التدريب والتطوير

لتمكين الشباب العربي من الممارسة الفاعلة في العمل السياسي

لتحميل كتاب د. بشير زين العابدين (إدارة المشاريع السياسية في عالم عربي متحول)

الحنين إلى العبودية!

في شهر فبراير 2016، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية، عن قرار طبع صورة الناشطة المناهضة للعبودية، هاريت توبمان (ت 1913)، على أوراق الدولار الأمريكي من فئة 20 دولاراً، لتصبح أول امرأة تطبع صورتها على الفئات المالية، بعد مرور أكثر من قرن على وفاتها.

وتُعد توبمان من أشهر الناشطات في مجال إلغاء الرق في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث شنت بعد هروبها من العبودية (1849) سلسلة حملات أنقذت فيها نحو 700 شخص من العبودية، وذلك بمساعدة شبكة من الناشطين في إلغاء الرق، وباستخدام بيوت آمنة وطرق سرية كانت تُعرف بنفق سكة الحديد.

وفي أوائل عام 1859، اشترت توبمان قطعة أرضٍ صغيرة في أحد ضواحي مدينة أوبورن (نيويورك)، واتخذت منها ملاذاً آمناً للعبيد المحررين، واستفادت بعد ذلك من قرار لينكولن تحرير العبيد (يناير 1863)، وعملت لصالح قوات الاتحاد، حيث قامت برعاية العبيد المحررين حديثاً، وكانت تضمد جراح الجنود في ولاية فرجينيا، واعتُبرت رمزاً أمريكياً في حياتها وبعد وفاتها، حيث نُشر عنها كتابان،[1] واعتبر ضريحها بعد وفاتها ضمن السجل الوطني للأماكن التاريخية في عام 1999، وفي عام 2013 وقّع الرئيس باراك أوباما على مرسوم لإنشاء المَعلم الوطني لنفق سكة حديد هاريت توبمان في الساحل الشرقي.

وبعيداً عن سجل التكريم الحافل الذي حظيت به والأفلام والكتب التي نشرت حولها، إلا أن المعاناة الأبرز لتوبمان تمثلت في اضطرارها لحمل مسدس في رحلاتها وتهديد العبيد المحررين بإطلاق النار عليهم إذا حاولوا العودة إلى أسيادهم، ففي رحلة لها مع مجموعة من العبيد الهاربين، ضعفت الروح المعنوية لدى المجموعة، وأصر أحد الرجال على العودة إلى المزرعة، فوجهت السلاح إلى رأسه وقالت: «إما الاستمرار أو الموت».

وكان من أصعب تجاربها، فشلها في إقناع زوجها بالفرار معها، وإيثاره البقاء في خدمة أسياده، ووفقاً لمصادر معاصرة، فإن توبمان سُئلت ذات مرة: «ما هي أصعب خطوة لإنقاذ العبيد؟»، ففكرت بعمق، ثم أجابت: «أن أقنع عبداً أنه ليس بعبد».

العطب في قنوات الممارسة التقليدية

تلقي هذه القصة الضوء على المصاعب التي تواجهها المجتمعات العربية في الانعتاق من الاستبعاد والتهميش، ما يعزز مظاهر انسداد آفاق المشاركة الشعبية، ويمنعها من ممارسة حقوقها المدنية والسياسية، ويساعد الحكومات العسكرية على الاستمرار في تجريم سائر الأنشطة الاختيارية.

وأسفرت تلك الممارسات القهرية عن بروز ظواهر سلبية في المجتمعات العربية، أبرزها: العزوف عن الممارسة السياسية بصورة كاملة، أو ممارسة العنف السياسي من خلال الانتساب إلى جماعات الغلو التي وظفت انسداد آفاق الممارسة القانونية لزيادة جمهورها، في حين انساق عدد آخر من الشباب نحو العمل في إطار الجماعات والأحزاب التي ظهرت في مراحل مختلفة من القرن العشرين، والتي كانت تعد القناة الأبرز في ممارسة العمل السياسي خارج إطار السلطة.

ويُعرّف الحزب في الموسوعة البريطانية بأنه: «مجموعة ضمن مجموعات أخرى في النظام السياسي تحاول إيصال مرشحيها إلى المناصب العامة للسيطرة على الحكومة أو التأثير على سياستها».

ورأى آخرون أنه: «تجمع لأفراد يبشرون بنفس الأفكار السياسية ويسعون لجعلها تتغلب من خلال مؤازرة أكبر عدد ممكن من المواطنين لها للاستحواذ على السلطة أو على الأقل للتأثير على قراراتها».

ويرتبط تشكل الأحزاب السياسية في مفهومه المعاصر بالنظم الديمقراطية في القرن التاسع عشر، حيث ظهرت الأحزاب في بريطانيا بعد الإصلاح الذي شهدته انتخابات عام 1832 والذي زاد من عدد الناخبين، ثم طورت تلك الأحزاب نوعية تنظيمها وأصبحت أحزاباً وطنية منتشرة جغرافياً.

وفي فرنسا ظهر أول حزب بالمفهوم المعاصر عام 1848، وأخذت التكتلات المجتمعية والنوادي الشعبية والكتل البرلمانية في التشكل تدريجياً في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حتى أصبحت الأحزاب السياسية ظاهرة في غالبية الأمم المتحضرة بحلول عام 1950.

وتُمثّل الأحزاب اليوم مؤشراً مهماً على مستوى التطور السياسي والوعي المجتمعي، حيث ارتبطت بظهور البرلمانات في النظم السياسية الحديثة، وبالكتل النيابية التي انخرطت في تشكيلات حزبية، ودفعت لاعتماد نظام الاقتراع للوصل إلى السلطة بديلاً عن مقاعد الوراثة التي كان النبلاء يورثونها لأبنائهم.

وعملت تلك الأحزاب على التأثير خارج البرلمان، حيث انخرطت مجموعات نقابية عمالية في حراك حزبي كما هو الحال بالنسبة لحزب العمال البريطاني، وكذلك بالنسبة لأحزاب الفلاحين، وخاصة في بعض الدول الإسكندنافية، والتي كان أصل نشأتها الجمعيات الفلاحية، وكان أساس نشأة بعض الأحزاب المسيحية في أوروبا هو الجمعيات المسيحية التي نشطت في فئات المجتمع وكونت هياكل تنظيمية لكسب الأعضاء ومراقبة عمل البرلمان والسلطة التنفيذية.

أما في العالم العربي فقد بدأت بواكير العمل الحزبي عام 1911، وذلك لدى تشكيل «حزب الحرية والائتلاف العثماني»، والذي كان في أصله مجرّد كتلة للنواب العرب في البرلمان العثماني، ثم ظهرت الجماعات الوطنية التي نظمت نفسها في مواجهة الاستعمار والتحرّر من نير الاحتلال الأجنبي في النصف الأول من القرن العشرين.

إلا أن الساحة السياسية انحدرت عقب التحرر من نير الاستعمار من نظام التعدّد الحزبي، إلى نظام الحزب الحاكم المُهيمن على مقاليد الأمور، بحيث تحول نظام الحزب الواحد إلى ظاهرة في البلدان النامية، وخاصة في شرق أوروبا وأفريقيا والعالم العربي.

وتزامنت عملية تشكل الأحزاب مع ظهور نزعات إقليمية، حيث نشأت الكثير من الأحزاب العربية على أسس قومية إقليمية كحزب البعث العربي الاشتراكي الذي امتد من إطاره القطري إلى مضمونه القومي، وتولى السلطة في قطرين عربيين كبيرين هما سورية والعراق، وتمتع بوجود في الأردن ولبنان واليمن والسودان.

كما قامت أحزاب أخرى على أسس قومية أو أممية عابرة للأقطار مثل «القوميين العرب»، و«الوحدويين الاشتراكيين»، وجماعة «الإخوان المسلمين» والأحزاب الشيعية التي قامت على أساس مرجعي مثل «حزب الدعوة» الذي ظهر في العراق وأنشأ فروعاً له في عدة دول عربية.

ونتيجة لانسداد آفاق الممارسة السياسية السلمية في الجمهوريات العربية، فقد عانت الأحزاب والجماعات من القمع الرسمي، واضطر كوادرها إلى العمل في إطار من السرية والظروف القهرية التي منعتها من توسيع نطاقها، فتشكل العديد منها تدريجياً في قوالب صلبة لا تمتلك المرونة اللازمة للتأقلم مع عمق التحولات التي مرت بها المجتمعات العربية، ومن أبرز المظاهر السلبية التي برزت في العمل الحزبي خلال العقدين الماضيين:

1 ـ  التداخل بين مفهومي «الجماعة» و«الحزب»: فالحزب المتعارف عليه في المصطلحات السياسية يختلف عن «الجماعة» المتعارف عليها في الثقافة العربية، إلا أن دمج التعريفات اللغوية الكلاسيكية بين المصطلحين سبب حالة من الارتباك في الدلالة وفي التطبيق، حيث ورد تعريف الحزب في اللغة العربية بأنه: «الطائفة والسلاح والجماعة من الناس»، وقال اللغوي محمد بن الأعرابى (ت 78ه/845م): «الحزب الجماعة»،[2] ولم يكن يعلم اللغويون العرب أن هذا التعريف سيحدث ارتباكاً لدى الجماعات التي ظهرت في النصف الأول من القرن العشرين على أسس إيديولوجية تحولت مع مرور الزمن إلى عصبويات تميز منسوبيها عن سائر المجتمع، ثم أدركت في وقت متأخر أنها لا تملك أدوات العمل الحزبي، لأنها ظهرت كمحضن تربوي يربي أعضاءه على أسس نخبوية ويميزهم عن سائر المجتمع، بحيث تحول أعضاء الجماعة إلى طبقة مختلفة عن الآخرين، وذلك بخلاف الأحزاب التي تعمل من خلال خطاب جماهيري يتعامل مع سائر أفراد المجتمع ويسعى للحصول على أصواتهم للوصول إلى السلطة، ونتج عن محاولة بعض الجماعات إيصال كوادرها للسلطة وقوع صراعات طاحنة مع القوى والأحزاب السياسية الأخرى نظراً لضعف التجربة العربية في مجال التداول السلمي للسلطة.

2 ـ  الانعزالية الفكرية والتنظيمية: نظراً لتغلب مفهوم «الجماعة» على «الحزب» في الممارسة السياسية، فقد عزلت بعض الجماعات كوادرها عن المجتمع بدعوى حمايتهم من التفلت أو تفادياً للتأثر بالجماعات الأخرى، وأدت الحالة الانعزالية إلى تبني أفكار راديكالية مفرطة لدى كوادر بعض الأحزاب اليسارية، وإلى ظهور فكر الغلو لدى أعضاء بعض الجماعات الإسلامية التي صنفت نفسها على أنها «جماعة المسلمين»، واستحدثت نظام البيعة لزعيمها على ذلك الأساس، معتبرة أن الخروج عن تلك الزعامة هو «خروج عن الجماعة»، وذلك في عملية قسر تنظيمي وإيديولوجي للأعضاء ومنعهم من ترك الجماعة أو ممارسة العمل السياسي خارج إطارها باعتباره إثماً أو خطيئة تستوجب العقاب.

3 ـ  ظاهرة الانشقاقات الداخلية: أفضى ضعف التجربة لدى الجماعات حديثة التشكل إلى تفشي الانشقاقات الحزبية في معظم البلدان العربية، حيث شهدت الجماعات والأحزاب، الشيوعية، والاشتراكية، والقومية، والإسلامية، والليبرالية انقسامات قام معظمها على أسس إثنية وطائفية ومناطقية وعشائرية، ما أفقد تلك الكيانات أسسها الإيديولوجية والتنظيمية وجعلها فريسة لمظاهر التحشيد الطائفي ـ المناطقي الذي هيمن بصورة واضحة في مطلع الألفية الثالثة.

4 ـ  الظاهرة الأبوية: تمحورت معظم الجماعات والأحزاب العربية حول رموز وشخصيات بدلاً من ارتكازها على المبادئ السياسية أو البرامج الحزبية، بحيث تحول زعيم الحزب والأعضاء الدائمون المستحوذون على المناصب لعقود طويلة إلى نماذج مصغرة للحكم الدكتاتوري، وأصبحت صور زعيم الحزب وكلماته معقد الولاء وأساس الانتماء، ما فوّت على تلك الكيانات فرصاً مهمة في فتح قنوات المشاركة السياسية، وحولها تدريجياً إلى نخب مغلقة تتمحور حول رموزها، وأسفر ذلك التعصب عن صراعات مسلحة تحولت في بعض البلدان إلى مواجهات شعبية وحروب أهلية طاحنة، وذلك نتيجة الالتفاف حول شخصيات اختزلت العمل السياسي في قادتها، وعجزها عن إفراز قيادات رشيدة تقدم بدائل للعمل السياسي الرصين.

5 ـ  النظرة الدونية للمجتمع: أثبتت أحداث «الربيع العربي» أن افتراض عدم الوعي عند العامة، واعتبار أنهم لا يملكون القدرة على التمييز كان خطأً فادحاً، حيث اندفعت بعض الأحزاب للتحالف مع السلطة الاستبدادية لضمان بقائها، ويمكن التمثيل على ذلك بعشرات الأحزاب المقعدة التي اختارت العمل ضمن بوتقة الحكم الشمولي كأحزاب الجبهة التقدمية في سوريا على سبيل المثال، والتي أصبحت مثار التندر والسخرية بين أبناء المجتمع. وبمرور الزمن وتنامي حالة الانعزالية، عمدت العديد من الأحزاب إلى تأصيل تلك النظرة الدونية كتبرير لانعدام الشعبية وعدم القدرة على كسب الأصوات، فقد رأى منظر حزب البعث العربي ميشيل عفلق بأنه: «لابد أن تكون قيادة الحزب بيد أقلية، إذ لو أن الأكثرية كانت قادرة على وعي المبادئ حق الوعي، ولو أنها كانت قادرة على تنظيم حقوقها حق التنظيم، ولو أنها كانت تسير من نفسها في طريق النضال الجدي لتبديل الأوضاع، إذن لما كانت المرحلة الانقلابية». [3] مؤكداً أنه من الضروري: «أن تكون قيادة الحركة الانقلابية بيد أقلية تترجم حاجات الشعب العميقة». [4] والحقيقة هي أن فكرة الحزب الأقلية لم تكن وليدة أفكار عفلق بل سبقه في ذلك لينين الذي تحدث عن دور فئة حزبية أطلق عليها اسم (vanguard) تمارس الوصاية على الجماهير، ومن هنا برز مفهوم «الطليعة» لدى حزب البعث، والذي كان له أسوأ الأثر في تضييق مجال المشاركة الشعبية وإقصاء المجتمعات عن الممارسة الإيجابية الفاعلة.

مرحلة ما بعد الأحزاب

دفعت إخفاقات الجماعات العربية بالشباب للعزوف عن الانتماء الحزبي والبحث عن مجالات أخرى للتفاعل في المجال السياسي، حيث اختارت أقلية منهم ممارسة العنف السياسي، ولجأ الغالبية العظمى منهم للنزول إلى الشوارع، والعمل بصورة مباشرة على إسقاط النظم الاستبدادية ولكن دون امتلاك أدوات التغيير أو القدرة على تشكيل بدائل عن تلك الأنظمة، وهي المهمة التي كان يعول على الأحزاب السياسية أن تعالجها بحكم الخبرة والاختصاص.

وتشهد الساحة العربية تحولات كبرى على صعيد الممارسة السياسية، حيث يتنامى عزوف الشباب العربي عن الانخراط في العمل الجماعي أو الحزبي، ويتجهون نحو أدوات بديلة كتأسيس الشبكات، وتشكيل منظمات المجتمع المدني، حيث عززت «الثورة الرقمية» دور الفرد في مقابل إضعاف الجماعة، بحيث أصبح من المتاح للأفراد تشكيل هوية سياسية مستقلة، وإنشاء مجال تفاعل خاص بهم عبر حسابات التواصل الاجتماعي، وممارسة النقد العام وإبداء الرأي الحر خارج إطار التقنين والتنظيم والوصاية الحزبية، ومنحتهم القدرة على التنسيق مع أفراد آخرين لا ينتمون إليهم تنظيمياً أو حركياً عبر تقنيات التواصل التي لم تكن متوفرة لأسلافهم.

وبرزت ظاهرة عالمية تتمثل في ظهور قيادات سياسية على أسس شعبوية كبديل عن الأدوات الحزبية في الديمقراطيات الكبرى، حيث يعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أحد أبرز قادة المرحلة الشعبوية، ويتميز بتمرده على المؤسسات التقليدية مقابل توتر علاقته مع وسائل الإعلام، ولجوئه إلى مخاطبة الجماهير مباشرة عبر حسابه في «تويتر»، واضطرار الحزب الجمهوري إلى مجاراة التيار الشعبوي الذي يمثله، وممالأة الجماهير بدلاً من قيادتها كما كان الحال من قبل.

ولا يعتبر المشهد العربي استثناء من تلك الظاهرة، حيث تُبرز الظاهرة الرقمية شخصيات شبابية تعتمد على مهاراتها وعلى قدراتها في طرح قضايا تستقطب الجيل الجديد خارج إطار المحاضن التربوية والهرمية الحزبية، ما أدى بدوره إلى إضعاف دور الأحزاب والجماعات، وعزوف الشباب عن الانخراط فيها، ولجوء العديد من الجماعات إلى الأدوات الشعبوية للفت انتباه الجيل الشبابي الذي يمتاز بوعي أكثر من سابقيه.

ونتيجة لتنامي التيار الشعبوي اضطرت الجماعات لتقليص العمل التنظيمي، وتخطي الهياكل التنظيمية التقليدية، والتحول إلى «تيارات» و«شبكات» تعتمد على مفهوم «الأنصار» بدلاً من «الأتباع»، وتستقطب الجماهير من خلال إطلاق الشعارات سهلة التداول وتبني الدعاية السياسية كبديل عن التنظير الإيديولوجي، والانفتاح على العامة بدلاً من الانغلاق على الكوادر والأعضاء.

ويمكن القول: إن القوالب الحزبية الجامدة قد انكسرت على وقع «الثورة الرقمية»، حيث تضطر المزيد من الجماعات والأحزاب إلى الانتقال من العمل النخبوي إلى العمل الشعبوي، واعتماد وسائل الانتشار الأفقي بدلاً من التراتبية الهرمية التي كانت سائدة في العقود الماضية، واستخدام التقنيات الحديثة للتواصل مع عناصرها عبر الشبكة العنكبوتية بدلاً من الوسائل الكلاسيكية المتمثلة في: الحلقات الفكرية، والاجتماعات التنظيمية، والمنشورات التي ينحصر انتشارها على دائرة الأعضاء.

ويمثل تراجع الإيديولوجيا تحدياً آخر لا يقل أهمية عن انحسار العمل الحزبي، وذلك نتيجة إخفاق المنطلقات الفكرية للجماعات التقليدية في تفسير مجاراة التحولات الكبرى التي تمر بها المنطقة، حيث تعجز الإيديولوجيات والتيارات السياسية (الشيوعية والاشتراكية واليسارية والقومية والإسلامية والليبرالية) عن تقديم أطروحات ناضجة للتعامل مع تحديات المرحلة.

ويمكن ملاحظة تراجع الأحزاب والتيارات الفكرية مقابل نمو الحركات الإثنية والطائفية والدينية والعشائرية والمناطقية، وتحولها إلى ميلشيات مسلحة وكتل تترشح في الانتخابات بصفتها المجتمعية كبديل عن الممارسة الديمقراطية التي تقوم على الأحزاب السياسية وتنبذ سائر العصبويات المجتمعية ما دون الدولة.

وثمة تحدٍ آخر يتعلق بإدارة الجموع، حيث كان من السهل أن يهيمن بعض الأفراد على المشهد السياسي في الأقطار العربية على شاكلة جمال عبد الناصر وصدام حسين وحافظ الأسد ومعمر القذافي في النصف الثاني من القرن العشرين، كما كان من الممكن أن يطفو على الساحة الفنية والثقافية أفراد من الفنانين والأدباء المثقفين، أما اليوم فلا يبدو الأمر ممكناً، إذ إن أجيال ما بعد الألفية الثالثة تمثل أكبر تجمع سكاني عرفته المنطقة في تاريخها المدون، ويفوق حجم الإنتاج المعلوماتي أي فترة مضت، وتمثل مرحلة السيولة العلمية والبشرية الحالية عائقاً كبيراً أمام ظهور شخصيات يمكن أن تهيمن على المشهد السياسي، فضلاً عن انهيار الظاهرة المركزية المتمثلة في ضعف سيطرة العواصم العربية مثل بغداد ودمشق وصنعاء وطرابلس على المحافظات التي تحوّل بعضها إلى أقاليم شبه مستقلة تتمتع بإدارة محلية وحكم ذاتي.

التحرر من «الكهنوت»

يمكن ملاحظة قصور التيارات السياسية التقليدية عن اللحاق بركب التغيير وتوفير الأرضية الحركية أو الفكرية لترشيده، حيث تبدو الأحزاب قاصرة في طرحها، بطيئة في حركتها، تلهث خلف الركب الشبابي الثائر في خضم الحراك الشعبوي العارم دون اللحاق به.

والحقيقة هي أن أثر الاحتجاجات الشعبية لم يقتصر على إسقاط حكام الجمهوريات العربية فحسب، بل أسقط المنظومة السياسية بأسرها، وخاصة منها الجماعات والأحزاب التي تأسست في النصف الأول من القرن الماضي، وتشكلت في قوالب صلبة أثبتت عجزها عن التأقلم مع عمق التحولات المعاصرة.

كما ظهر القصور ذاته في أداء النخب غير المنخرطة في الحراك الحزبي، حيث بقيت النخب العربية على هامش الحراك الشعبي، ولم تتمكن من ممارسة دور فاعل في عملية التغيير، وخاصة منها المؤسسات الدينية الرسمية التي يمارس الكثير من منسوبيها اليوم دوراً شبيهاً بالدور الذي مارسته الكنيسة في التحالف مع الحكام المستبدين في أوروبا خلال العصور الوسطى.

وتكمن المشكلة في استحواذ السلطات على المؤسسات الدينية، بما في ذلك مناصب الإفتاء والأوقاف، ومشيخة الجوامع التاريخية الكبرى ومناصب الخطابة فيها، وتعيين شخصيات موالية للحاكم تهاجم معارضيه، وتُجرّم وسائل الممارسة السياسية والحريات العامة التي كفلتها سائر الشرائع السماوية، وتُصدر فتاوى بتحريم العمل السياسي بمختلف أنماطه، وتعتبر المجاهرة بنقد الحاكم ومسؤولي الدولة خروجاً يستوجب لعنات الدنيا... والآخرة، فضلاً عن توسيع مفهوم «طاعة الحاكم» بصورة تُكبّل الشعوب وتمنعها من ممارسة أي عمل سياسي.

وقد سارت هذه الفئة خلال العقود الماضية مع أهواء السلطة في مختلف اتجاهاتها، داعية إلى الاشتراكية في فترة المد الاشتراكي، وإلى تبني الاقتصاد الحر في فترة المد الرأسمالي، لكنها بقيت ثابتة في تحريم المجاهرة بانتقاد الظلم والاستبداد والفساد لدى الحاكم وأقاربه، مستندة إلى مجموعة من الأسس أبرزها:

1 ـ حرمة تشكيل الأحزاب والجماعات باعتبار أن: «أبرز صور الأحزاب والحزبيين التقاطع والتدابر والاختلاف فيما بينهم، وإنهم بخروجهم على الأمة بحزب جديد وفكر مخترع ومنهج مبتدع فإنهم يفرقون الأمة ويشتتون شملها وينشرون الفتنة في صفها»، واعتبار أن تشكيل تلك الجماعات: «خروج عن الجماعة وعن إمامها».

2 ـ  ترسيخ حكم الفرد من خلال التوسع في قاعدة «شرعية المتغلب» والغلو في مفاهيم: الصبر على جور الحكام وظلمهم، ووجوب السمع والطاعة لهم، وأن تكون نصيحتهم في السر لا العلن، والنهي عن نزع اليد من طاعتهم والخروج عليهم بقول أو فعل.

3 ـ  تعزيز مفهوم الحزب الواحد باعتبار أن: «المسلمين جماعة واحدة لا جماعات، وحزب واحد لا عشرات».

4 ـ  وسم العاملين في المجال السياسي بالتشبه بالكفار، حيث نصت بعض الفتاوى الصادرة عن إحدى تلك المؤسسات على أن: «هذه الأحزاب تقليعة غربية بغيضة، مستوحاة من أفكارهم ومن دعواتهم كالمناداة بالحرية والديمقراطية، ما عرفها السلف ولا جربوها ولم يدعوا لها، ولم يجعلوها من دينهم، وقد أُمِرنا أشدّ ما يكون بمخالفة الكفار من اليهود والمشركين وغيرهم».

5 ـ  تحريم التظاهر ووسائل التعبير الجماعي عن الرأي، حيث نصت إحدى الفتاوى على: «تحريم المظاهرات في سائر بلاد المسلمين، وأنه لا يحل لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يمشي فيها بنفسه، أو يكون من الداعين إليها بكلمة أو مقال أو خطبة، أو يكون من الداعمين لها بمال أو إعلام»، واعتبار وسائل التعبير تلك من: «التشبه بأعداء الله ورسله من الكفار من اليهود والنصارى والشيوعين وأضرابهم، إذ جاءتنا هذه المظاهرات من بلدانهم ونُظمهم ودساتيرهم، وقد حرّمت الشريعة الإسلامية علينا أن نتشبه بهم».

6 ـ  تحريم مختلف أدوات الممارسة السياسية من باب «سد الذرائع»، وهي الحجة نفسها التي دفعت بهؤلاء الشيوخ إلى إصدار فتاوى تحريم الاستماع للراديو، والفونوغراف، وأشرطة الكاسيت، وتحريم اقتناء التلفزيون ومشاهدته، وتحريم لواقط الأقمار الصناعية، وغيرها من وسائل الإعلام، والتي تم التراجع عنها بتعليمات من «ولاة الأمور» فيما بعد.

ومن المؤسف أن تنحدر الثقافة الدينية في تلك المؤسسات بالخطاب الإسلامي إلى مستوى اعتبار ظلم الحاكم في الدين الإسلامي أصلاً، وإصدار الفتاوى بوجوب طاعة الإمام الظالم بناء على ذلك الأصل الفاسد، والتغاضي عن النصوص الشرعية التي تُحرّم الظلم والاستبداد والفساد وتأمر بالعدل والإحسان، والأخذ بنظام الشورى، وما إلى ذلك من أصول هي محل إجماع في السياسة الشرعية.

ولا شك في أن هنالك حاجة لإصلاح النخبة الدينية من خلال تغليب صوت العلماء المستقلين، واستعادة الإرث الإسلامي البريء من تلك النزعات الاستبدادية، وتأصيل مفاهيم المشاركة السياسية من خلال التأصيل الشرعي للفاعلية في المحاور الأربعة التالية:

1 ـ  الفعل، وهو الحركة النشطة للجماهير في اتجاه تحقيق هدف أو مجموعة أهداف.

2 ـ  التطوع بأن تقدم جهود المواطنين واعية وباختيارهم نتيجة شعورهم بالمسؤولية الاجتماعية تجاه القضايا والأهداف العامة لمجتمعهم، وليس تحت تأثير أي ضغط أو إجبار مادي أو معنوي.

3 ـ  الاختيار عبر إعطاء الحق للمشاركين بتقديم المساندة والتعضيد للعمل السياسي والقادة السياسيين، والإحجام عن ذلك في حال تعارض العمل السياسي والجهود الحكومية مع مصالحهم وأهدافهم المشروعة.

4 ـ  المشاركة كحق وواجب في آن واحد، فهي حق لكل فرد من أفراد المجتمع، وواجب والتزام عليهم في مواجهة الاستبداد والفساد وضمان التعبير عن طموحات الأمة وتحقيق مصالحها.

شكل (4): مستويات المساهمة في الشأن العام.

آفاق المشاركة الشعبية في الشأن العام

تُمثّل المشاركة الشعبية أحد أبرز أسس العمل السياسي، إذ إنها تثري شتى جوانب الإدارة العامة، وتجنب المجتمعات أضرار خضوع مؤسسات الحكم لنخب ضيقة تعزز الشمولية وحكم الفرد، وتتمثل المشاركة في المجالات الثمانية التالية:

1 ـ  التأثير في صنع القرار.

2 ـ  رفد مؤسسات الدولة بالخبرات.

3 ـ  معارضة السلطة بوجهة تغير مخرجات النظام السياسي فيما يُلائم مطالب الأفراد والجماعات.

4 ـ  مراقبة مؤسسات القرار بالتقويم والضبط.

5 ـ  التقدم بمطالب إصلاحية مشروعة، سواء أكان ذلك بصورة فردية من خلال التعبير عن الرأي بحرية عبر القنوات المتاحة، أو بصورة جماعية من خلال تشكيل الأحزاب وجماعات الضغط ومنظمات المجتمع المدني.

6 ـ  اختيار ممثلين عن الشعب في المجالس الوطنية، والمساهمة في العملية الانتخابية ترشيحاً أو تصويتاً.

7 ـ  حضور الاجتماعات العامة وتنظيمها والمشاركة فيها.

8 ـ  المشاركة في الحملات الانتخابية والمؤتمرات والندوات المعنية بشؤون المجتمع.

إلا أن محاربة النظم العسكرية لمفهوم المشاركة قد أدى إلى تقليص مجالات العمل السياسي والتمثيل الشعبي، وغياب الثقافة العربية التي تنظم العمل الشعبي، ما دفع بالجماهير للجوء إلى مصنفات غربية لا تستوعب البيئة السياسية العربية وتعقيداتها، إذ لا يمكن تحقيق التغيير من خلال محض النقل عن الثقافات الأخرى واستعارة إرثها التراكمي، دون النظر إلى الهوة الكبيرة التي تحول بين المجتمعات العربية وبين آفاق العمل السياسي الحر.

ليست الجمهوريات العسكرية الانقلابية هي وحدها التي فشلت في اختبار الأجيال، بل كذلك الجماعات والأحزاب والإيديولوجيات، والنخب الثقافية، والتي عانت جميعها من حالة انقسامية منعت ظهور شخصيات فاعلة في المشهد العربي المتشظي، حيث تدفن ثورة المعلومات وشبكات التواصل الاجتماعي في أتونها سائر نماذج الإنتاج النوعي، مخلفة ركاماً ضخماً من الثقافة قصيرة الأجل والتي يصعب على الشباب تمحيصها، ولا يمكن الاعتماد عليها في عملية البناء النظمي البديل.

وتصبح المهمة أكثر صعوبة بالنظر إلى انهيار المنظومة السياسية برمتها، وليس النظام الذي نادت الجماهير بسقوطه، حيث تهاوت الدولة المركزية القُطرية، والمشاريع القومية، ومؤسسات الدولة، وفقدت الجمهوريات العربية هويتها كدول قومية (Nation State)، وتحولت إلى مجموعات سكانية منقسمة على نفسها، ما يدفع بالشباب اليوم للبحث عن هوية وطنية جديدة على أنقاض المنظومة السابقة.

ولا شك في أن إدراج مفهوم «إدارة التنوع» في قواميس الممارسة السياسية العربية سيشكل إسهاماً كبيراً في مجال إعادة إعمار الوطن وترميم الهوية الوطنية الشاملة والجامعة على أنقاض حكم الفرد وسقوط دولة الحزب الواحد.



[1]  الكتاب الأول بعنوان: «مشاهد من حياة هاريت توبمان» لسارة هوبكنز برادفورد (1869) والثاني نشرته «برادفورد» بعنوان: «هاريت، موسى قومها» عام 1886.

[2]  أحمد بن محمد بن زياد بن بشر الأعرابي (1997)، كتاب المعجم، تحقيق عبد المحسن الحسيني، دار ابن الجوزي، الرياض.

[3]  عز الدين دياب (1993) التحليل الاجتماعي لظاهرة الانقسام السياسي في الوطن العربي، حزب البعث العربي الاشتراكي نموذجاً، مكتبة مدبولي، القاهرة، ص 230.

[4]  ميشيل عفلق (1963)، معركة المصير الواحد، دار الطليعة، بيروت، ص. 18.

arrow_upward