مفاهيم



الفيدرالية هي نظام إداري سياسي مجتمعي، يجمع بين إقليمين أو أكثر ضمن إطار أو سقف إداري موحد، مع تمتع كل إقليم بإدارته الذاتية، وتمثيل كافة المقاطعات أو الأقاليم في مؤسسات اتحادية عليا.

تتصف الدولة الفيدرالية بأنها دولة مركبة من أجزاء متميزة، وهذا التركيب هو الذي يميز الدولة الفيدرالية عن الدولة البسيطة، حيث تتكون الدولة الفيدرالية من دولتين أو أكثر، أو من إقليمين أو أكثر، يكون لكل منهما نظامه الخاص، واستقلاله الذاتي، مثل أن يكون لكل ولاية أو إقليم دستور خاص، برلمان خاص، حكومة خاصة، وقوانين خاصة، وعسكر خاص، وموارد خاصة، ولغة خاصة بها، لكنها في الوقت ذاته دولة واحدة من حيث وجود دستور اتحادي واحد، وحكومة اتحادية واحدة، وبرلمان اتحادي واحد، ومحكمة اتحادية واحدة، وجيش اتحادي واحد.

يتساوى جميع مواطني الكيانات الفيدرالية أمام القانون والدستور في كافة الحقوق ‏والواجبات، دون استثناء أو تمييز على أساس الانتماء السياسي أو المناطقي أو المذهبي أو ‏المكانة الاجتماعية أو الاقتصادية، لكن شرط "المواطنة المتساوية" ‏بين أبناء الوطن ينتفي في الكيانات الفيدرالية، باعتبار أن مواطني كل إقليم يخضعون لسلطة مستقلة ويتمتعون بحقوق وميزات تختلف ‏من إقليم لآخر، بقدر ما أصبح كل ‏إقليم يمتلك حصة مخصصة. ‏


أهداف النظام الفيدرالي 

يهدف النظام الفيدرالي إلى إيجاد حالة من التنسيق بين المقاطعات أو الأقاليم والمناطق ذات الخصوصية، بحيث تتمتع جميع المكونات والشعوب بهويتها وخصوصيتها، ضمن إطار التعايش السلمي، ويعرّف عند البعض بأنه أداة من أدوات التنظيم الإداري تقسم بموجبه نشاطات ومهمات الحكومة بين الحكومة الاتحادية وحكومات الوحدات المحلية بهدف التوفيق بين الوحدة القومية والمحافظة على حقوق الأقليات.

وبناء على ذلك فإن النظم الفيدرالية تقوم على أساس جمع مختلف الفئات المجتمعية ضمن نظام موحد، وليس على أساس التقسيم أو الفصل بين المجموعات السكانية، لكن مفهوم الفيدرالية أخذ أبعاداً مختلفة في المنطقة العربية نظراً لغياب الوعي بدور هذا النمط من النظم السياسية كمفهوم وإدارة وأسلوب حكم وتنمية وحل للمشكلات القومية والإدارية، إذ ينظر إليه في العديد من الدول الغربية على أنه أفضل طريقة للحفاظ على الوحدة الجغرافية للدول التي قطعت الأقاليم فيها شوطاً كبيراً في الاستقلال الإداري عن السلطة المركز.

هناك عدة حالات ناجحة جداً من نظم الحكم الفيدرالي، وخاصة الدول التي نشأت من خلال الاتحاد بالانضمام، وهي الطريقة الغالبة والشائعة لنشوء الاتحاد الفيدرالي، حيث تنضم عدة أقاليم مستقلة وتكّون دولة واحدة مع احتفاظ كل منها بقدر من الاستقلال الذاتي؛ لأن الهيكل الفيدرالي يسمح لها بذلك، حيث تتحد عدة ولايات متقاربة تشترك شعوبها في ملامح اجتماعية وجغرافية وتاريخية، فتتنازل كل واحدة منها عن بعض سلطاتها الداخلية وعن سيادتها الخارجية وفق دستور فيدرالي، ومن أبرز هذه النماذج: الولايات المتحدة الأمريكية التي تشكلت عام 1787، والاتحاد السويسري الذي تشكل عام 1874 وجمهورية ألمانيا الاتحادية التي تشكلت عام 1949، والإمارات العربية المتحدة التي تأسست عام 1971.

أما الطريقة الثانية لتشكل الاتحاد فتتمثل في التحول من دولة بسيطة -غالباً ما تكون مركزية- إلى دولة مركبة، وذلك من خلال مطالبة بعض ولايات الدولة بسلطات أكبر في الحكم المحلي بما يعكس التعددية اللغوية والإثنية والدينية، أو نتيجة الفروق الاقتصادية الكبيرة بين الإقليم المركزي والولايات المكونة للدولة، والظلم والإقصاء الواقعين على بعض الهويات الفرعية والأقليات؛ مما يدفعها إلى المطالبة بالاستقلال الذاتي أو نقل السلطات، ثم تعمل الولايات المفككة على تشكيل دولة واحدة هي الدولة الفدرالية، وفق نظام إداري فدرالي، ومن الأمثلة على الدول الفيدرالية الناشئة عن تفكك دولة بسيطة: المكسيك 1857، والأرجنتين 1860، والبرازيل 1891، وتشيكوسلوفاكيا 1969.


أهداف الجماعات السياسة في سوريا

أما في سوريا فقد وقعت مطالبات لبعض الجماعات السياسية لإنشاء كيان فيدرالي على أُسس إثنية، حيث يطالب حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وذراعه العسكري "وحدات حماية الشعب" بدولة فيدرالية تتيح لهم الانفصال بحكم إقليم يطلقون عليه اسم "روجافا"، وذلك  مقابل دعوات سبق وأن أطلقها وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر لإنشاء كيان فيدرالي في سوريا على أسس إثنية وطائفية، وتكررت دعوات ودراسات من قبل العديد من مراكز البحث الغربية تدعو إلى إنشاء نظام فيدرالي في سوريا.

وفي عام 2016؛ انضم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى المنادين بإنشاء دولة فيدرالية في سوريا، حيث دعا أطراف الصراع إلى دراسة فكرة إنشاء نظام فيدرالي، مما أثار حفيظة المعارضة التي اعتبرت تلك التصريحات دعوة مفتوحة لتقسيم البلاد، وكذلك النظام الذي كان يعتقد أن التدخل العسكري الروسي يهدف إلى توحيد البلاد تحت سلطته.


وفي ظل تردد الحديث في المصادر السياسية والإعلامية الدولية عن فكرة إعادة تشكيل السلطة في سوريا على أسس فيدرالية لا بد من التأكيد على جملة من النقاط المهمة:

  1. منع التدخل الخارجي: السوريون وحدهم هم من يقررون هوية الدولة ونظام الحكم المستقبلي، وليس من حق أية دولة أن تتقدم بأية أطروحات في هذا الإطار، لإن فتح مجال التداول حول مستقبلل الكيان السوري في المحافل الدولية هو الباب الأوسع للتدخل الخارجي لفقدان السيادة على الأرض، ولا شك في أن أهم شروط نيل الحرية والسيادة والاستقلال هو منع أي تدخل خارجي في الشأن المحلي.
  2. التمييز بين مشاريع التقسيم وبين النظم الفيدرالية: الفيدرالية ليست شراً محضاً، وهنالك تجارب ناجحة للنظم الفيدرالية في العالم، لكن ما يجب أن يتنبه له السوريون هو التمييز بين إنشاء نظام فيدارلي على أسس إدارية وبين مشاريع التقسيم التي تروج لها بعض الدول الخارجية على أسس إثنية وطائفية مما يمزق المجتمع السوري ويفضي إلى المزيد من الاقتتال ويضعف مؤسسات الحكم بدلاً من صيانتها.
  3. ضرورة تحقيق الإجماع الشعبي: إن المحاولات التي تبذلها بعض القوى الإثنية لتحقيق نمط من الانفصال تحت مسمى الفيدرالية هو أمر مرفوض، ولا يمكن السماح لمجموعة من السكان أن تفرضض نظام حكم على الأغلبية، بل لا بد من أن تتم القرارات الخاصة بمصير السوريين ومستقبل كيانهم السياسي بإجماع شعبي، فعندما قررت بريطانيا الخروج من الاتحاد الأوروبي لجأت إلى التصويت الشعبي، وهذه هي الطريقة التي يمكن من خلالها تقرير مستقبل البلاد وهويتها السياسية.
  4. اتخاذ القرار عبر تفويض شعبي وليس بقوة السلاح: لا يمكن إنشاء كيان فيدرالي مستقل بقوة السلاح، ولن تنجح محاولات بعض الجماعات الراديكالية المتطرفة في فرض نمط من الحكم علىى أغلبية المجتمع السوري من خلال سياسات التهجير القسري والتنكيل بمكونات سكانية مقابل تمكين مكونات أخرى، فهذه جريمة لا يمكن القبول بها، وهذا النمط العبثي لا يمكن أن يؤدي إلى نظام حكم فيدرالي يوحد الأمة على كيان سياسي واحد، بل من شأنه أن يؤدي إلى حرب أهلية تشتبك فيها مختلف المكونات المجتمعية في صراع طويل الأمد، ولا بد من الحذر من هذه المشاريع الهدامة التي يتم الترويج لها تحت شعارات "الفيدرالية" الزائفة.
  5. الدراسة المتأنية والاستشراف السياسي: أية مفاوضات حول مستقبل نظام الحكم ومؤسساته يجب أن تتم داخل إطار المجتمع السوري، ولا بد قبل الشروع في الحديث عن الفيدرالية من القيامم بعملية استشراف شاملة لتجارب التاريخ، فعندما خضعت سوريا للانتداب الفرنسي عام 1920، شرعت سلطة الانتداب في تطبيق نموذج فيدرالي يقوم على أساس تقسيم البلاد إلى كانتونات طائفية، لكن المشروع انهار بالكامل بحلول عام 1936، واضطر الفرنسيون إلى الاعتراف بخطأهم والتخلي عن المشروع الفيدرالي في سوريا.
  6. تجارب الدول المجاورة: واجهت الدولة الحديثة التي نشأت في ظل الانتدابين الفرنسي والبريطاني مشاكل كبيرة في بُناها المؤسسية وفي علاقة السلطة بالمجتمع، وفي ظل الأوضاع الأمنيةة والسياسية السائدة في الدول المجاورة التي تقوم على أسس من التقسيم الفيدرالي أو الدولة المركبة، يتعين على السوريين دراسة التجربة اللبنانية منذ تشكل الدولة اللبنانية وقياس مستوى الاستقرار ومراعاة مصالح سائر أبناء المجتمع من جهة، ودراسة التجربة العراقية منذ عام 2003 من جهة ثانية، وبعد ذلك فإنه من المتعين دراسة خصوصية التركيبة المجتمعية والجيوسياسية السورية، ففي ظل تداخل مختلف المجموعات السكانية في المدن الرئيسية وتجاور أبناء الأديان والإثنيات المختلفة في أحياء المدن والبلدات؛ فإنه  من غير الممكن تهجير أو ترحيل مجموعات سكانية لتحقيق مصالح مجموعات أخرى، وهذا لن يجلب الأمن ولا الاستقرار.
  7. التخطيط والتأسيس السليم للمؤسسات البديلة: لو افترضنا بأن الشعب السوري قد اقر إنشاء نمط من السلطة الفيدراليةفي البلاد، فإنه من المتعين القيام بعملية تأسيس هادئة للخروج من تجربةة الدولة البسيطة إلى تجربة الدولة المركبة، إذ يتطلب ذلك فترة ليست بالقصيرة من التخطيط المؤسسي لإعادة هيكلة الدولة ومؤسساتها، وصياغة عقد اجتماعي ودستوري لا يقوم على أساس المواطنة المتساوية، بل على أساس الخصوصية الإقليمية لولايات الكيان الفيدرالي، وهو أمر لا يمكن أن يتم بتدخل خارجي أو بضغط من فئة سكانية فيما يضر بمصالح الأغلبية من المواطنين. 


arrow_upward