مفاهيم

مفاهيم القوة وتطبيقاتها


تُعرّف القوة على أنها: "فرض الإرادة سواء تم ذلك من خلال شخص أو جماعة و ذلك للتأثير و ممارسة القوة على الآخرين باستخدام وسائل معينة".

وهي علاقة بين طرفين، يستلزم أن يكون أحدهما على قدر أكبر من الإمكانات، مما يتيح له بعض التفوق في السلطة والسلطان، والاحتفاظ بها لأطول فترة ممكنة، وإلا فلن تتوفر للقوة فعاليتها وسوف تتحول إلى عملية صراع.

ويشير مفهوم القوة إلى القدرة على فرض قبول الآخرين للأوامر وإحداث التغيير في الجوانب اللاجتماعية و الاقتصادية و السياسية، وتقوم على أربعة أسس رئيسية هي:

1- أن القوة تنشأ من خلال عملية التنظيم الاجتماعي.

2- أنها تبنى على أساس روابط و مصالح مشتركة ( اقتصادية/اجتماعية/سياسية/دينية).

3- تتباين القوة وتختلف مستوياتها بين الأفراد و الجماعات داخل إطار المجتمع.

4- تمكن القوة جميع المشتركين فيها من تحقيق ما لا يستطيع كل منهم تحقيقه وحده.

ورأى "ميكافللي" أن القوة هي أحد العناصر الأساسية لقيام الدولة، معتبراً أن وجود الدولة يعتمد بالدرجة الأولى على القوة لأنها المصدر الوحيد للمحافظة على ديمومتها، وتأخذ القوة عدة مظاهر أبرزها:

-          احتكار العنف

-          ممارسة الاستبداد

-          التأثير عبر أدوات الترغيب

-          وممارسة السلطة بمختلف أنواعها ومستوياتها.

وللقوة ديناميكية متحركة، تتوزع بين مختلف فئات المجتمع بحسب قدرة كل مجموعة على حيازة القدر الأكبر منها، حيث يمكن أن يكون للعسكر نصيب من ممارسة العنف، وللتجار القدرة على ممارسة النفوذ الاقتصادي، وللنخب دور في التأثير الجماعي، كما تنقسم إلى قوة كامنة غير ظاهرة، وقوة متحققة على أرض الواقع، ويمكن للفرد أو الجماعة حيازة أكبر قدر من القوة من خلال إنشاء دائرة تحكم تتيح مجال الحصول على مصادر القوة والاحتفاظ بها.

وربط ابن خلدون القوة بالعصبية التي تقوم على أسس مختلفة منها رابطة الدم والنسب والاعتقاد، والتي يضعفها الترف والخضوع لسلطة أكبر، فإذا أرادت الدول والتجمعات النجاة؛ فيجب أن تتعدى عصبية النسب إلى الالتحام الاجتماعي أو الروحي. فالدول العظيمة تحتاج عصبية عامة، بينما الدول الصغيرة لا تحتاج أكثر من عصبية النسب، ولذلك فإننا إذا أردنا تعزيز العصبية وتوثيق روابطها في مجتمعات كبيرة نحتاج إلى أكثر من مجرد النسب. وهذا ما تفعله الدول الكبيرة - مثل الولايات المتحدة الأمريكية - حيث تتكلم عن المواطنة أو القومية أو ما فوق القومية لعمل لحمة كبيرة جداً بين الأجناس المختلفة، التي لا تربطها رابطة الدم.

وما تشهده الجمهوريات المتداعية في مرحلة ما بعد الربيع العربي هو اضمحلال الهوية القومية وتفشي ظاهرة العصبيات الهامشية التي تقوم على الطائفية والمناطقية والعشائرية وما إلى ذلك من عصبيات بدائية تقوم على مراحلة ما قبل الدولة، حيث تمارس كل مجموعة العنف ضد الجماعات الأخرى، وتحاول حيازة القدر الأكبر منه دون النظر إلى أية روابط أخرى أو قواسم مشتركة مع أبناء الوطن الواحد.

وفي ظل التشكل السياسي الجديد خلال هذه المرحلة، لا بد من تحديد قواعد مهمة في قوانين القوة لدى القوى الفاعلة، أبرزها:

1- على الأحزاب والمؤسسات والحكومات المختلفة أن تسعى إلى تجديد حيويتها وإلا شاخت ونخر الهرم في جسدها.

2- إن ظهور الجماعات والمؤسسات والحكومات الجديدة الشابة كفيل بتقدم المشروع. وكونها لا تحمل ألماً تاريخياً يجعلها مندفعة متقدمة، إذ أن الإرث التاريخي أحياناً يكون له دور المثبط.

3-تبدأ ملامح فقدان القوة من جمود الأفكار، وضعف الارتباط (العصبية)، وكثرة الترف والنعيم، والبعد عن الأهداف الحقيقية، كما يأتي من الخضوع والانقياد. التام بدون وعي وبصيرة ما يشبه حالة الاستسلام.

4-تعتمد التكتلات والتحالفات المعاصرة على الاتفاق على فكرة واحدة وأهداف واحدة، بعيداً عن روابط الدم والعصبية، ويتعين على المجتمع تعزيز هذه الفكرة والأهداف المشتركة لتحقيق النهوض، وتجنب الفرقة والتشرذم.

ويمكن تحديد مكامن الخلل في ضعف آليات التعامل الصحيح من مفهوم القوة من منظوره الواسع، ويقصد بها القوة القومية بمعناها الشامل، وتشمل: السكان، والموارد الطبيعية، والموقع الاستراتيجي، والتطور التكنولوجي، والإنتاج الصناعي والزراعي، ونظم الحكم ومؤسسات الدولة، ومستوى التسلح، والدعاية والرأي العام.

وبعيداً عن التوسع في عناصر نظريات القوة، فإنه من المهم أن تسعى قوى المجتمع إلى حيازة أكبر قدر من مصادر القوة في ممارسة العمل السياسي، والتي يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

قوة الخطاب (الإعلام): امتلاك الأدوات التي تساعد على رسم صورة إيجابية للعمل بين المجتمعات، ويتطلب ذلك عدة إجراءات منها: إقامة علاقات تعاون مع مؤسسات الإعلام الإقليمية والدولية، وكسب تعاطفها، وتشجيع الكوادر للمساهمة الإعلامية وتوفير التدريب اللازم لهم للقيام بذلك.

القوة الاقتصادية (تنمية الموارد المالية): من خلال تأطير وتنظيم قطاعات الإنتاج المحلي والمساعدات الخارجية غير المشروطة.

القوة الشعبية (الامتداد الشعبي): عبر تصنيف المناطق المستهدفة إلى أقسام: آمنة، ورمادية، وسلبية، ثم وضع إستراتيجية لتعزيز العلاقات المجتمعية في المناطق الآمنة، والوصول إلى المناطق التي لم يصلها الخطاب الشعبي من حيث الاهتمام بسكان هذه المناطق والتواصل مع وجهائها، كما يتعين وضع إستراتيجية للتعامل مع الجهات والمناطق التي يتعامل سكانها بريبة وعداء عبر تخفيف الاحتقان والتقليل من نسبة العدائية والسلبية فيها.

القوة السياسية (التحالفات الإستراتيجية والتحالفات المرحلية): لا تستطيع القوى المجتمعية تنفيذ أجندتها في معزل عن المحيط الإقليمي والدولي، ولذلك فإنه يتعين صياغة رؤية للتعاون مع الدول المجاورة، وكذلك مع مختلف القوى السياسية الفاعلة، ومع مؤسسات المجتمع المدني، ومع الفعاليات والقوى المجتمعية للتعاون في نقاط الاتفاق.

القوة البنيوية (تعزيز البنية التنظيمية): تفرض الأحدث والمستجدات مراجعة البناء التنظيمي والإداري وتطويره وتحديثه ويمكن النظر إلى تجارب الأحزاب والجماعات الفاعلة والاستفادة من تجاربها، كما يتعين ضخ الدماء الجديدة لضمان استمرارية النشاط.

القوة الفكرية (مراجعة المنطلقات الفكرية وتحديثها وفق المستجدات): تزامنت مرحلة "الربيع العربي" مع حالة قصور كبيرة في تشكيل صياغة لكيان الدولة وأدوات الإدارة والحكم، مما يفرض على النخب المجتمعية أن تبادر إلى مراجعة بناها الفكرية ومبادئها وتسويق رؤاها بصورة مبسطة تضمن الانتشار الشعبي.

القوة البشرية (تنمية المهارات): يتعين في هذه المرحلة وضع برامج مستديمة لتطوير قدرات الكوادر المجتمعية وتعزيز نشاطهم من خلال عقد دورات تدريبية في: العمل السياسي، والإستراتيجيات الدولية، والنظم الانتخابية، والسياسة الشرعية، والعمل الدبلوماسي، والمهارات الشخصية.

القوة المعلوماتية: يحتاج العمل في هذه المرحلة إلى موارد معلوماتية تسهم في قراءة الواقع وتقييم المرحلة ومعرفة مكامن الخلل لدى الخصم، ومن ثم التعامل مع المستجدات بمهنية واحتراف، ولتحقيق ذلك فإنه من المهم تأسيس مراكز إمداد بحثية ومعلوماتية، وأجهزة الرصد والبحث العلمي.

arrow_upward