتلين الشيعة الأفغان"، وذلك بالتزامن مع قيام النظام بتشكيل فصيل علوي جديد يطلق عليه: "درع الساحل" ونشر عناصر الميلشيات في مختلف نقاط المراقبة وحواجز التفتيش لمنع غير القاطنين في المحافظات الساحلية من الدخول إليها، وإصدار قرارات تنص على أن لا يدخل محافظتي اللاذقية وطرطوس إلا من يثبت أنه من مواليدهما، أو مالكاً لعقار، أو مستأجراً فيهما، أو عاملاً في إحدى مؤسساتهما، إضافة إلى منع تجديد عقود إيجار المساكن لغير أبناء الطائفة العلوية في مدن الساحل وقراه الخاضعة لسيطرته، فضلاً عن تهجير سكان القرى السنية بريف حماة الشمالي والغربي وسهل الغاب.

ويمكن الاستشهاد بعدد كبير من التقارير الصادرة عن مواقع: "جينز" العسكري و"إنتيل" الأمني والهيئة الأمنية الأمريكية للدفاع (Defense Intelligence Agency) ووكالة الأمن القومي الأمريكي (National Security Agency) وغيرها من التقارير التي تم تسريبها في الأيام الماضية، والتي تتوقع تنامي النزعات الانفصالية وصعوبة التوصل إلى تسوية سياسية في الوقت الحالي.

في هذه الأثناء تمارس وحدات حماية الشعب الكردية التابعة للاتحاد الديمقراطي الكردي عمليات تطهير عرقي شمال شرق سورية ضد آلاف السكان العرب، حيث أكدت جمعيات حقوق الإنسان قيام الميلشيات الكردية بشن حملة اعتقالات واسعة في صفوف العرب السنة، والاستيلاء على أملاكهم وتدمير منازلهم، وتأتي عمليات التدمير والتهجير الممنهج تأتي ضمن خطة تنفذها وحدات حماية الشعب لربط ثلاثة جيوب كردية مع بعضها بعضاً في دويلة "روجافا"، وتشمل: عين العرب وتل أبيض ومدينة عفرين، وأشار موقع بلومبيرغ (23 يونيو/ حزيران 2015) إلى أن الأكراد هم الكاسب الأكبر من أحداث المنطقة؛ فبعد تحقيق حلم الحكم الذاتي في كردستان العراق؛ يعمل أكراد سورية على فرض إقليم كردي شمال البلاد، ويحظون في سبيل ذلك بإسناد جوي أمريكي وتمويل أوروبي بغض النظر عن الانتهاكات التي يرتكبونها وعمليات التغيير الجغرافي المتمثلة في إزالة الحواجز التي كانت تفصل إقليم الجزيرة شرق سورية عن إقليمي عفرين وعين العرب في شمالها.

أما في الجنوب فقد رأى تقرير نشره تشاتام هاوس (22 يونيو 2015) أن الدروز هم الأقلية الوحيدة التي تمكنت من توظيف الأحداث لصالحها في أتون الصراع السوري؛ حيث تمكنوا من حمل النظام على إعفاء أبنائهم من الخدمة العسكرية خارج حدود محافظة السويداء، ونجحوا كذلك في إبعاد فصائل المعارضة عن مناطقهم عبر دبلوماسية إقليمية أثارت تساؤلات ملحة حول الدور الذي مارسه دروز لبنان وإسرائيل لتأمين دروز سورية وتوفير متطلباتهم الأمنية، ومدى تأثير ذلك على الهوية الوطنية وموقف الطوائف منها في هذه المرحلة العصيبة من إعادة التشكل البنيوي للقطر السوري.

في مقابل الاستحضار المكثف لنماذج التقسيم الطائفي في التاريخ الحديث؛ تظهر جدليات مغايرة تتناول خططاً للتجزئة على أسس جغرافية تراعي مصالح القوى الخارجية؛ حيث تتحدث مصادر عسكرية عن سيناريو تقاسم إقليمي تستحوذ فيه إيران وميلشياتها على "سورية المفيدة" (وتشمل محافظات دمشق وحمص واللاذقية وطرطوس)، وذلك ضمن توافقات للتقسيم على أساس: "الاحتفاظ بالوضع القائم" ومنع أية محاولة للترجيح بين أطراف الصراع، والإمساك بخيوط اللعبة عبر التحكم بالموارد المالية وشحنات الأسلحة، ريثما يتم التوافق بين القوى الإقليمية المتنافسة على حل نهائي.

وفي ظل الحديث عن وجود مخططات التقسيم الخارجية أو عمليات الفرز الطائفي؛ يجدر التنبيه إلى مجموعة من النقاط حول هوية  كيان الجمهورية وصعوبة تحقيق أي مشروع تقسيم وفق رغبات القوى الخارجية، خاصة وأن الحالة المجتمعية السورية والتوزيع الديمغرافي للسكان تشكل عقبات لا يمكن معها فرض أية صيغة تقسيمية حتى وإن توافقت القوى الإقليمية والدولية على تطبيق إحدى سيناريوهاتها. ويمكن اختصار أبرز عوائق مشاريع التقسيم والتجزئة فيما يلي:

  1. فشل التجربة التاريخية: بذلت سلطة الانتداب الفرنسي (1920-1946) جهوداً مضنية لتأصيل فكرة الكانتونات الطائفية وفرضها بالقوة العسكرية، إلا أن مشروعها قد مُني بفشل ذريع، حيث واجه المشروع ثورة شعبية عارمة (1925-1927) ومصاعب اقتصادية تمثلت في استحالة الاستمرار في فرض خمسة أجهزة حكم متكاملة من مسؤولين وموظفين وعسكريين لإدارة البنى التحتية والخدمات البلدية والصحية والبريدية في كل دولة من هذه الدويلات، مما دفع الفرنسيين للتخلي عن هذا المشروع بالكامل عندما تبين لهم أن نفقات هذه الدول قد بلغت حداً لا تحتمله وارداتها.
  2. التحديات الديموغرافية: بخلاف الدول الأوروبية التي قامت على أسس قومية؛ فإن دول الشرق قد قامت على أسس تعددية، ولا سيما المجتمع السوري الذي تختلط فيه سائر المكونات السكانية ببعضها في المدن الرئيسة بصورة تجعل عملية الفرز الإثني أو الطائفي شبه مستحيلة، ولا تمتلك مناطق تجمع الأقليات فرصة تأسيس دويلة مستقلة أو إقليم حكم مستقل من حيث الموارد، وفي حين يشكل العرب السنة 75% من مجموع سكان البلاد، ويمثلون الأغلبية المطلقة في سائر المحافظات (باستثناء جبل العرب) فإن عملية تطبيق المحاصصة أو "الترويكا" ستشكل خسارة فادحة لمجموعات سكانية لا تتجاوز نسبتها 1% من مجموع السكان.
  3. غياب القيادة التقليدية والمرجعية المذهبية: بخلاف وضع المجموعات الإثنية والطائفية في لبنان والعراق؛ لا تمتلك الأقليات السورية أية زعامة  قبلية أو مرجعية سياسية معتبرة داخل القطر السوري، وخاصة لدى الطائفية العلوية التي عمد نظام آل أسد إلى استنزافها سكانياً وتحييد نخبها العشائرية عبر أدوات التطهير والقمع، وفي المقابل تتركز القيادات التاريخية للدروز والأكراد خارج حدود سورية؛ مما يرهن أي مشروع تشكل بنيوي بقيادات غير سورية ويربط فكرة الحكم الذاتي بمرجعيات عابرة للحدود، ولا يمكن تبني مشروع تقسيم طائفي دون إعادة رسم خارطة للمنطقة في ظل انتشار الميلشيات الطائفية العابرة للحدود مما يجعل حلم الحكم الذاتي للطوائف والإثنيات داخل حدود الدولة حلماً بعيد المنال.
  4. ضعف الحاضنة الشعبية: بخلاف فرضية تمتع الأقليات بمكانة مرموقة في حكم البعث؛ تؤكد الحقائق التاريخية أن الخسائر التي تكبدتها هذه  المجموعات لا تقل عن معاناة الأغلبية السنية؛ ففي سبيل توطيد سلطته شنّ نظام البعث حملة تصفيات جماعية استهدفت القيادات المدنية والعسكرية: السنية، والدرزية، والإسماعيلية في الفترة 1963-1969، وأعقبتها مرحلة من التصفيات العشائرية داخل الطائفة العلوية استُبعدت فيها عشائر الحدادين والخياطين، وركزت السلطة بيد ضباط من عشيرة المتاورة والذين قضى أغلبهم نحبه في السنوات الأربع الماضية، وقد نتج عن استخدام النظام أبناء الطائفية العلوية في مواجهة الثورة وقوع أكبر مقتلة في تاريخ الطائفة، مما أحدث خللاً سكانياً في المناطق العلوية التي أفرغت من أبنائها، في حين تم تعويض النقص العددي للفرق الطائفية بمرتزقة عراقيين ولبنانيين وأفغان وغيرهم من العناصر المأجورة التي لا يمكن الاعتماد عليها لتشكيل دويلة على المدى المتوسط أو البعيد.
  5. مقاومة النخب السياسية: تشتكي بعض الدراسات الغربية من عدم أهلية النخب السياسية السورية لتقبل أفكار التجزئة أو مناطق الحكم الذاتي،  فعلى الرغم من تباين أفكارها واختلاف منطلقاتها؛ إلا أن مختلف القوى الشعبية والسياسية والعسكرية ترفض هذه الأطروحات وتدعو إلى استعادة الدولة وصيانة مؤسساتها، وباستثناء بعض المجموعات الكردية المتطرفة والمصنفة على قوائم الإرهاب الأمريكية؛ فإنه لا يوجد حراك انفصالي منظم أو حركات فئوية تستجيب لهذه المشاريع.
  6. المعارضة الإقليمية: تشكل مشاريع التقسيم والتجزئة تهديداً لأمن دول الجوار قاطبة، وخاصة لدى تركيا التي تحشد قواتها لمنع قيام دويلة كردية، والأردن التي تعزز وجودها العسكري لمنع انسياب الأزمة السورية عبر الحدود معها، ولا تجد مشاريع التجزئة أية تعاطف إقليمي وخاصة في دول مجلس التعاون التي لا تزال تعاني من الإفرازات الطائفية والتكفيرية التي أنتجها مشروع المحاصصة الأمريكي في العراق.
  7. عدم توفر الإرادة الخارجية والقوة اللازمة: على غرار الحملة الفرنسية لفرض الانتداب وتطبيق مشروع الكانتونات الطائفية عام 1920؛ تتطلب  مشاريع التجزئة المعاصرة تدخلاً عسكرياً مباشراً لفرض التجزئة أو تطبيق الحكم الذاتي في الأقاليم، وهو أمر غير متوقع من حيث توفر القدرة أو الإرادة الخارجية، بل إن مسار الثورة يتجه نحو تهاوي المشروع الطائفي الإيراني والميلشيات الفئوية التابعة له لصالح القوى الوطنية التي باتت قادرة على تشكيل التحالفات العسكرية والائتلافات السياسية والتنسيق مع القوى الإقليمية لمنع تفكك الكيان الجمهوري أو انسياب الأزمة عبر الحدود.

وبناءً على هذه المعطيات يمكن القول بأن محاولة البحث عن حلول للأزمة السورية عبر مشاريع التقسيم المجتمعي أو المناطقي أمر عبثي، لا يمكن تحقيقه على أرض الواقع أو إقناع الفئات المجتمعية والقوى السياسية الفاعلة ودول الجوار بجدواه؛ مما يدفعنا لتقصي سبل حسم الصراع وفق معادلة ثالثة تصون وحدة البلاد وتحقق مصلحة المواطن السوري وتستجيب لمتطلبات الأمن الإقليمي على حد سواء، حيث يتعين التعامل مع البنية النظمية البديلة للكيان السوري باعتبارها مشروع تشكّل حضاري يحافظ على مؤسسات الدولة ويستوعب التعددية المجتمعية في منظومة تواجه أطروحات التقسيم التي تتغذى من ثلاثة عوامل هي: ضعف السلطة المركزية، والتدخل الخارجي، ونزوع الأقاليم إلى تشكيل أجهزة إدارة مستقلة لمعالجة المشكلات الأمنية والاقتصادية والمجتمعية الناتجة عن غياب الدولة واضمحلالها.

وفي هذه الحالة تتمثل الخسارة الأكبر في فقدان الهوية الجامعة نتيجة لاستيقاظ العصبيات الهامشية وسعي القوى المجتمعية الطارئة للبحث عن دوائر الأمان متمثلة في: المنطقة، والطائفة، والعشيرة، وهي صيغ بدائية لم تحقق الاستقرار للعراق ولبنان في ظل مشاريع التقسيم الأمريكية والفرنسية.

وإذا استبعدنا إمكانية تطبيق مشاريع التقسيم الطائفية وصعوبة استمرار التجزئة المناطقية على المدى المتوسط أو البعيد فإن التحدي الأكبر يتمثل في القدرة على استعادة القرار الوطني عبر: تشكيل منظومة سياسية رشيدة، وتشكيل حراك وحدوي ناضج، وصياغة هوية جامعة، وإنتاج عقد اجتماعي يضبط إيقاع العلاقة بين مختلف مكونات المجتمع.

arrow_upward