مفاهيم


الدولة القومية هي كيان يستمد شرعيته السياسية من تمثيل أمة مستقلة وذات سيادة  في موقع جغرافي محدد، وفق توافق سياسي وثقافي بين مختلف المكونات المجتمعية لتشكيل هذه الدولة.

وتعتبر معاهدة ويستفاليا (1648) التي أنهت الحروب الطاحنة التي شهدتها القارة الأوروبية بداية نشوء الدول القومية حيث انتهى بموجبها عصر الاقطاع وبدأ العهد الصناعي، وتم إرساء نظام عالمي جديد قوامه "الدولة القومية" التي تزامنت مع تفكك الإمبراطوريات، ونشوء كيانات حدد سكانها لأنفسهم ملامح تميزهم عمن سواهم،

وفي القرن التاسع عشر؛  انتشرت الأفكار القومية في أوروبا بصورة كبيرة أدت إلى منح فكرة "الوطن" ومفهوم الأمة" مكانة مقدسة، ونتج عن ذلك نشوء حركات عنصرية ووصول الحكم النازي في ألمانيا والحكم الفاشي في إيطاليا بعد الحرب العالمية الأولى.

وأثر ذلك في ظهور الفكر القومي التركي الذي نتج عنه تتريك الدولة العثمانية في عهد الاتحاد والترقي، وظهور حراك قومي عربي كرد فعل على تلك النزعة، وتجلت القومية العربية في أوجها بالثورة العربية الكبرى التي قادها الشريف حسين لكن سرعان ما تبددت الأمال بعد تقسيم المشرق العربي إثر اتفاقية سايكس بيكو ووقوع البلدان العربية تحت الانتداب الفرنسي البريطاني.

توسعت الدولة القومية في قوتها بعد الحرب العالمية الثانية كثيرا، ولأنها الكيان الوحيد المعترف به والذي يؤخذ بصوته في الأمم المتحدة، فإن هيمنة أية مجموعة أو حزب أو قبيلة على «الدولة» يعني إفساح المجال أمام هذه الفئة لأن تظلم أفراد المجتمع بحجة الحفاظ على أمن الدولة. وعلى رغم أن الأمم المتحدة تشترط على الدول أن تكون منبثقة من شعوبها تحت عنوان «حق تقرير المصير» فإن المؤسسة الدولية عاجزة أمام سلطة الدولة داخل حدود تلك الدولة؛ لأن الأمم المتحدة تمنع «التدخل في الشئون الداخلية للدول القومية». ولذلك فقد سعى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في 1948م إلى موازنة ميثاق الأمم المتحدة من خلال تأكيد حقوق المواطن ومطالبة «الدول القومية» بتوقيع المعاهدات التي تضمن للمواطنين حقوقهم.

تتألف الدولة القومية من عدد من القوميات، إلا أن قومية من بينها تصبغ شكل الدولة فتأخذ الدولة طابع تلك القومية ولغتها فتطغى على غيرها، ففي بريطانيا طغى العنصر الإنجليزي ورغم ذلك فإن الاسكتلنديين قد صوتوا لصالح البقاء في المملكة المتحدة عندما أتيح لهم الاختيار، وفي تركيا طغى العنصر التركي على سائر مواطني الجمهورية التي تكونت من عدة أجناس والتفت نسبة كبيرة من الأكراد حول حزب العدالة والتنمية نظراً لما حققه من مكاسب اقتصادية وعدالة اجتماعية.

وعلى الرغم من أن الدول العربية تُصنف على أنها دول قومية ارتكزت لدى نشأتها على الفكر القومي العربي، إلا أن النزعة القطرية تغلبت على مختلف البلدان العربية، ففي سوريا آذن انهيار مشروع الوحدة مع مصر عام 1961 بظهور النزعات الانفصالية وتولي حزب البعث الذي عمدت قيادته القطرية إلى إقصاء القيادة القومية، ووقعت في صراع مرير مع حزب البعث العراقي، وشرع حافظ أسد لدى توليه الحكم في تعزيز استقلالية الدولة وتلاشى الفكر الوحدوي في ظل تغول مؤسسات الأمن وتفشي الاستبداد.

في هذه الأثناء نشأ الجدل حول تعارض المشروع الأممي والحس القومي مع الدولة الوطنية، وبرزت إشكالية المرجعيات الخارجية لبعض العناصر السكانية على أسس دينية أو إثنية أو مذهبية، ونشأت مشكلة تعدد الهويات ونشوء العديد من الجماعات والقوى الفاعلة خارج إطار الدول والتي استهدفت كيان الدولة بحثاً عن مشروع وحدوي أوسع.

وفي ظل الحديث عن هوية الدولة في سوريا ما بعد البعث، والجدل الدائر حول ضرورة الانسلاخ من الحدود التي رسمها الاستعمار في اتفاقية سايكس-بيكو (1916)، يجدر التنبيه إلى النقاط التالية:

  1. لم تقم الدول العربية في العقد الثاني من القرن العشرين على أساس قومي، بل قامت على أساس مراعاة مصالح قوى استعمارية في مرحلة من المراحل، وهنا يقع اللبس بين مفهوم القومية، والدولة القومية، ولذلك فإن الأحزاب السورية لدى تأسيسها عانت مشكلة كبيرة في التأقلم مع واقع الجمهورية، فالدولة القومية التي ناضل الوطنيون من أجلها لم تكن تلك التي فازوا بها، حيث كانوا يطمحون إلى تحقيق كيان يوحد البلاد العربية أو يشمل بلاد الشام بأسرها، وكانوا يرفضون قيام الجمهورية على الصورة التي ظهرت بها لدى نيل الاستقلال، ومثل رئيس الجمهورية شكري القوتلي هذا التناقض بصورة واضحة، فقد كان أحد مؤيدي حكم الملك فيصل في سورية سنة 1919، وأمضى فترة طويلة من حياته ينادي بتحقيق وحدة عربية شاملة ويرفض مشاريع التقسيم التي تبناها الانتداب الفرنسي، ولكنه أصبح منذ سنة 1946 رئيساً لكيان جمهوري يتوجب عليه النضال من أجل المحافظة عليه من استحواذ الملكية الهاشمية ويسعى إلى حماية حدوده التي لم يكن الوطنيون يعترفون بها حتى ذلك العام، وكانت غالبية الأحزاب السورية التي نشأت في تلك الفترة غير مؤمنة بإمكانية استمرار الكيان الجمهوري وفق الصيغة التي رسمها لهم الانتداب، فكانت برامجها السياسية تمني المواطن السوري بالتوصل إلى نمط من أنماط الوحدة العربية التي يمكن أن تحقق الاستقرار المنشود الذي سلبته منهم سياسة الحلفاء من خلال ترسيم الحدود السياسية وفق أهوائها؛ فقد تبنى الحزب القومي السوري تحقيق مشروع سورية الكبرى، ووضع حزب البعث من أهم أهدافه تحقيق الوحدة العربية، في حين كان غالبية أعضاء حزب الشعب يميلون نحو تحقيق فكرة الهلال الخصيب، وفي هذه الأثناء كانت تداعب الكثير من الساسة أحلام إعادة توحيد بلاد الشام بإقامة مملكة هاشمية كبرى.
  2. مثلت المشاريع الوحدوية بديلاً للدولة القومية، ومنها مشروع الوحدة مع العراق الذي ظهر عقب انقلاب الحناوي في أغسطس 1949، ومشروع الوحدة مع مصر عام 1958-1961، وهددت توجهات الوحدويين السوريين نحو الخارج بحثاً عن حلول جذرية لمعضلات الساحة المحلية مستقبل الكيان الجمهوري، حيث حصل بعض السياسيين السوريين على دعم الأردن والعراق لدفع مشاريع الوحدة الهاشمية، وقابلت مصر والسعودية هذا التيار بدعم سخي للعناصر التي كانت ترغب في الحد من أطماع الهاشميين في سورية. وكشفت الوثائق الغربية والمذكرات السياسية ومحاضر التحقيق في فترة الخمسينيات عن أنشطة واسعة النطاق لحكومات مجاورة تتضمن دفع الرواتب ومنح جوازات السفر وتقديم تسهيلات أخرى تهدف إلى خدمة مصالح جهات خارجية في سورية، أما في مرحلة الثورة فقد وقع الكثير من السياسيين السوريين في إشكالية الاستقطاب الإقليمي، ففي مقابل لجوء النظام إلى أحضان طهران وميلشياتها لحمايته من الهبة الشعبية؛ نزعت بعض جماعات المعارضة إلى تنفيذ أجندات قوى إقليمية ودولية على حساب المشروع الوطني، في حين أخذت العناصر الأكثر تشدداً تروج لمشروع أممي يوحد المسلمين تحت ظل خلافة تم الإعلان عنها في ظروف مشبوهة. ونتيجة لذلك فإنه يتعين على السوريين أن يبذلوا جهوداً كبيرة لتعريف هويتهم العربية الإسلامية والقومية وتحقيق الموائمة فيما بينها وبين الهوية الوطنية في صياغة مستقبل بلادهم بعيداً عن أية تدخلات خارجية أو نفوذ إقليمي.
  3. هنالك خلط في المفاهيم يؤدي إلى تجاوزات كبيرة في الممارسة، حيث نزعت بعض القوى إلى الخلط بين مفهوم الدولة القومية ومفهوم الدولة الإثنية، علماً بأن الدولة الإثنية هي ظاهرة تاريخية تعبر عن هوية اجتماعية تستند إلى ممارسات ثقافية معينة ومعتقدات متفردة والاعتقاد بأصل وتاريخ مشترك وشعور بالانتماء إلى جماعة تؤكد هوية أفرادها في تفاعلهم مع بعضهم ومع الآخرين، وإذا كانت الدولة القومية تعبر عن أمة أو مجموعة من العرقيات فإن الدولة الإثنية تعبر عن عرق واحد وربما تتعصب له ولا تقبل غيره في حدود دولتها وقد يؤدي ذلك إلى التطهير العرقي ومن الأمثلة على ذلك ما يسعى حزب العمال الكردستاني وذراعه حزب الاتحاد الديمقراطي لتحقيقه. علماً بأن النموذج الذي يروج له الراديكاليون من عناصر وحدات حماية الشعب الكردية ويعملون على فرضه وتحقيقه بقوة السلاح هو نموذج غير معمول به على الإطلاق، إذ لا يمكن تصور وجود كيان سياسي على أسس "طهورية" يتم بموجبها طرد جميع من لا ينتمون إلى عرق محدد، ومن غير الممكن لعرق أن ينفرد بدولة عن غيره من المكونات الأخرى، ومن شأن ذلك إنشاء كيان عنصري وليس كياناً قومياً، وتحقيق ذلك غير ممكن في الدول الشرقية التي تختلط فيها عشرات الأجناس والأديان والمذاهب والأصول العرقية في المدينة الواحدة، فكيف يمكن فصل الناس، وإرغامهم على ترك قراهم وبلداتهم والأحياء التي يقطونها بغية إشاء وطن قومي مزعوم أو دولة قومية مزعومة لجهة أخرى.


arrow_upward