مفاهيم

الدولة الفاشلة

تصنف الدول بصورة عامة إلى ثلاثة أقسام رئيسية هي:

1-الدولة القوية: التي تتمتع بسيادة كاملة على حدودها، وتُوفر لمواطنيها فرصًا سياسية جيدة، تحتل هذه الدول كذلك مركزاً متقدماً في المؤشرات الاقتصادية والحقوقية، ويسود فيها حكم القانون بحيث تحمي مواطنيها من العنف السياسي والجنائي، وتضمن الحريات المدنية والسياسية، وتوفر مناخاً مشجعاً للنمو الاقتصادي والاستثمار، ويمكن العيش فيها بسلام ونظام.

2-الدولة الضعيفة: هي الدولة الهشة التي تمتلك بعض ملامح الفشل، لكنها تؤدي أدواراً أخرى بشكل مناسب، فقد تعاني من ضعف البنية التحتية والخدمات العامة لكنها تسيطر على حدودها، وتوفر الحماية والأمن لمواطنيها، ومن أبرز ملامحها: الفساد الإداري والاستبداد السياسي، وتدهور خدمات التعليم، والصحة، والكهرباء والطاقة، والمواصلات العامة، والاتصالات العامة، وتفشي التوترات الطائفية، أو العرقية، أو السياسية العميقة دون أن تتحول إلى حرب أهلية، بالإضافة إلى تدهور حكم القانون.

3-الدولة الفاشلة: هي الدولة التي يفقد الحكم فيها فاعليته ولا يمتلك السيطرة على الجزء الأكبر من أراضيه، وتصبح الدولة فاشلة إذا ظهر عليها عددٌ من الأعراض أبرزها:

-          أن تفقد السلطة قدرتها على السيطرة الفعلية على أراضيها أو أن تفقد احتكارها لحق استخدام العنف المشروع  في الأراضي التي تحكمها.

-          فقدانها شرعية اتخاذ القرارات العامة أو القدرة على تنفيذها،أو إدامة أسس التوافق على شرعيتها كدولة كراعية لمصالح جميع سكان البلاد.

-          انهيار البنى التحتية وعجزها عن توفير الحد المعقول من الخدمات العامة كالخدمات البلدية والصحية والتعليمية.

-          عجزها عن التفاعل مع الدول الأخرى كعضو فاعل في الأسرة الدولية.

-          عدم قدرتها على مواجهة انتفاضات مسلحة تقودها حركة معارضة أو أكثر.

-          هيمنة مجموعات انفصالية في الأقاليم، وتفشي الاضطرابات المدنية واقترانها بالعنف.

-          عدم قدرتها على حماية حدودها، وفقدان أجزاء من أراضيها، حيث تقتصر سلطتها في الغالب على العاصمة وبعض المدن.

-          ممارسة القمع والاضطهاد ضد مجموعات سكانية بداوفع إثنية أو طائفية، أو بدافع شعور النخبة الحاكمة بالخطر. 

-          تنامي ظاهرة العنف الجنائي والخروج على القانون، وإصابة مؤسسات الشرطة والأمن بشلل كامل إزاء التعديات التي تمارسها عصابات مسلحة.

-          تدهور مؤشرات الناتج المحلي ونصيب الفرد منه، وارتفاع التضخم بشكل صارخ، وفقدان السيطرة على العملة المحلية والقطاع المالي.

علماً أنّ الإعلانَ عن فشل دولة ما يحتاجُ إلى التطرّقِ لعدّةِ جوانبَ لتقييم وضعها ثمّ اتخاذ حكم بشأنها، ويتمّ الإبلاغ عن ذلك بشكلٍ رسميّ، ويرافقُه العديدُ من العواقب خاصّة على الصعيد السياسيّ.

ويرى نعوم تشومسكي أن  الدولة الفاشلة هي الدولة العاجزة أو غير الراغبة في حماية شعبها من العنف، وربما من الدمار والفوضى، وهي أيضاً الدولة التي تعدّ نفسها فوق القوانين كلها، سواء كانت محلية أو دولية، معتبراً أن الفشل يكون متعدد الأبعاد وليس مقتصرا على الجانب الاقتصادي أو العسكري فحسب، فهناك دول قُدمت عنها تقارير من البنك الدولي تشهد لها بالتقدم في معدلات النمو، لكنها كانت تمر بمراحل متقدمة من الفشل دون توثيق ذلك لأن الزيادة في معدلات النمو بقيت مجرد أرقام، ولم تصل إلى الناس، كما أنها لم تترجم إلى واقع .

وقد كانت سوريا في مرحلى ما قبل الثورة تمر بأنماط متعددة من الفشل دون إعلانها دولة فاشلة بالمعنى الشامل، حيث ارتفع معدل الفقر من: 11,5 بالمائة عام 2000 إلى 34,3 بالمائة عام 2011، وصنفت في سوريا في ذلك العام بالمركز 97 عالمياً من حيث جودة الحياة، وأصبحت في المركز 111 في مستوى الناتج المحلي الإجمالي للفرد، وتدهورت إلى مستوى 150 في مؤشر الشفافية العالمية من أصل 180 دولة، واحتلت المرتبة 165 في مؤشر حرية الصحافة من أصل 175 دولة، وبلغت المرتبة 140 في مؤشر الحرية الاقتصادية من أصل 180 دولة، وانخفضت في مؤشر الديمقراطية إلى المرتبة 152 من 167 دولة، وصنفت في المرتبة 115 عالمياً في الدول الآمنة.

وبدلاً من الاهتمام بتطوير البنية الاقتصادية والعمل على تحقيق إصلاحات تخرج البلاد من أزماتها الخانقة؛ ارتكزت سياسة النظام على تشديد القبضة الأمنية لمنع انتشار مظاهر السخط الشعبي بين فئة الشباب، فانحدرت سوريا عام 2011 إلى المركز 154 من حيث احترام حقوق الإنسان.

وعلى إثر اندلاع الثورة السورية في مارس 2011، تحولت سوريا إلى دولة فاشلة نظراً لانهيار البنية التحتية وفقدان النظام سيطرته على 82 بالمائة من الأراضي، وعلى نحو 60 بالمائة من السكان، بالإضافة إلى فقدان الشرعية الدولية، والسيادة واستقلال القرار السياسي واحتكار العنف الذي أصبح الجزء الأكبر منه مرتهناً بإيران والميلشيات الأجنبية التابعة لها.

وكان المبعوث الأممي السابق إلى سوريا أول من تحدث عن سوريا كدولة فاشلة في يونيو 2014، حيث بات الحكم فيها خاضعاً لزعماء الميلشيات، كما تطرق كل من: روبرت روتنبرغ وسيث كابلان في كتابهما "كيف تحولت سورية من دولة مارقة إلى دولة فاشلة" للحديث عن انهيار مؤسسات بعد الثورة السورية مؤكدين أن نظام بشار الأسد قبل الثورة: "لم يكن سوى واجهة لبنية تركيبية قائمة على عنف السلطة الأعمى، بصرف النظر عن شرعيتها السياسية والاجتماعية، وأن مؤسسات الدولة الوهمية كانت مجرد واجهة لأنظمة قبلية وعائلية بالغة الشَّخْصَنَة، أنجبت أنظمة شديدة القمعية، عسيرة على المقاومة بالعمل السياسي المدنيّ، فضلًا عن التغيير بالوسائل السلمية".

ورأوا أن التركيبة الأمنية والعسكرية التي اقتصرت في حكرها على طائفة محددة هي التي ولدت حركة مقاومة تهدف إلى تصحيح هذا الخلل السياسي والاجتماعي، وهذا بالضبط ما يفسر سبب اندلاع الثورة السورية ويبررها.

وفي مارس 2015، أكد مايكل ستاينباخ مساعد مدير مكتب التحقيقات الفدرالي "اف بي آي" أن سوريا على أرض الواقع هي: "دولة فاشلة ليست لديها أية بنى تحتية".

وفي مؤشر التقييم السنوي لـ"الدول الهشة"، الذي أصدره "صندوق السلام"، ونشرته مجلة "فورين بوليسي" في يونيو 2016؛ جاءت سوريا في المرتبة الرابعة باعتبارها الدولة الأكثر هشاشة في العالم، مما يطرح تحديات مهمة للشباب السوري في مرحلة ما بعد الثورة، أبرزها:

-          المحافظة على وحدة البلاد وصيانتها من مخاطر التفتيت والتقسيم

-          صيانة الكيان الجمهوري من التحلل وحماية مؤسسات الدولة من الانهيار

-          استعادة القرار السياسي والسيادة الوطنية وطرد الميلشيات الأجنبية

-          إعادة تأسيس مؤسسات الأمن والجيش وتفكيك الميليشيات الطائفية.

-          تأسيس نظام حكم محلي يقوم على أساس اللامركزية الإدارية

-          تدشين مشاريع إعادة إعمار سياسي واقتصادي للبلاد

-          استعادة البنى التحتية وتوفير الخدمات لسائر المواطنين دون تمييز

-          تبني برامج المصالحة الشاملة والحوار الوطني والعدالة الانتقالية


arrow_upward