مدونة مرئية

سرقة الثورات 

- على هامش الثورة - الحلقة 1


شهد العالم العربي بعد الحرب العالمية الأولى سلسلة من الثوارت الشعبية ضد القوى الاستعمارية التي قسمت الأراضي التابعة للدولة العثمانية وأخضعتها إلى سيطرتها.

ففي أعقاب إخضاع سوريا ولبنان للانتداب الفرنسي، وإخضاع كل من العراق وشرقي الأردن وفلسطين للانتداب البريطاني عام 1920، ظهرت سلسلة من حركات المقاومة الشعبية، وتكبد الجيش الفرنسي خسائر فادحة في الأرواح، حيث صرح الجنرال المفوض ساراي بأن "سورية قد شهدت في سنة 1922 خمسة وثلاثين ثورة دفن فيها من الجيش الفرنسي خمسة آلاف جندي"، واستمرت المقاومة الشعبية لنيل الحرية والاستقلال حتى استقلال العراق عام 1932 وسوريا ولبنان عام 1946.

وكانت مظاهر الاحتفال العارمة بالجلاء تشوبها الكثير من العواطف الجياشة ابتهاجاً بانتهاء حقبة الانتداب الفرنسي وبدء مرحلة جديدة استكملت فيها سورية جميع شروط سيادتها واستقلالها. ومن ثم بادرت بممارسة دورها الإقليمي والدولي فأسهمت في تأسيس جامعة الدول العربية في 22 مارس 1945، وشاركت في وضع ميثاق الأمم المتحدة في سان فرنسيسكو في يونيو 1945.

لكن مشاعر الابتهاج لم تدم طويلاً نتيجة بروز ظاهرة سرقة الثورات العربية من قبل قوى عسكرية بادرت إلى وأد الحركات الشعبية من خلال سلسلة انقلابات أجهضت الحكم المدني، وقمعت الحراك الشعبي، ومنعت الحريات العامة.

فقد دأبت السلطة الفرنسية خلال فترة الانتداب 1920-1946 على تجنيد عناصر إثنية وطائفية في جيش الشرق الذي شكلته لقمع الثورات التي اندلعت ضد الاحتلال في الأقاليم السورية، وأطلقت عليها اسم "القوات الخاصة للشرق".

بل تمرد بعض الجنود ودمروا الممتلكات العامة وسرقوا مخازن الأسلحة حينما سلمت فرنسا هذه القوات للحكم الوطن، فقد كان ولائهم للجنرال ديغول ولم تكن لديهم رغبة في الخضوع للحكم الوطني!

علق أكرم الحوراني حينها  في مداخلة له بالبرلمان السوري على عملية تسليم الجيش للحكم الوطني بقوله:

"إن إبقاء لجيش على حالته الراهنة أمر مضر بالمصلحة القومية ضرراً فاحشاً. إذ لا بد من إجراءات عميقة وصالحة كي يصبح هذا الجيش جديراً بحماية أمن البلاد الداخلي والخارجي."

وقال: "إن الجيش السوري المحلي قد أنشأه الفرنسيون لا ليكون جيشاً يحمي البلاد ومصالح الأمة إنما كانت غايتهم أن يقمعوا بواسطته كل حركة وطنية أو قومية تقوم في هذه البلاد".

و" ألفوه فرقاً على أساس النعرات الطائفية والعنصرية".

ولم يطل الأمر عقب الاستقلال حتى انقلب ضباط هذه القوات فرنسية التشكيل على الحكم المدني، ففي الإحدى وعشرين عاماً الممتدة منذ سنة 1949 وحتى 1970 إحدى وعشرون انقلاباً ومحاولة انقلابية وحركة تمرد أو عصيان قام بها بعض ضباط الجيش السوري.

وليس من قبيل المصادفة أن يكون جميع زعماء الانقلابات العسكرية وقادة المجالس الحربية التي دعمت هذه الانقلابات في سورية خلال الفترة 1949-1963، من ضباط القوات الخاصة للشرق،

فالمزيج الذي صنعته فرنسا من العنصر الطائفي-العسكري كسلطة بديلة للحكم المدني، قد أسهم في تشييد أركان نظام الحكم الطائفي العسكري الذي آلت إليه سورية في عهد البعث الذي بدأ عام 1963.

أما على الصعيد الخارجي فقد هرعت القوى الإقليمية والدولية إلى الاستفادة من حالة الفوضى وانعدام الاستقرار في الداخل السوري لتحقيق مصالحها، ولم تبخل سفارات كل من أمريكا وبريطانيا وفرنسا بما تملكه من معلومات استخباراتية وتسهيلات فنية لصالح ضباط الجيش المتنازعين وفق ما تقتضيه مصالح هذه الدول، وتحولت مكاتب هؤلاء الضباط إلى بؤر استقطاب لجميع لصوص الثورة من الانتهازيين والنفعيين وعملاء الدول الخارجية، الأمر الذي يدعونا للتذكير بأن لكل ثورة لصوص يجب التحذير منهم والعمل على إقصائهم لأنهم لا يقلون ضرراً عن أعدائها.

ونظراً لأن الثورة تمر بمراحل تقدم وانحسار، فإنه يمكن العثور على هذه الشخصيات في مراحل الانحسار الثوري، حيث تطل هذه العناصر برؤوسها وتخرج إلى العلن للاستحواذ على الحراك الشعبي بغية وأده وتجييره لصالح الداعمين والممولين.

يظهر لصوص الثورات بصور مختلفة، أبرزها:

  1. عناصر قيادية في المؤسسات الأمنية والعسكرية لنظام الأسد تدعي الاعتدال، ويتم الترويج لها على أنها مكون أساسي في العملية الانتقالية مكافأة لها على ما تبذله من تعهدات في كواليس الدبلوماسية الدولية برعاية مصالح القوى الداعمة، وتستفيد مقابل ذلك من حملات الترويج الغربي لها لتبييض صفحة جرائمها.

  2. عناصر من نظام الأسد، خرجوا من سوريا خوفاً من بطش منافسيهم وفروا من التصفيات الداخلية، لكنهم لم يعلنوا الانشقاق عن النظام الذي خرجوا من كنفه، وذلك لأنهم يناوئون الحرك الشعبي العداء، وينتظرون الفرصة المناسبة لإعادة الحكم الأمني والعسكري، ويقيم أغلب هؤلاء في عواصم عربية وغربية، مترقبين الظروف التي تسمح بعودتهم إلى مناصبهم السابقة.

  3. "معارضة" مهجنة تم إنشاؤها في أقبية الاستخبارات لإرباك الصف المعارض وشق صفه وخفض سقفه، يمثلون طابرواً خامساً دأبه دعم القوى الداعمة للنظام وتمثل مصالحها في مفاوضات الأزمة السورية، ومن المؤسف أن العديد من هذه الشخصيات قد استحوذت على الصفوف الأولى في تمثيل المعارضة، وأصبحت تتمتع بدعم دولي تحت شعار "توحيد المنصات".

  4. منتفعون وانتهازيون لا ينفكون عن مهاجمة قوى الثورة في جميع المحافل، لكنهم لا يمانعون من تولي مناصبها العليا حين تسمح الفرصة لذلك، أغلبهم من تجار الأزمة الذين حققوا ثروات كبيرة من خلال الفوز بتعهدات الدول الداعمة، ومن امتهنوا كتابة التقارير لأجهزة الاستخبارات الإقليمية والدولية وتمثيل مصالحها في المحافل الدبلوماسية والمفاوضات.

  5. الرماديون أدعياء "الخط الثالث"، الذين يركبون موجة الثورة لكنهم لا يؤمنون بمبادئها، وينصب الجهد الأكبر لدى هذه الفئة في خفض سقف المطالب الوطنية بدعوى الواقعية والممارسة السياسية، ودأبهم البحث عن الثغرات في أتون الصراع الإقليمي والدولي لتقديم أنفسهم كبدائل عن "طرفي الصراع"، يمكن تمييزهم من خلال الفارق الواضح بين الشعارات الرنانة التي يطلقونها لكسب التعاطف الوطني، وبين التنازلات المخزية التي تثير دهشة المفاوضين الأمميين في مجالسهم الخاصة.

  6. المغفلون الذين دخلوا ميدان العمل السياسي دون سابق خبرة أو معرفة، ودأبهم تقديم التنازلات المجانية عن مبادئ الثورة للنظام وحلفائه ظناً منهم أن ذلك ضرب من فنون المناورة والتكتيك الاستراتيجي.

  7. المغالون والمتشددون والمتطرفون، وينقسمون إلى قسمين رئيسين: قيادة تتبع لتمويل وأجندات أجهزة استخبارات باتت معروفة ومكشوفة للجميع، وأغبياء تمتطيهم تلك القيادات لارتكاب أفظع الجرائم بأبخس الأثمان، يصدق فيهم قول الله عزل وجل: "قل هل أنبئكم بالأخسرين أعمالاً، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً".

ولا شك في أن السبيل الأفضل لحماية الثورة من هذه الفئات هو العمل على تحقيق التوافق بين السواد الأعظم من القوى الشعبية التي تمثل التيار العارم للحراك الشعبي، والاتفاق فيما بينها على مجموعة من المبادئ والأسس التي لا يمكن الحياد عنها لتصبح مرتكزاً لقياس مسافة مختلف الفئات من الثورة وتقييم أدائهم بناء على الالتزام بها.

arrow_upward