مفاهيم




إدارة التنوع هي: الاعتراف بالفروق الفردية وتقديرها، وقبولها واحترامها، وإدراك أن كل شخص متفرد في ذاته فيما يتعلق بالسلالة أو العرق أو النوع أو الجنس أو المعتقدات الدينية أو السياسية، بالإضافة إلى الفروق الطارئة كالفئة العمرية والوضع الاجتماعي ومستوى الدخل.

يؤدي التسامح والاعتراف بهذه الاختلافات إلى بيئة تتسم بالأمان والإيجابية والرعاية، كما أنه يوفر مصدر قوة للمجتمع في حال تعزيز الأبعاد الغنية لمختلف الفئات المجتمعية واستثمارها في خدمة الصالح العام، مما دفع ببعض المجتمعات الغربية للتمييز بين مفاهيم المساواة التي ترتكز على تكافؤ الفرص، وبين مفاهيم "إدارة التنوع" التي ترى أن التنوع في القوى العاملة يمثل ميزة تنافسية بعيداً عن القيود القانونية المتعلقة بالمساواة وبتكافؤ الفرص.

وبعيداً عن نظريات إدارة التنوع في تعزيز الاقتصاد وإثراء بيئة العمل، يمكن تعزيز إدارة التنوع في المجتمعات التي تتكون من مجموعات مختلفة من خلال الإجراءات التالية:

  1. تأسيس بيئة متنوعة شاملة تحترم الفروقات بين أبناء الوطن وتعترف بها.
  2. تغيير القناعات السلبية إزاء مجموعات محددة ومكافحة التمييز فيما بينها
  3. تعزيز التواصل المجتمعي بين الفئات المجتمعية واستحداث آليات للتجانس المجتمعي
  4. سن قوانين تجرم التمييز على أساس الاعتقاد أو الأصل أو الفروق الطبيعية بين أبناء الوطن الواحد.

ومن شأن تلك السياسات أن تحقق التجانس المجتمعي الذي يُعد أحد أبرز مقومات تماسك المجتمع والدولة، ولا بد من تبني سياسات رديفة لمكافحة النزعات الإثنية التي تعرف على أنها: "ظاهرة تاريخية تعبر عن هوية اجتماعية تستند إلى ممارسات ثقافية معينة و معتقدات متفردة والاعتقاد بتاريخ مشترك وانتماء مشترك للجماعة على أسس عرقية"، فالطائفية والإثنية ماهى إلا إحدى أدوات تكوين المكانة أو المنزلة، وتصبح النزعات الإثنية خطيرة على الدولة والمجتمع في ظل ميل أبناء مجموعة سكانية نحو الانغلاق على أنفسهم، وعدم انفتاحهم على المجموعات السكانية الأخرى، مما يؤدي إلى خلق حواجز نفسية وتفشي روح الكراهية وإضعاف الرابطة الوطنية المشتركة التي تجمع أبناء الوطن الواحد، بحيث يتم تقديم التعصب للمجموعة على الانتماء للأمة والدولة والمجتمع، وتنحصر مفاهيم الحقوق والتمتع بالمميزات على أبناء تلك المجموعات مما يذكي الصراع بينهم وبين المجموعات الأخرى للاستئثار بالموارد والمميزات الأخرى.

في سوريا؛ مثل التنوع المجتمعي في سوريا ظاهرة تمتد آلاف السنين، حيث يتكون المجتمع السوري من أقليات عرقية كالأكراد والشركس والأرمن والتركمان والسريان، وأقليات دينية كالمسيحيين واليهود والإيزيديين، وأقليات طائفية كالعلويين والدروز والإسماعيليين. علماً بأن المذاهب المسيحية المعترف بها في سورية هي 11 مذهب وهي: البروتستانت، النساطرة، الروم الأرثوذكس، الأرمن الأرثوذكس، السريان الأرثوذكس، الروم الكاثوليك، الأرمن الكاثوليك، السريان الكاثوليك، الكلدان، الموارنة، واللاتين. ويشكل المسلمون السنة أكثر من ثلثي النسيج الاجتماعي في القطر السوري.

وعلى الرغم من مميزات التسامح والتعايش السلمي التي تميزت بها الشخصية السورية؛ إلا أن بعض الأحزاب السياسية عمدت إلى توظيف الطائفية بصورة أساسية لإنشاء نظام طبقي في سلم الدولة والتمتع بميزاتها وخدماتها، حيث عمدت قيادات حزب البعث في الفترة 1963-1970 إلى حسم الخلافات فيما بينهم من خلال إنشاء كتل طائفية أفضت إلى صراعات مريرة نتج عنها تصفية عدد كبير من الدروز والإسماعيليين والعلويين، في حين عمد نظام حافظ الأسد 1970-2000 إلى تبني سياسية طائفية مقيتة تضمنت تعيين أبناء عشيرته في المناصب الأمنية والعسكرية وتمييزهم بالرواتب المجزية وخدمات الدولة مقابل إقصاء أبناء السنة وتصفية النخب بصورة ممنهجة أسفر عنها ارتكاب مجازر جماعية في العديد من المدن والبلدات السورية، كما تبنى نظام الأسد سياسة إقصاء وتمييز ممنهجة ضد الأكراد منعهم بموجبها من حقوق المواطنة والتملك وغيرها من الحقوق الأساسية طوال فترة حكمه.

والطائفية هي التعصب لطائفة معينة ومحاباتها على حساب المجموعات الأخرى في المجتمع، ويعرّفها البعض على أنها: "تفضيل مذهب معين يشكل الهوية الأساسية لمجموعة من السكان على حساب الانتماءات الأخرى، وتبني سياسات رسمية للتفرقة بينهم وبين سائر أبناء المجتمع الواحد".

وبناء على ذلك فإنه لا بد من التمييز بين الانتماء إلى طائفة معينة، وبين ممارسة الطائفية على صعيد الممارسة السياسية بحيث يستأثر أبناء طائفية محددة بالمناصب الأمنية والعسكرية والإدارية في السلطة، ويتم حرمان عناصر أخرى بناء على أصولهم العرقية أو الدينية أو المذهبية.

وفي فترة حكم بشار الأسد 2000-2011، تعززت النزعة الطائفية-العشائرية من خلال ظهور طبقة متمولة من أقارب الرئيس في مختلف المفاصل الأمنية والعسكرية والاقتصادية، وتحولت ظاهرة الطائفية في سوريا إلى أزمة إقليمية عقب اندلاع الثورة عام 2011، حيث عمد النظام إلى الاستعانة بميلشيات شيعية عابرة للحدود من أصول إيرانية وعراقية ولبنانية وأفغانية وباكستانية، بحيث طغت الصبغة الطائفية على نمط الصراع، وهددت تلك السياسة الأمن الإقليمي والأمن الدولي لما تسببت به من احتقان طائفي هدد المنطقة برمتها، خاصة وأن أبناء هذه الميلشيات بدأوا يتحدثون علناً عن مشروع سياسي طائفي توسعي أطلقت عليه بعض قيادات المنطقة اسم: "الهلال الشيعي" الذي يخدم الطائفة ويوسع من مجال نفوذها في إيران والعراق وسوريا ولبنان على حساب المذاهب والطوائف الأخرى.

وعندما رمت إيران بثقلها في دعم نظام بشار الأسد الآيل للسقوط؛ تحولت حركة المطالبة بالحريات وحماية الحقوق الأساسية للشعب إلى صراع هوية يتم من خلاله استنزاف طاقات الدولة ومواردها من قبل النظام في عمليات التصفية الجسدية والتهجير القسري والحصار والتجويع والاعتقال على أساس الانتماء والاعتقاد، وذلك بالتزامن مع صراعات طائفية مريرة أوقدتها إيران في العراق واليمن وغيرها من بلدان المنطقة.

ونتج عن هذه الحملة الطائفية ردود أفعال عنيفة من قبل الأغلبية السنية التي وجدت نفسها أمام معركة تستهدف اقتلاعها من جذورها، وتهجيرها من مواطنها، والتنكيل بأبنائها على أساس الاسم والهوية، مما أنشأ خطاب كراهية طائفية مضاد لا علاقة له بالمشروع الوطني أو المطالب العادلة للثورة.

وبناء على ذلك فإنه يتعين بذل جهود لاستعادة مفهوم إدارة التنوع من جهة ومحاربة السياسات الطائفية، وفق الإجراءات التالية:

  1. مغادرة بشار الأسد ومجموعته المتورطة بإذكاء الاحقتان الطائفي، وإنشاء هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات على أسس غير طائفية تحترم التعددية وتعزز مفاهيم إدارة التنوع المجتمعي.
  2. طرد سائر الميلشيات الطائفية الأجنبية من سوريا، والعمل على استعادة السيادة والقرار الوطني بعيداً عن أية مؤثرات خارجية، والنأي بالسياسة الخارجية للبلاد عن أي استقطاب إقليمي أو معارك جانبية.
  3. إعادة تشكيل الجيش والشرطة والقوات المؤسسات الأمنية على أسس احترافية تستبعد مفاهيم التمييز والتفضيل على أسس طائفية، وتفكيك الميلشيات المحلية التي تم تشكيلها في السنوات الخمسة على أسس طائفية.
  4. تعزيز الوعي الشعبي بمفاهيم إدارة التنوع والتفريق بين حرية الانتماء الديني والمذهبي والاعتقادي، وبين التوظيف السياسي للطائفية والذي دأب نظام البعث على ترسيخه منذ مطلع ستينيات القرن الماضي.
  5. إعادة النظر في سياسات النظام الاقتصادية التي قامت على تفضيل فئات بعينها على أسس عشائرية-طائفية، وإنعاش القطاع الخاص بالفئة الشبابية لتمكينها من المساهمة بالنهوض الاقتصادي وإعادة الإعمار خارج الكيان البيروقراطي المترهل للدولة.

arrow_upward