مفاهيم


العقد الاجتماعي: نظرية اجتماعية تشير إلى نمط من التعاقد بين مجموعة من الأفراد من أجل تنظيم المجتمع وإنشاء الدولة وهو اتفاق تصغيه نخبة من أبناء المجتمع لتحديد العلاقة بين مكونات المجتمع المختلفة وبين سلطة الدولة.

بمعنى أنّ الدولة والسلطة هي نتاج اتفاق عقدته الجماعة على تشكيل هذه الدولة التي ستدير حياتهم وتقدم لهم الخدمات وتفض بينهم النزاعات وتحميهم من الأخطار الخارجية والداخلية.

والأصل فيها أن يكون الولاء للدولة وليس للفرد الذي قد ينزع إلى الاستبداد إن أصبح الأمر له.

وعلى خلفية الأزمة التي تشهدها سوريا، وما يُطرح من حلول لتحقيق عملية الانتقال سياسي؛ يدور حديث مختلف الأطراف عن الحاجة لصياغة وثيقة سياسية جديدة تحكم العلاقة بين السلطة والمجتمع، وذلك في محاولة لخروج بإجماع شعبي من خلال عملية استفتاء تعيد التأسيس لمنظومة سياسية جديدة.

وتزامنت هذه الدعوات مع ظهور كتابات غربية تشير جميعها إلى أن أحد أهم أسس الانتقال السياسي تكمن في صياغة وثيقة سياسية جديدة، وذلك في إشارة إلى فكرة: "العقد الاجتماعي" التي ظهرت لدى فلاسفة اليونان قبل أكثر من 2500 سنة، ثم تولى علماء الاجتماع في أوروبا خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر تطويرها إلى نظرية تتناول تحديد الوسائل التي يتحقق من خلالها التوافق المجتمعي لحماية المصلحة المشتركة عبر تأسيس سلطة حاكمة، وتأتي تلك النزعة -وفق رؤية المنظرين الغربيين- لتعكس تطور المجتمع من البدائية إلى النضج الذي يظهر في تنامي الحس الجماعي بوجود مصلحة مشتركة تتغلب على المصالح الفردية.

وعلى الرغم من اختلاف منظري الغرب مثل: توماس هوبز (1588-1679م) وجون لوك (1632-1704م) وجان جاك روسو (1712-1778م)، في تشخيص مستوى البدائية لدى المجتمعات، وفي تحديد نمط الأنظمة السائدة في مرحلة ما قبل "النضج السياسي"، وفي الدوافع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المفضية إلى صياغة "العقد الاجتماعي"؛ إلا أنهم اتفقوا على أن التحولات الكبرى في المجتمعات لا بد وأن تُنتج عقداً اجتماعياً يحكم العلاقة بين السلطة والمجتمع.

وتنطلق النظرية في إطارها الفلسفي من مجموعة جدليات خاض فيها  المنظرون الغربيون في القرنين السابع عشر والثامن عشر وجاءت أطروحاتهم كما يلي:

  1. رأى هوبز أن الإنسان عاش في مرحلة ما قبل المجتمع بحالة همجية لا أخلاقية، تحت سطوة المصلحة الذاتية وانعدام القوانين، فكان لا بدَّ له من إنشاء المجتمع حتى يحقق الإنسان مصالحه. كما أنّه يرى الناس غير قادرين على حكم أنفسهم بأنفسهم، لذا افترض أنَّ المَلكيَّة المطلقة ، البعيدة عن المَلكيَّة الحاكمة باسم الإله ، والتي تمتلك سلطة مطلقة غير مقيدة قادرة على سنِّ التشريعات والقوانين النًّاظمة لحياة النًّاس.
  2. واعتبر جان جاك روسو أنَّ الحالة الأصلية للإنسان كانت مسالمة وديعة، تسودها قيم أخلاقية، وأدى التطور التقني والاقتصادي للمجتمع إلى ظهور المقارنات بين النظم والصراع على نمط المُلكيات العامة والخاصة بين النّاس، مما أدى لانقسام المجتمع إلى قسمين: قسم الملَّاك وقسم العمَّال، فخوف الملّاك من العمَّال هو الذي دفعهم إلى تشكيل الحكومة التي أشاعوا أنّها ستحقق العدل والمساواة وتكافؤ الفرص بين أفراد المجتمع، ولكنها في الحقيقة أُنشئت لحماية مصالح هذه الطبقة
  3. واختلف جون لوك مع سابقيه حيث رأى أنَّ الحالة الطبيعية للإنسان كانت تسودها القوانين ولم تكن بتلك الهمجية التي صورها توماس هوبز، بل كان الإنسان  على علاقة مع الإنسان الآخر تحت مظلة المساواة في الحريات، واصبح نشوء السلطة فيما بعد ضرورياً لتنظيم العلاقة بين المجتمع والحاكم لتطوير مفهوم الحريات والدفاع عن الشعب.

أما في المنطقة العربية فقد رأى العديد من الباحثين أن الثورات العربية هي "إعلان عن سقوط العقد الاجتماعي الذي كان قائماً بين المواطنين ودولهم، نتيجة تراجع الأخيرة في الوفاء بالتزامتها الاقتصادية والاجتماعية نحو مواطنيها والتضييق عليهم في الحقوق المدنية والسياسية"، معتبرين أن الثورات العربية تهدف إلى التأسيس لعقدٍ اجتماعي جديد يعبر عن مطالب الشعب المحقه وتطلعاته، ففي تونس تم إقرار العقد الاجتماعي وهو الأول من نوعه في المنطقة العربية من قبل المجلس الوطني التأسيسي في يناير 2013.

وفي الفترة نفسها تم تأسيس مركز للعقد الاجتماعي بمصر من خلال  مبادرة مشتركة بين مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء المصري والبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة،  بناء على توصيات تقرير التنمية البشرية لمصر، وذلك لتقديم الدعم الفني لجهود التنمية البشرية في مصر من مدخل حقوقي تنموي يستند إلى مبادئ الحكم الرشيد ومفهوم المواطنة. ويهتم المركز برصد ومتابعة جهود الحد من الفقر وتحقيق الأهداف الإنمائية للألفية وبناء توافق وطني حول مفهوم العقد الاجتماعي والآثار المترتبة عليه وإعادة بناء الثقة بين الحكومة والمواطنين.

كما تناولت بعض مؤسسات المعارضة السورية فكرة صياغة عقد اجتماعي يحسم النقاط الخلافية حول العلاقة بين السلطة والمجتمع دون التوصل إلى مسودات فعلية يمكن الاستناد عليها.

وترتكز وثائق العقد الاجتماعي المعاصرة على مفاهيم متعددة تضبط العلاقة بين الفرد والدولة، أبرزها: تخفيض الفقر، وتحقيق المشاركة الشعبية في الحكم، بحيث يتمكن المواطنون من امتلاك المرافق والخدمات العامة وإدارتها، مما يتطلب التركيز على مفاهيم المواطنة، وتداول السلطة ومواكبة المتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وخاصة فميا يتعلق بالتنمية الشاملة.

ونظراً لأن الدساتير في الماضي كانت لا تحتوى أية مواد خاصة بالقضايا الاجتماعية-الاقتصادية، فقد تم النظر على أن العقد الاجتماعي هو صيغة مكملة لذلك النقص، لكن قيام العديد من الدول بتطوير دساتيرها وتشريعاتها لتنظيم العلاقة بين الدولة والشعب والمجتمع، دفع بوثائق العقد الاجتماعي نحو اتجاهات أخرى، بحيث أصبح يشار إليها على أنها منظومة مبادئ "فوق دستورية" تعكس الإرادة السياسية للمواطن وتفعل مشاركته المجتمعية على أرض الواقع، ففي حين تبدو مواد الدستور في صياغتها نصوصا قانونية جافة في معظم الأحيان فإن العقد الاجتماعي هو منظومة فكرية أخلاقية ارتضاها المواطن ميثاق عهد متبادل مع المجتمع ومن هنا يكتسب العقد الاجتماعي أهميته ومرجعيته الشعبية.

وفي ظل الجهود المبذولة لصياغة عقد اجتماعي سوري، لا بد من وضع الأمور التالية بعين الاعتبار:

  1. ضرورة إنجاز هذه الوثائق ضمن إطار مؤسسي شامل، يتم من خلاله تمثيل كافة فئات المجتمع، ومن ثم التصويت عليه، ولا يسوغ قيام فئة محدودة بصياغة هذه الوثائق، أو محاولة التأثير فيها فيما يخدم مصالحها في معزل عن التطور السياسي الشامل للبلاد.
  2. عدم الوقوع في خطأ تجاهل تطور النظم السياسية الحديثة، وافتراض البدائية لدى المجتمع السوري، إذ إن افتراض البدائية النظمية، ومحاولة استحداث وثائق لا تستفيد من التجارب السابقة ستؤدي حتماً إلى إغفال عناصر مهمة في التطور السياسي والاجتماعي وخاصة فيما يتعلق بالمحركات الإقليمية للصراع.
  3. مع التأكيد على أهمية الوثائق الأساسية في المرحلة الانتقالية -بما فيها العقد الاجتماعي- لا بد من التذكير بأن المشكلة الأساسية للتطور السياسي في سوريا لا تقتصر على إقرار الصيغة المناسبة، وإنما في قدرة النظم السياسية المتعاقبة على تفعيلها وتطبيق بنودها على أرض الواقع  فلا تكمن في النصوص وإنما في النظم، وفي آليات إعمال النصوص على أرض الواقع، وما لم تكن هنالك آليات فاعلة لتطبيق النصوص فإنها ستبقى حبراً على ورق.
  4. السوريون وحدهم هم الذين يقومون بصياغة الوثائق الأساسية لعملية الانتقال السياسي في مرحلة ما بعد البعث، ولا يحق لأية جهة خارجية أن تقوم بهذه المهمة نيابة عنهم، أو أن تحاول إدراج أو إقحام مسودات من طرفها.
  5. ضرورة الحذر من الدعوات التي تطلقها بعض جهات منفردة لصياغة "عقد اجتماعي" من منظور يفرض رؤية أحادية تهدف إلى إعادة صياغة الهوية المجتمعية فيما يتناسب مع رؤاها ومنطلقاتها الفكرية، وتلغي بذلك المكونات الأخرى للمجتمع وتدعي الوصاية على مؤسسات الإدارة والحكم، حيث يلاحظ من خلال بعض محاولات صياغة العقد الاجتماعي في أروقة المعارضة محاولات بعض التيارات السياسية تمرير أجنداتهم الخاصة من خلال اقتراح مسودات تعكس رؤاهم الخاصة وتدفع لنشوء فئة منتفعة جديدة على أنقاض البعث تعمل على صياغة "عقد" جديد لا يعدو أن يكون أداة سياسية تمكّن هذه المجموعة من الهيمنة على مؤسسات الحكم.

arrow_upward