التدريب والتطوير

لتمكين الشباب العربي من الممارسة الفاعلة في العمل السياسي

لتحميل كتاب د. بشير زين العابدين (إدارة المشاريع السياسية في عالم عربي متحول)

التعلق بالأساطير

على الرغم من الثورة العلمية والتقنية التي تمر بها البشرية، إلا أن الأساطير التاريخية لا تزال تعتبر أحد أبرز محركات الفعل السياسي، وذلك نتيجة ضعف الجوانب العلمية لدى الجماهير واعتمادهم على أدوات انطباعية لم يتمكنوا من الانفكاك منها حتى اليوم.

ويُفرز العجز الثقافي لدى بعض الأمم حالة من الاتكالية الثقافية تدفعها للبحث عن «مخلص غيبي» مُلهم، واستحضار نصوص آخر الزمان بحثاً عن حلول جذرية للمشكلات التي يصعب عليهم فهمها، في حين تعج مواقع التواصل الاجتماعي بالاستقراء الغيبي والمقاربات النصية والرؤى والأحلام التي يعكس الهوس بها تنصلاً من الواقع وإقراراً بالعجز عن فهمه وعن آليات التعامل معه.

ولا بد من التمييز هنا بين الإيمان المطلق بالساعة وأشراطها، وبين حالة السلبية والإحباط الجماعي التي تسود لدى الشعوب العربية جراء الظروف القاسية التي تتعرض لها منذ نحو عقدين من الزمان، حيث تندلع الصراعات الدولية وتلوح بوادر حروب أكثر تدميراً من سابقيها، في حين تصب بعض النظم الاستبدادية مختلف الأسلحة المحرمة دولياً على رؤوس المدنيين.

يصعب تصوير المشهد بكامل تفاصيله لمن لم يشهده، لكن الذين عاشوا في المدن العربية المنكوبة يدركون معنى اللجوء إلى التفسير الغيبي في حالة غياب العقل والمنطق وانعدام الإنسانية، وخاصة في الحواضر العربية التي تم دكها بأعتى أسلحة التدمير التي عرفتها البشرية (كبغداد والموصل، وحلب، وحمص، وإدلب، وغيرها من المدن المنكوبة)، وما صاحبها من جرائم وانتهاكات إنسانية، وتدمير شامل وتهجير قسري للملايين.

ولا تنحصر حالة الفرار من الواقع في بعض الشعوب والنخب العربية، بل تشمل العديد من الأمم التي مرت في مراحل الانتقال من الفوضى إلى النهضة، وخاصة في أوروبا التي هيمنت عليها عقدة «الألفية» في المرحلة السابقة لعام 1000م، حيث سادت نظم الاستبداد، وتفشت الخرافة وحكايات النجوم المتساقطة من السماء مثل المطر، والقدّيسين الذين يظهرون للفلاحين والرعاة، وما إلى ذلك من الأساطير التي كانت تمثل في مجملها ثقافة شعبية تتسلى بها الشعوب المضطهدة في ظل الحياة التعيسة والظروف المزرية التي فرضها عليهم تحالف الكنيسة مع الحكم، وما تسببت به الحروب الإقطاعية ـ  التي مزقت أوروبا طوال القرن العاشر الميلادي ـ  من مجاعات وقتل وتشريد.

وأفضت تلك الحالة المزرية التي عمت أوروبا إلى توقعات غيبية مثيرة للدهشة، لعل أبرزها تحديد «إنجيل يوحنا» يوم القيامة في «ألفية» يظهر بها المسيح من جديد ويبدأ بعدها الحساب الإلهي، وبلغت تلك الظاهرة أوجها في أوروبا عام 999م، حيث أصدر الكرسي البابوي خلال الأشهر الأخيرة من ذلك العام بياناً رسمياً يُعلن فيه أن القيامة ستقوم نهاية العام، وصارت أجراس الكنائس تُقرع باستمرار تذكيراً بقرب يوم القيامة، وتم حث الإقطاعيين على توزيع أملاكهم بين الفقراء لحجز أماكن لهم في الجنة، وتولى الوعاظ مهمة سرد الشواهد والأدلة على أن القيامة ستقوم، وادعى بعضهم أن السماء انشقت وخرجت منها شعلة كبيرة أضاءت السماء لدى سقوطها كالبرق، وانتشرت في إنجلترا إشاعة حول سقوط صخرة كبيرة من السماء بددت الليل وجعلته كالنهار من شدة الإضاءة، ودار الحديث عن انسياب الدموع من لوحة للمسيح في إحدى كنائس فرنسا التي أشاع فيها «التائبون» روايات عن قصف إلهي بالحجارة لأحد القصور.

وفي الليلة الأخيرة من عام 999م تجمع الناس أمام كنيسة القديس بطرس، وهم يحملون المشاعل وأغصان الزيتون ويتلون الإنجيل، وعندما اقتربت الساعة من منتصف الليل، بلغ الذعر والهيجان والبلبلة ذروتهم، إلا أن السماء لم تمطر حجارة، ولم تُقصف الأرض بحمم اللهب.

ولمعالجة الإحراج الناتج عن عدم تحقق النبوءة، أصدرت الكنيسة صباح يوم 1 يناير 1000م بياناً قالت فيه: «لقد قبل الرب دعوات الكنيسة المعظمة، لقد تجاوزت البشرية يوم القيامة بفضل دعوات الكنيسة»، وأخذ الناس يتعانقون من شد الفرح، بينما كانت الأجراس تدق ابتهاجاً بميلاد البشرية من جديد.

عقيدة «النصر الإلهي» لدى المتغلبين

لا تقتصر حالة الارتباط الجماعي بأوهام «الألفية» على الشعوب المهزومة وضحايا النزاعات والأوبئة والمجاعات، بل تصيب الشعوب المنتصرة كذلك، حيث ارتبطت أسطورة «الألفية» في الفكر المسيحي بمعركة «هرمجدون» (موقع مرج ابن عامر بالقرب من مدينة جنين في فلسطين)، وتحدث «العهد الجديد» عن معركة يستدعي الشيطان فيها يأجوج ومأجوج من زوايا الأرض الأربعة لمحاصرة «المدينة الحبيبة المحيطة بالقديسين، ثم تأتي النار من السماء وتلتهمهم جميعاً».

وعلى الرغم من نزعة نابليون العلمانية، إلا أن ذلك لم يمنعه من الوقوف على هضبة «مجدو»، واستحضار تلك النبوءة قائلاً: «جميع جيوش العالم باستطاعتها أن تتدرب على المناورات للمعركة التي ستقع هنا».

وظهر الهوس بمعركة «مجدون» كذلك عند السياسي اليهودي تيودور هرتزل (ت 1904) الذي قال: «ظهر لي في عالم الرؤيا المسيح الملك على صورة شيخ حسن وخاطبني قائلاً: اذهب وأعلم اليهود بأني سوف آتي عما قريب لأجترح المعجزات العظيمة وأسدي عظائم الأعمال لشعبي وللعالم كله».

وكذلك الحال عند المارشال البريطاني إدموند ألنبي (ت 1936) الذي كان مقتنعاً بأن: «التاريخ سوف يكرر نفسه في هذا الشرق غير المتغير، وسوف تُخاض المعركة الحاسمة عند ممر مغيديو».

واستمر ذلك الهاجس في تشكيل مصدر إلهام لبعض رجال الدين المسيحيين في نظرتهم للمشرق العربي طوال القرن العشرين، حيث صرح القس الأمريكي بيلي غراهام عام 1977 بأن «يوم مجدو» على المشارف، وأن العالم يتحرك بسرعة نحو المعركة، معتبراً أن الجيل الحالي سيكون آخر جيل في التاريخ.

وعبّر بعض حاخامات اليهود عن اعتقادهم بقرب ذلك اليوم الموعود الذين يسمونه «يوم الله»، وعلى رأسهم الحاخام مناحيم سيزمون الزعيم الروحي لحركة «حياد» اليهودية الذي صرح أن أزمة الخليج عام 1991 تشكل مقدمة لمجيء المسيح المنتظر.

ولاحظت الكاتبة الأمريكية جريس هالسل في كتابها «النبوءة والسياسة» أن: «النبوءات التوراتية تحولت في الولايات المتحدة الأمريكية إلى مصدر يستمد منه عشرات الملايين نسق معتقداتهم، ومن بينهم أناس يرشحون أنفسهم لانتخابات الرئاسة الأمريكية، وكلهم يعتقدون قرب نهاية العالم ووقوع معركة هرمجدون، ولهذا فهم يشجعون التسلح النووي ويستعجلون وقوع هذه المعركة باعتبار أن ذلك سيقرب مجيء المسيح»، ودار الحديث عن هذه النبوءة على ألسنة العديد من المسؤولين الغربيين وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان الذي تحدث عنها نحو خمس مرات خلال فترة حكمه، مؤكداً: «قد نكون من الجيل الذي سيشهد معركة هرمجدون».[1]

وأكد تقرير لمنظمة حقوق الإنسان (1990) وجود: «هيئات وجمعيات سياسية وأصولية في الولايات المتحدة وكل دول العالم تتفق في أن نهاية العالم قد اقتربت، وأننا نعيش الأيام الأخيرة التي ستقع فيها معركة «هرمجدون»، وهي المعركة الفاصلة التي ستبدأ بشن حرب ضد دولة إسرائيل، وبعد أن ينهزم اليهود يأتي المسيح ليحاسب أعداءهم ويحقق النصر، ثم يحكم المسيح العالم لمدة ألف عام يعيش الناس فيها بحب وسلام كاملين.

ويمكن تتبع دور تلك النبوءة في التأثير على سدة القرار الأمريكي، حيث كشف الصحفي الفرنسي جون كلود موريس أن جورج بوش كان يبحث عن «يأجوج ومأجوج» وفق الرواية التوراتية في العراق، معتبراً أن الحملة الأمريكية عام 2003 هي: «حملة إيمانية مباركة وواجب إلهي مقدس أكدت عليه نبوءات التوراة والإنجيل».

وبالإضافة إلى التعلق الغربي بالإرث التوراتي، يُمثّل المذهب الرسمي لنظام ولاية الفقيه الإيراني مصدراً آخر لا يقل خطورة في تأجيج الاحتقان الطائفي من خلال الترويج لنبوءات تتحدث عن خروج المهدي على أنقاض مجازر تقع في الشام وتنتهي بتحرير القدس، وذلك بهدف تجنيد عشرات الآلاف من أبناء الطائفة الشيعية للقتال في العراق وسوريا واليمن ولبنان، ودفع المغرر بهم لتنفيذ عمليات إرهابية في مناطق مختلفة من العالم، ولتبرير المجازر والانتهاكات الإنسانية المروعة التي ترتكبها الميلشيات الطائفية العابرة للحدود.

وفي أكتوبر 2015، بارك بطريرك موسكو وعموم روسيا البطريرك كيريل، قتال القوات الروسية في سوريا، قائلاً إنه يأتي للحد من: «حوادث العنف ضد المسيحيين في المنطقة».

ونقلت قناة «روسيا اليوم»، عن مصدر رفيع المستوى في الكنيسة يدعى فسيفولد تشابلين، قوله: إن العمليات التي تشنها روسيا في سوريا هي «حرب مقدسة»، وأنها تأتي: «لحماية الضعفاء، مثل المسيحيين في الشرق الأوسط، الذين يتعرضون لحملة إبادة».

ومن المؤسف أن تهيمن الأساطير والنبوءات والقراءات الخاطئة والتفسيرات الراديكالية على سدة الحكم في الدول الكبرى، وذلك بالتزامن مع انتشارها لدى بعض الشخصيات العربية المتنفذة، إذ إن أبرز العمليات العسكرية والنزاعات الدولية الكبرى باتت مرتبطة بنبوءات يتحدث عنها كبار المسؤولين وتتسبب بمقتل وإصابة وتهجير الملايين من العرب في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين واليمن وغيرها من دول المشرق العربي.

الواقعية في مواجهة الأساطير

يقع الارتباك لدى عجز المجتمعات العربية عن التعامل مع عمق التحولات وحدّتها، ما يدفع ببعض النخب الدينية للركون إلى أدوات مستعارة تهدف إلى استعادة مراحل «النهضة» دون النظر إلى الفارق الزمني واختلاف الظروف.

وبين نظريات: «الإعداد التربوي»، ومشاريع «عودة الخلافة»، وعمليات «الجهاد العالمي»، تندلع خلافات واسعة بين الجماعات الإسلامية حول سبل النهوض بالأمة المسلمة، دون إدراك ضرورة تجسير الهوة الزمنية الفاصلة بين الإرث التاريخي والحالة الراهنة عبر إعمال قدر كبير من الواقعية التي تُعرّف بأنها: «النظر إلى حقيقة الأمور وجوهرها وغض الطرف عن السطحيات والظواهر، والتوجه لتحقيق مصلحة الدولة بأقل قدر من الخسائر وأكبر قدر من المكاسب»، وتقوم على أساس:

1 ـ  الجمع بين النظرية والتطبيق.

2 ـ  الجمع بين النص والواقع.

3 ـ  التوفيق بين الأطروحات النظرية «الكلاسيكية» التي تنطلق من منطلقات إيديولوجية أخلاقية، وبين المدارس المعاصرة التي تنطلق من منطلقات واقعية عملية.

4 ـ  مقاومة نزعات القوى الاستبدادية لتعزيز سلطتها وترسيخ مصالحها من خلال استخدام النصوص الشرعية والتذرع بتحقيق الأمن وحماية الشعب.

5 ـ  التعامل مع متطلبات المرحلة دون فقدان المبادئ والأخلاقيات.

 

شكل (5): أسس الممارسة الواقعية في العمل السياسي.

ويمكن تفصيل أبرز المشكلات الناتجة عن ضعف الممارسة الواقعية في الثقافة العربية المعاصرة من خلال النماذج الأربعة التالية:

1 ـ  محاولة تأسيس الدولة النموذج دون استيعاب متطلبات التدرج ومقتضيات المرحلة: فقد مثلت محاولات القفز نحو تحقيق النموذج المنشود أحد أبرز دوافع الغلو عبر التاريخ، إذ تسببت حركات ادعاء «المهدوية» والثورات «الطهورية» في سفك دماء الآلاف، ونقلت كتب التراث الإسلامي جدلاً واسعاً في العهود الأموية والعباسية حول الخروج على نظم الخلافة والسعي لتأسيس نظم حكم «على منهاج النبوة» استناداً إلى رؤى أو اجتهادات غير ناضجة أفضت إلى فشل ذريع. وفي معالجة لتلك الظاهرة، تركزت جهود علماء السياسة الشرعية على معالجة القضايا التي عاصروها، وحل المشكلات المتعلقة بها بدلاً من التأصيل للنماذج التي يتعذر تحقيقها،[1] فعلى الرغم من أن علي بن محمد الماوردي (ت 450ه ـ 1058م) قد عاش في كنف الخلافة العباسية، إلا إنه أصّل في كتابه «الأحكام السلطانية» لشرعية «السلطنة» التي استحوذت على معظم أرجاء الدولة العباسية، بحيث أصبح منصب الخليفة هامشياً ولم يعد للخلافة ذلك النفوذ، فتعرّض في كتابه إلى مسائل حساسة تتعلق بتعدد مناصب السلطنة مع وجود الخليفة، وعالج مشكلة ضعف نفوذ الخليفة، وظهور سلطات سياسية لا تعترف به ولا تدين بالولاء له، من خلال مفهومي: «التغلب» و«التفويض»، كما ميّز بين الإدارة والحكم وخاصة في مفهوم «السلطة التنفيذية».[2] وسار على شاكلته جميع من كتب في السياسة الشرعية من بعده مثل أبو المعالي عبد الملك الجويني (ت 478ه ـ 1085م) في كتابه «غياث الأمم في التياث الظلم»، وأحمد بن تيمية (ت 728ه-1328م) في كتاب: «السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية».

2 ـ  الاستسلام لسيناريوهات آخر الزمان: حيث تتنامى ظاهرة مطابقة الواقع مع النصوص الغيبية، ومحاولة إيجاد نسق زمني لاستنتاج قرب وقوع الساعة من خلال الاعتقاد بتحقق أشراطها، وهي ظاهرة تكثر في مراحل الانحطاط عند المسلمين، وخاصة لدى سقوط بغداد (1258م) وما صاحبها من قتل وتهجير، والكوارث التي تزامنت مع سقوط الأندلس (1492م)، والغزو البرتغالي للجنوب العربي (1507م)، وغيرها من الحوادث التي أفضت إلى حالة شاملة من التردي وانتشار الخرافة لدى الشعوب الإسلامية، حيث يسرد الجبرتي ضمن أحداث عام 1147هـ (1734م)، قصة تعلق الناس بوهم قرب وقوع يوم القيامة قائلاً: «من الحوادث الغريبة في يوم الأربعاء رابع عشر ذي الحجة، أشيع في الناس بمصر بأن القيامة قائمة يوم الجمعة سادس عشر ذي الحجة، وفشا هذا الكلام في الناس قاطبة حتى في القرى والأرياف، وودع الناس بعضهم بعضاً، ويقول الإنسان لرفيقه بقي من عمرنا يومان، وخرج الكثير من الناس والمخاليع إلى الغيطان والمنتزهات، ويقول بعضهم لبعض دعونا نعمل حظاً ونودع الدنيا قبل أن تقوم القيامة. وطلع أهل الجيزة نساءً ورجالاً وصاروا يغتسلون في البحر، ومن الناس من علاه الحزن وداخله الوهم، ومنهم من صار يتوب من ذنوبه ويدعو ويبتهل ويصلي، واعتقدوا ذلك ووقع صدقه في نفوسهم. ومن قال لهم: خلاف ذلك أو قال: هذا كذب لا يلتفتون لقوله، ويقولون هذا صحيح، وقاله فلان اليهودي وفلان القبطي، وهما يعرفان في الجفور والزايرجات ولا يكذبان في شيء يقولانه، وقد أخبر فلان منهم على خروج الريح الذي خرج في يوم كذا، وفلان ذهب إلى الأمير الفلاني وأخبره بذلك، وقال له: احبسني إلى يوم الجمعة وإن لم تقم القيامة فاقتلني ونحو ذلك من وساوسهم، وكثر فيهم الهرج والمرج إلى يوم الجمعة المعين المذكور، فلم يقع شيء. ومضى يوم الجمعة، وأصبح يوم السبت فانتقلوا يقولون فلان العالم قال إن سيدي أحمد البدوي والدسوقي والشافعي تشفعوا في ذلك وقبل الله شفاعتهم. فيقول الآخر اللهم انفعنا بهم فإننا يا أخي لم نشبع من الدنيا»،[3] وينم ذلك السلوك عن جهل بالغ بالنصوص الشرعية التي أكدت على وجوب العمل وترك التواكل، ونهت عن الاعتماد على الغيبيات لتبرير التقصير في معالجة تحديات الواقع ووضع الحلول لها.

3 ـ  القراءة الخاطئة للتاريخ: حيث عمدت العديد من الجماعات المغالية إلى استخلاص نماذج من «الحكم الشرعي» أو «الحكم الإسلامي» من خلال قراءات تاريخية مجتزأة وغير متطابقة مع الواقع، وحاولت فرضها بالقوة وحمل الناس عليها، وصنفت من لا يدين بها ضمن دائرة الردة والكفر. وتُمثّل المحاولات الفاشلة لإنشاء نظم «إمارة» و«خلافة» نماذج لفشل تلك الجماعات التي ربطت نظامها الهجين بالعقيدة الإسلامية واعتبرت من لا يدين به مرتداً مستباح الدم. كما عمدت حركات أخرى إلى الترويج لمفهوم «الخلافة» باعتبارها الحل والمخرج لجميع الأزمات المعاصرة، دون النظر إلى ما شاب ذلك النموذج من إشكاليات في التطبيق، ففي مراحل تاريخية لم تكن «الخلافة هي الحل»، وفق الشعار الذي تطرحه بعض الحركات الإسلامية اليوم، بل شكلت الخلافة آنذاك عقبة تحول دون وحدة المسلمين، وخاصة عندما قامت ثلاث أنظمة خلافة في آن واحد (العباسية في بغداد، والأموية في الأندلس، والفاطمية في القاهرة)، وفي معظم التاريخ العباسي كان الخليفة ضعيفاً لا سلطة له، ما أدى إلى هيمنة نظم السلطنة وتحول «الخلافة» إلى منصب رمزي أكثر منه واقعاً. وترتكز تلك الأطروحات على ادعاء استمرار الخلافة منذ فجر التاريخ وحتى انهيار الحكم العثماني، وفي ذلك خداع وتزييف للحقائق، إذ إن منصب الخلافة قد انقطع عدة قرون في التاريخ الإسلامي، فلم يظهر نظام خلافة في العالم الإسلامي برمته عقب سقوط الدولة العباسية سنة 656ه- 1258م، ولم يدعي سلاطين آل عثمان الخلافة، بل ظهر هذا اللقب عند العثمانيين لأول مرة عام 1774.[4]

وكان علماء السياسة الشرعية في العصور الإسلامية المبكرة أكثر وعياً من بعض الحركات المعاصرة بخطورة تلك الادعاءات، ومنهم أبو المعالي الجويني (478ه ـ 1085م) الذي أكد أن موضوع الحكم والرئاسة غير قطعي بل فيه مجال للاجتهاد قائلاً: «قد كثر في أبواب الإمامة الخبط والتخليط، والإفراط والتفريط، والسبب الظاهر في ذلك أن معظم الخائضين في هذا الفن يبغون مسلك القطع في مجال الظن».[5]

4 ـ  الإفراط في النصية الانتقائية: حيث حاولت بعض الجماعات «الإسلامية» صياغة أسس ومبادئ للحكم الرشيد وفق فهمهم للنصوص الشرعية، ومن ثم عقد الولاء والبراء واستحلال دماء المسلمين على أساس تلك الاجتهادات غير الشرعية وغير المُلزمة، ما أدى إلى انفصام تلك الجماعات وأتباعها عن الواقع، ووقوعهم في التكفير وممارسة العنف السياسي والتسبب بأضرار كبيرة على مجتمعاتهم.

ولا يعني التحلي بالواقعية أن ترهن الحركات السياسية المعاصرة نفسها لمدرسة «الواقعية السياسية» التي تحاول تفسير العلاقات السياسية وصياغتها عبر افتراض أن السلطة هي الغاية الأساسية للفعل السياسي، وتقوم على أساس أن: «من يملك القوة يملك الحق»، بحيث تربط الظاهرة السياسية بالمصلحة التي تحميها السلطة، فقد نتج عن تبني «النظرية الواقعية» بمفهومها الغربي إلى اضمحلال المفاهيم الأخلاقية، والتركيز على القوة لبسط الهيمنة على الشعوب الأخرى بناءً على معيار «المصلحة القومية»، ما أدى إلى تصنيف أتباع هذه المدرسة على أنهم «لا أخلاقيين»، باعتبار إيمانهم بضرورة استخدام أية وسيلة للحفاظ على «المصلحة القومية».

ولا شك في أن عملية سد الفجوة بين الفكر السياسي الإسلامي في عصوره الذهبية وبين التطبيقات المعاصرة تتطلب توسيع أفق الشباب العربي في مناهج البحث في العلوم السياسية، وذلك من خلال حثهم على قراءة مناهج المحاكاة العلمية والاستنباطية، وعلى رأسها المناهج؛ التاريخية، والقياسية، والاستقرائية، والتطبيقات المعاصرة لنظرية المباريات.



[1]  تناقش المادة أعلاه موضوع الخلافة من منظور تاريخي محض، دون التعرض لمفهوم «الإمامة العظمى» وارتباطه بنظم «الخلافة»، و«الوراثة» و«الملك العضود» وما إلى ذلك من إشكاليات تسببت إساءة فهمها وتطبيقاتها بوقوع أخطاء كبيرة في مراحل مختلفة من التاريخ الإسلامي.

[2]  علي بن محمد الماوردي (1985) الأحكام السلطانية والولايات الدينية، دار الكتب العلمية، بيروت.

[3]  عبد الرحمن الجبرتي (1998) عجائب الآثار في التراجم والأخبار، دار الكتب المصرية، 1/220.

[4]  ورد في المادة الثالثة من اتفاقية «كوتشك قينارجه» (1774)، قول السلطان عبد الحميد الأول (1773 ـ 1789م): «وكون ذاتي السلطانية الموسومة بالعدالة هي إمام المسلمين وخليفة الموحدين»، ولا تصح رواية تنازل الخلفية العباسي المتوكل عن الخلافة للسلطان سليم الأول بعد معركة «مرج دابق» (1516)، حيث فند عبد العزيز الشناوي تلك الرواية في كتابه: الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها، مكتبة الأنجلو مصرية (1980) من حيث السند والمتن، علماً بأنه لم يكن هنالك خلفاء عباسيون يحكمون في العالم الإسلامي بعد سقوط الخلافة العباسية عام 656هـ ـ 1258م، بحيث يمكنهم التنازل للسلطان سليم عام 1516. أما اكتساب السلطنة العثمانية صفة الخلافة بشكل رسمي فكان في دستور العام 1876م الصادر في عهد السلطان عبد الحميد الثاني (1876 ـ 1909)، حيث نصت المادة الثالثة من البند الأول على أن: «السلطنة السَنية هي بمنزلة الخلافة الإسلامية الكبرى». وأضافت المادة الرابعة: «إن حضرة السلطان هو حامي الدين الإسلامي بحسب الخلافة».

[5]  أبو المعالي الجويني (2010) غياث الأمم في التياث الظلم، تحقيق عبد العظيم الديب، مكتبة إمام الحرمين، ص 59.

arrow_upward