مفاهيم

المفاوضات والحل السلمي

 

يُعرّف التفاوض على أنه حالة الحوار التي تنشأ بين طرفين متنازعين بغية الوصول إلى تسوية للموضوع المتنازع حوله، وتعكس حالة التفاوض وشكل التسوية معايير القوة بين الطرفين، إذ تعد التسوية النهائية ترجمةً لواقع القوة بين أطراف النزاع.

ويمكن توصيف التفاوض بشكلٍ عام على أنه حوارٌ بين فريقين متخاصمين بغية الوصول إلى اتفاقٍ أو صلحٍ أو تسوية، وذلك نتيجة عدم قدرة أي طرفٍ على حسم النزاع الدائر لصالحه. وبذلك يمكن القول بأن التفاوض يمثل في كثيرٍ من الحالات شكلاً آخر للنزاع الدائر على الأرض بين طرفين، ويمكن اعتبار المفاوضات ساحة مواجهة بين قوتين وينطبق عليها ما ينطبق على استراتيجيات وتكتيكات العمليات العسكرية والحروب.

ويدخل في مفهوم التفاوض أيضاً؛ المفاوضات التي تجري بين الأطراف غير المتصارعة بغية اقتسام المصالح والنفوذ، وهنا يقل التوتر بين أطراف التفاوض ولكن تنعكس معايير قوة الأطراف المتفاوضة على نمط التفاوض ومحصلته النهائية. وفي كل الحالات تشكل القوة كلمة السر في المفاوضات بغض النظر عن طبيعتها وشكلها، ولا يقصد بالقوة هنا القوة العسكرية فقط ولكنها مفهومٌ أشمل تدخل في حساباته مجمل عناصر القوة بمفهومها الشامل وعناصرها ومكوناتها المادية وغير المادية،

 

في الحالة السورية؛ يشير التحليل المبدئي لمصطلح المفاوضات في الحالات الثورية إلى جمعٍ بين متناقضين، فالتفاوض ينتج عنه عادةً مكاسب لكلا الطرفين، ومفهوم الثورة يؤسس لسلطة بديلةٍ تطيح بمقومات السلطة السابقة شكلاً ومضموناً.

فدخول الجماعة الثورية مفاوضاتٍ مع السلطة الحاكمة التي قامت الثورة عليها قد يناقض أساساً من أسس الثورة، ولكن في حالات محددة يمكن استخدام المفاوضات كشكلٍ أو كحالةٍ ثورية بحيث تكون نتيجة المفاوضات تشكيل سلطة جديدة، أو استخدام المفاوضات نفسها كحلقة من حلقات العمل الثوري بحيث تكسب الثورة مزيداً من الوقت أو الدعم والتأييد الداخلي والخارجي، أو أن تحاول قوى الثورة فرض أمرٍ واقعٍ يقلل من تأييد ودعم السلطة الحاكمة وإظهار ضعفها لدى الشرائح المؤيدة لها من خلال العمليةالتفاوضية نفسها.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن كلا الطرفين يدخلان عملية التفاوض بنفس التوجه وللغاية نفسها، والتي تتمثل في إفقاد الطرف الآخر مكاسب حققها على الأرض، وإضعافه إلى أقصى مدى ممكن من خلال العملية التفاوضية.

وفي سبيل تحقيق هذه الغايات يمكن اتباع اساليب محددة من التفاوض يمكن اجمالها بما يلي:

-مفاوضات الخداع: وهي المفاوضات التي يدخلها أحد الأطراف أو كليهما بنية مسبقة في عدم الالتزام بما سينتج عن العملية التفاوضية وعرقلة  جهود الوصول إلى أي اتفاق. ويتم ذلك باستخدام تقنيات الخداع وألاعيب التفاوض، ومنها، الدخول إلى المفاوضات بحماسة ومن ثم وضع العراقيل وطلب المزيد بعد أن تكون الصفقة قد وصلت إلى مراحلها النهائية، أو التهرب بحجة نقص صلاحيات اتمام الاتفاق والرجوع لجهة أعلى، أو تغيير رئيس وأعضاء فريق التفاوض في المراحل الأخيرة ليقوم بنفي معرفته بالوصول إلى توافق حول القضايا المطروحة.

-المفاوضات التسكينية: ويقصد بهذا النوع من المفاوضات استكشاف نوايا الطرف الآخر وتسكين حدة النزاع، ويعتبر عامل الزمن من أهم العوامل في هذا النوع من المفاوضات، إذ ينتظر الفريقان توافر الظروف الموضوعية لحسم الصراع على الأرض لصالحة بينما تجري المفاوضات في القاعات المغلقة. وفي هذا النوع من المفاوضات يستغرق الطرفان ببحث القضايا بتفاصيل شديدة التعقيد والدخول في عمق القضايا والتركيز على الجزئيات التي تتيح المزيد من الوقت لأحد الأطراف لينقض على الطرف الآخر ويحسم الصراع لصالحه على الأرض.

-التفاوض التأثيري: وفيه تقوم السلطة الحاكمة بتهيئة الظروف ليدخل طرفٌ ثالث على خط التفاوض بحيث يقدم لها تنازلاتٍ لا يقدمها له الطرف الثاني. ويُشترط لنجاح هذا النوع من المفاوضات أن يكون الطرف الثالث على علاقة تنافسية مع الطرف الثاني بحيث يستغل الطرف الأول هذه العلاقة التنافسية والتهديد بالتوصل لتوافق مع أحد الأطراف وازاحة الطرف الآخر من اللعبة كلياً.

-مفاوضات التأثيرات الجانبية: وفي هذا النوع من المفاوضات يدخل أحد الأطراف أو كليهما لا بهدف التوصل إلى اتفاق، ولكن بهدف احراج الطرف الآخر وإظهاره بصورة المعرقل والمسؤول عن أعمال العنف والدمار. ويستخدم الطرف الذي يعتمد هذا النوع من المفاوضات خطاباً إعلامياً علنياً مرناً ومدروساً بدقة، ولكنه يعتمد استراتيجية شديدة التعنت داخل أروقة المفاوضات، وبذلك يسوق لنفسه صورة الحريص على الاتفاق بينما يعرقله عبر استراتيجياتٍ وتكتيكاتٍ تفاوضية محددة.

ويمكن أن تأخذ المفاوضات في حالة الثورة إحدى هذه الأنواع أو أن تنتقل من نوعٍ إلى آخر مع مرور الوقت أو نتيجة ضغط الأطراف الراعية للمفاوضات، لكن المحصلة النهائية لشكل المفاوضات هي المفاوضات التسويفية وتحقيق أقصى مدى من إضعاف الطرف الآخر وتحييد عناصر قوته الداخلية والخارجية، وعادة ما يتم اتباع استراتيجيات محددة في مثل هذه الحالات.

 

أما عملية التفاوض نفسها فتمر بعدة مراحل، أبرزها:

-          مرحلة التحليل: وهي المرحلة التي يجمع فيها المفاوض المقومات ويحدد مصالحه ومصالح وآليات عمل الطرف الآخر وألاعيبه التفاوضية ومصادر قوته.

-          مرحلة الإعداد: جمع الأدوات المتوفر ومصادر القوة المتاحة وتحديد الإستراتيجية التي سيتبعها في التفاوض.

-          مرحلة الاستماع: وذلك عن طريق الإنصات لما يقول الآخرون في جلسات التحضير للتفاوض، ودراسة التاريخ التفاوضي للطرف الآخر، ومعرفة المفاوضين وتوجهاتهم.

-          مرحلة المراجعة: مراجعة الافتراضات المسبقة على ضوء المعطيات، وقد يتطلب ذلك تغير الإستراتيحية بعد كل جلسة من جلسات التحضير للتفاوض.

-          مرحلة التخطيط: بناءً على التحليل يقوم المفاوض بإعداد خطة نهائية للعملية التفاوضية.

-          مرحلة المداولات (التفاوض الفعلي): والتي يتعين من خلالها تفعيل الخطة وتغيير التكتيكات بحسب المستجدات.

-          مرحلة تقديم الحلول والبدائل، من خلال مناورات مبتكرة، وإجابات غير متوقعة جديدة إذ أن تكرار الإجابة ذاتها يضعف الموقف التفاوضي ويظهر مكامن الضعف في قدرات فريق التفاوض.

 

ومع امتداد أمد الصراع في سوريا وتعقده، وتعدد أطرافه، وتدخل بعض القوى الخارجية لتحويل مساره، دون قدرة أي طرف على الحسم، بدأت الأنظار تتجه نحو الوساطة الأممية، والجهود التي تبذلها لجمع أطراف الصراع في جلسات التفاوض بجنيف، حيث تم عقد أربع جلسات على النحو التالي:

جنيف 1 (يونيو 2012): في جنيف اتفقت مجموعة العمل حول سوريا التي تضم الولايات المتحدة والصين وروسيا وفرنسا والمملكة المتحدة وتركيا وجامعة الدول العربية والاتحاد الاوروبي على مبادئ مرحلة انتقالية، تنص على إنشاء هيئة حكم انتقالية ذات صلاحيات كاملة عبر "توافق مشترك، لكنها لم تحدد مصير بشار الأسد، ووقع الخلاف حول تفسير هذه المبادىء وطريقة تنفيذها.

جنيف 2 (يناير 2014): عُقدت جلسة المفاوضات الثانية بضغوط من الولايات المتحدة وروسيا، إلا أنها لم تخرج بأية نتائج ملموسة نتيجة تعنت النظام، مما دفع بالمبعوث الأممي آنذاك الأخضر الإبراهيمي إلى الإعلان أن النقاش قد دخل في طريق مسدود، بسبب رفض النظام مناقشة عملية الانتقال السياسي وإصراره على مناقشة "الإرهاب".

جنيف 3 (مارس 2016) تمت بترتيب من مجموعة محادثات فيينا للسلام بسوريا ومجلس الأمن، وتزامنت مع تصعيد النظام قصفه للعديد من المدن والبلدات السورية، مما دفع بالمبعوث الأممي ستافان دي مستورا لتأجيل المفاوضات، وتم عقد ثلاث جولات من المفاوضات غير المباشرة بين النظام والمعارضة برعاية موفد الامم دي مستورا في جنيف دون إحراز أي تقدم فعلي.

أستانة 1و2 (يناير-فبراير 2017): مفاوضات تمت برعاية روسية وتركية في العاصمة الكازاخستانية "أستانة" بحضور وفد يمثل النظام ووفد يمثل فصائل المعارضة الرئيسية وممثلين عن روسيا وتركيا وإيران والولايات المتحدة والمبعوث الأممي إلى سوريا ستافان دي مستورا،  واختتم البيان التأكد على سيادة واستقلال ووحدة الأراضي السورية وبكونها دولة متعددة الأعراق والأديان  وغير طائفية وديمقراطية وعلى تطبيق القرارات الأممية السابقة، وإنشاء آلية ثلاثية لمراقبة وضمان الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار ومنع وقوع أي استفزازات ووضع الآليات الناظمة لوقف إطلاق النار، مع الالتزام بمقاتلة تنظيمي "داعش" و"النصرة".

جنيف 4 (فبراير-مارس 2017) حرص المبعوث الأممي دي مستورا على عقد جلسة المفاوضات رغم تصريحه بعد إمكانية تحقيق شيء يذكر، وذلك لرغبته في استعادة المبادرة بعد أن سحبت مفاوضات أستانة البساط من الوساطة الأممية، لكن المبعوث الأممي لم يحمل جديداً في جعبته بينما أصر النظام على مناقشة الإرهاب ورفض الحديث عن الانتقال السياسي، ولم تخرج المفاوضات بأية نتائج تذكر.

تجدر الإشارة إلى أن المشهد السياسي الدولي قد مر بتحولات متعددة تمثلت في هيمنة التوافقات التركية الروسية من جهة ، وتدهور العلاقات التركية-الإيرانية من جهة أخرى، بالإضافة إلى تولي دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية وتوجهه لإنشاء مناطق آمنة في سوريا، في حين يبذل الأمين العام الجديد للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرس جهوداً جديدة لاستعادة زمام المبادرة في الوساطة الدولية للأزمة السورية عن طريق دعم المبعوث الأممي لسوريا ستافان دي مستورا، وعلى الرغم من ذلك فإن المفاوضات التي يتم ترتيبها من قبل المجتمع الدولي لا تعدو أن تكون عمليات استعراضية ومشهداً لتسجيل نقاط بين طرفي النزاع دون أن يكون لها أثر فعلي على أرض الواقع وذلك نتيجة للعوامل التالية:

1-لا يزال الصراع بين المعارضة والنظام يقوم على أساس معادلة صفرية، حيث تصر المعارضة على مغادرة بشار الأسد وزمرته، في حين يصر النظام على تصنيف جميع معارضية في خانة الإرهاب، ومن غير الممكن حسم صراع صفري عن طريق المفاوضات.

2-تمثل الدبلوماسية الأممية والمفاوضات واجهة لتوافقات إقليمية ودولية أكثر من كونها عملية تفاوضية بين طرفي نزاع، إذ إن النظام والمعارضة لم يجريا أية مفاوضات مباشرة، بل إن الطرفين يحضران في الغالب تحت ضغوط خارجية كبيرة تبذلها القوى الفاعلة كبادرة حسن نوايا تجاه بعضها البعض.

3-لا يتوقع أن يتم إحراز نتائج تذكر على صعيد وقف القتال أو التوصل إلى اتفاقيات سياسية أوميدانية في ظل فقدان النظام السيطرة على القوة النارية، وهيمنة الميلشيات الإيرانية واللبنانية والعراقية وغيرها من القوى الطائفية العابرة للحدود من جهة، وهيمنة "داعش" والنصرة" وغيرها من الجماعات المتشددة من جهة أخرى، خاصة وأن هذه الأطراف غير معنية بالمفاوضات ولا تخضع للقانون الدولي، وتعمل وفق أجندات مغايرة للوساطة الأممية التي يبذلها دي مستورا.

4-تعتمد القوى الدولية الفاعلة دبلوماسية رديفة خارج المظلة الأممية للتوصل إلى توافقات حول الملف السوري، مما يضعف فرص التوصل إلى حل سياسي عبر جنيف أو أستانة، خاصة وأن القوى الكبرى تنظر إلى سيناريوها الحسم من خلال التوصل إلى اتفاق فيما بينها لاقتسام مناطق النفوذ ونشر القواعد الجوية والبحرية والقوات الحليفة لها كوسيلة لحسم النزاع.

arrow_upward