التدريب والتطوير

لتمكين الشباب العربي من الممارسة الفاعلة في العمل السياسي

لتحميل كتاب د. بشير زين العابدين (إدارة المشاريع السياسية في عالم عربي متحول)

كاتبان يحكيان قصة مدينتين

بعد خمسة عشر عاماً من البحث المتواصل نشر الكاتبان دارين آسيموغلو وجيمس روبنسون، كتابهما «لماذا تفشل الأمم»،[1] والذي حاولا فيه الإجابة على أسئلة من قبيل:

 ـ  لماذا يتفاوت دخل الشعوب من دول إلى أخرى؟

 ـ  ما هي القيود التي تمنع الدول الفقيرة من أن تتحول إلى دول غنية ومتطورة؟

 ـ  هل ظاهرة الفقر في الكثير من دول أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية غير قابلة للتغيير؟

 ـ  ما هي مقومات الانتقال من الفقر إلى الرخاء؟

 ـ  كيف يمكن أن تنتشر الرفاهية في العالم؟

وتوصلا إلى نتيجة مفادها أن الدول الفقيرة لا تعاني من الفقر نتيجة لموقعها الجغرافي أو قلة مواردها، وإنما بسبب الفساد السياسي والضعف المؤسسي وما لهما من دور في ترسيخ الفقر، معتبرين أن الرفاهية ترتبط بمؤسسات الدولة وبنظام الحكم وبقدرة الشعوب على اختيار ومحاسبة النخب الحاكمة.

ولاستبعاد فرضية تأثير عوامل الجغرافيا في مستوى الرفاهية، استهل المؤلفان كتابهما بقصة مدينة «نوغاليس» التي تنقسم إلى قسمين، إحداهما في الشمال يتبع لولاية أريزونا ويقع ضمن حدود الولايات المتحدة الأمريكية، ويقع الآخر القسم الجنوبي ضمن حدود دولة المكسيك، حيث يرصد الكاتبان الاختلاف الكبير في معدلات الدخل بين الشمال والجنوب، والتفاوت الكبير في الخدمات التي يحصل عليها السكان من رعاية صحية وتعليم ومياه نظيفة وشبكة كهرباء.

ويتساءل بعد ذلك الكاتبان: «كيف يمكن لهذين النصفين بنفس المدينة أن يكونا مختلفين إلى هذه الدرجة؟ فليس هناك اختلاف في الموقع ولا المناخ، أو حتى في الأمراض المنتشرة والمعروفة في المنطقة، ولكن ربما هناك اختلاف بين السكان الذين يقطنون في هاتين المدينتين، فقد يكون سكان نوغاليس في أريزونا، أحفاد المهاجرين الذين أتوا من أوروبا، في حين أن سكان الجزء الواقع في المكسيك ينحدرون من قبيلة الأزتيك، لا ليس الأمر كذلك، إن خلفيات السكان متشابهة تماماً».

ولتفسير أسباب التفاوت بين الجزء الشمالي من مدينة «نوغاليس» والجزء الجنوبي يركز المؤلفان على طبيعة المؤسسات التابعة للدولتين (أمريكا والمكسيك) خلال الحقبة الاستعمارية، ودورها في تطور المجتمع بعد ذلك، فبينما عملت الإمبراطورية الإسبانية على استنزاف موارد دول جنوب القارة الأمريكية، وتكريس مؤسسات «استحواذية» تهيمن على ثروات المجتمع، منحت السلطة في الولايات المتحدة أراض شاسعة للمستوطنين لتنميتها واستصلاحها، وترتب على ذلك مشاركة المواطنين في الثروة وإنشاء مؤسسات تحترم قيم الحرية والعدالة الاجتماعية وسيادة القانون.

وعلى الرغم من تحرر معظم دول أمريكا اللاتينية من الاستعمار، إلا أنها لا تزال تعاني من سطوة المؤسسات «الاستحواذية» التي تحقق مصالح شرائح صغيرة من المجتمع، وتسعى لبسط نفوذها على السياسة والاقتصاد، وتنتشر هذه المؤسسات في العديد من دول العالم، ممثلة في: الحزب الواحد، أو السلطة العسكرية، أو الطبقة المهيمنة.

ومن خلال استحضار تجارب العديد من الدول عبر التاريخ، يستنتج المؤلفان أن الاستبداد هو السبب الرئيس في تراكم الثروات لدى النخب الحاكمة والتي تسعى للمحافظة على سلطتها.

وثمة إجابة مثيرة للاهتمام فيما يتعلق بالفارق بين قسمي مدينة «نوغاليس»، تتمثل في قياس مستوى استجابة السكان للسلطة، فبينما رضخ سكان أمريكا الجنوبية للإسبان وقبلوا بالعمل لصالح النخبة المستوطنة، أبدى سكان أمريكا الشمالية مقاومة شرسة ورفضوا العمل كعبيد في خدمة القادمين الجدد، ما دفع بالسلطة لتقديم حوافز اقتصادية لهم، ونتج عن ذلك نشوء نمط مختلف من العلاقة بين الحاكم والمحكوم، يقوم على تقليص نفوذ السلطة السياسية وتعزيز الحوافز الاقتصادية، بخلاف سكان المكسيك، وغيرهم من الشعوب التي قبلت بالخضوع لسلطات استغلالية تمتنع عن حماية حقوق الملكية، وتوفير الخدمات العامة، وتفشل في منع الفساد والسرقة والاحتيال.

ويمكن تلخيص تجربة الأعوام الخمسة عشر التي قضاها المؤلفان للإجابة على الأسئلة المتعلقة بتباين مستويات الرفاهية بين الشعوب في جملة مقتضبة هي: «النظام السياسي الناتج عن العلاقة بين الحاكم والمحكوم»، وهي الظاهرة التي تحدث عنها القرآن الكريم في ثلاث كلمات أوجزت نمط العلاقة بين فرعون وقومه في سورة الزخرف: {فاستخف قومه فأطاعوه} (آية 54)، إذ لا يقتصر «الاستخفاف» على مجرد شعور يُكنه الحاكم إزاء شعبه، بل يمتد ليشمل تأسيس نظام سياسي يقوم على استخفاف الشعب من خلال فرض سياسات التمييز والتبعية والاستعباد، ولضمان سير ذلك النظام يشترط أن يحظى بقبول الشعب الذي يعاني من أزمة القابلية للاستعباد.

وفي المنظومات الاستبدادية المعاصرة، تعاني الشعوب العربية من قيود مستحكمة تمنعها من المشاركة في العمل السياسي، والمساهمة الإيجابية في صنع القرار.

ولا شك في أن غياب البنى التشريعية والمؤسسات الناظمة للمشاركة الشعبية، ولجوء السلطات السياسية إلى القمع قد رسخ تلك الظاهرة التي شكلت لدى الشعوب العربية عُقَداً نفسية تحولت مع مرور الزمن إلى مفاهيم تحظى بالقبول على الصعد الفردية أو الجماعية، يجرجرها أبناء المجتمع جيلاً بعد جيل، دون إدراك خطورتها، وخاصة في مجالات:

1 ـ  تقديس الحاكم ورفعه فوق مستوى النقد.

2 ـ  التعامل مع السلطة الحاكمة بمفهوم الأبوية.

3 ـ  ازدراء أية ممارسة سياسية خارج إطار السلطة الحاكمة.

4 ـ  الشعور المزمن بالنقص إزاء الشعوب المتقدمة التي يمارس أفرادها حقهم في الترشح والتصويت.

5 ـ  اضمحلال الحس القومي نتيجة اختزال الهوية الوطنية في الولاء للحاكم.

6 ـ  العزوف عن الإنتاج العلمي والفكري، وتقمص هويات الدول التي يتاح لشعوبها مجال التميز والإبداع.

ويمكن تحديد أبرز العوامل التي تقيد ممارسة الشباب العربي للعمل السياسي في ثلاثة أنماط، هي:

أولاً: القيود النفسية

تشكل الصورة السلبية للنخب السياسية القيد الأكبر الذي يكبل الشباب العربي ويمنعه من المشاركة في الشأن العام، إذ إن كلمة «سياسي» تستخدم في الأحاديث العامة كرديف لصفات مشينة كالكذب والمناورة والانتهازية وفقدان المبادئ.

وإذا استخدمت الكلمة نفسها على صيغة الجمع (سياسيين) فغالباً ما يقصد بها تلك الفئة من المسؤولين وأبنائهم وذويهم من الفاسدين والمرتشين الذين يستحوذون على ثروات البلاد ويسيئون استخدام السلطة، أو أعضاء المجالس المعينة الذين يتم التندر بخطاباتهم والتعريض بالأدوار السلبية التي يقومون بها لتزيين الحكم الاستبدادي.

أما في الجمهوريات العربية الأكثر دموية، فالسياسيون هم ضحايا أجهزة الاستخبارات، الذين تظهر صورهم بين الفترة والأخرى في أجهزة الإعلام المرئية والمقروءة، مقرونة باعترافات «خطيرة» كالتورط في جرائم «الخيانة العظمى» و«التآمر ضد الوطن»، و«تلقي الأموال من الخارج»، وما إلى ذلك من تهم تنتهي بأحكام قاسية تجعلهم عبرة لمن تسول له نفسه الانخراط في الشأن العام.

وعلى الرغم من الانفتاح الذي شهدته المجتمعات العربية في العقد الماضي، إلا أن مجالات العمل السياسي لا تزال محفوفة بمخاطر جمة، تعززها فلول السلطة الاستبدادية التي تشن عمليات تشويه وملاحقات دولية، وتحصر تنفيذ البرامج الإصلاحية في شخص الحاكم والفئة الضيقة المحيطة به.

ويشكل الضخ الإعلامي السلبي، مقروناً بالصورة الذهنية المشوهة عن العاملين في الشأن السياسي، قيوداً نفسية تمنع الشباب من خوض غمار العمل السياسي الذي يصبح المرء فيها مداناً بشتى التهم، وغير قادر ـ  في حال ممارستها ـ  على التحصيل العلمي أو المهني أو تحقيق حياة كريمة.

وينتج عن تلك العدائية الممنهجة، استحكام العوائق الذهنية كالخوف من الفشل وتكرار التجارب السلبية، والإحساس بتأنيب الضمير، والشعور بالذنب، واحتقار الذات، والإحباط، والعجز، والشك في قدرة الفرد أو المجموعة على صنع التغيير، ما يدفع بالشباب للابتعاد عن تلك المجالات والسعي إلى تحقيق الذات عبر مجالات أخرى كالرياضة والفن وغيرها من المجالات الأقل خطراً.

إلا أن الحراك الشعبي في مرحلة الربيع العربي قد أثبت أن ظاهرة «العزوف» لا تقل خطورة على الفئات المتحكمة من «الانخراط» الشعبي في المجال العام، حيث قيدت حالة التهميش المزمنة فرص تطوير مؤسسات الإدارة والحكم، ومنعت فرص البحث عن نماذج أكثر فاعلية لمعالجة المشكلات التي يعاني منها المجتمع، وفرضت الاقتصار على النموذج الأوحد المقرون بهالة إعلامية من الأناشيد «الوطنية» وعبارات التزلف للحاكم، وتعداد إنجازاته، ما أدى إلى السقوط المدوي والسريع للمنظومة الاستبدادية العربية خلال الفترة 2011 ـ 2020.

وبالإضافة إلى دفعهم نحو العنف، تُفضي تلك القيود النفسية إلى تعطيل ملكات: التصور، والإبداع، والاجتهاد، والافتراض، والبحث، والتقصي عند الشباب العربي، وتمنعهم من محاولة البحث في سبل تحقيق التطور النظمي والمؤسسي، مقابل إشغالهم بهموم الحياة، والبحث عن فرص العمل، فلا يحاول الشباب خوض غمار التفكير والطموح السياسي، بل يقبلون بالمرتبة الدونية بين الأمم، ويكتفون بعبارات التحسر أو التندر بالفوارق بينهم وبين الشعوب المتقدمة. 

ومن المؤسف القول، إن معظم النخب العربية المعاصرة قد مارست دوراً رديفاً في إضعاف المشاركة الشعبية، وذلك من خلال عجزها عن القيام بالدور الذي قامت به النخب الإصلاحية مطلع القرن العشرين في مقاومة الاستعمار وفتح قنوات العمل الوطني والتطوير النظمي، وفشلها في مواكبة الحراك الشعبي، وتطامن قاماتها التاريخية أمام دعاوى الفئوية والمناطقية وعصبويات ما دون الدولة.

ثانياً: الموروث التاريخي

ثمة فجوة واسعة في الموروث التاريخي العربي بين النظريات السياسية المتقدمة التي بلغت أوجها في العصور الذهبية للحضارة الإسلامية وبين التطبيقات المعاصرة.

فقد تراجع العرب في مجال تطوير النظم والبناء المؤسسي، وذلك نتيجة خضوعهم لهيمنة أمم أخرى بسطت سيطرتها في البلدان العربية، بما في ذلك الفرس والمماليك والعثمانيون الذين حكموا قروناً طويلة وأسسوا نظم حكم خاصة بهم في مصر والشام والعراق والحجاز واليمن والمغرب العربي.

ففي الفترة الممتدة ما بين 1250 ـ 1517م (648 ـ 923هـ)، سيطر الأيوبيون في مصر والشام، وأعقبهم المماليك من فئة «الرقيق الأبيض» كالترك والمغول والشركس وغيرهم من الأعراق، مقابل استبعاد العنصر العربي لحقبة امتدت نحو ثلاثة قرون، حيث كان سلاطين المماليك يعززون نفوذهم من خلال الاستكثار من العبيد وتعيينهم في المناصب العليا في الدولة.

وسار العثمانيون (1517 ـ 1918م) على سيرة سابقيهم في تفضيل العنصرين التركي والمملوكي، وتعيينهم في مناصب الإدارة والحكم، فكانت المناصب الإدارية وقيادة الفرق العسكرية تذهب للمماليك الذين اعتمد عليهم العثمانيون في حكم مصر والشام والحجاز، والتي تحولت أراضيها الزراعية إلى إقطاعيات للمماليك.

وأدى ضعف الدولة العثمانية إلى خضوع مصر والسودان واليمن والعراق وفلسطين للاستعمار البريطاني، وخضوع المغرب والعربي وبلاد الشام للاستعمار ـ الانتداب الفرنسي، ما عزز تهميش العنصر العربي، حيث أسس البريطانيون أجهزة إدارة يترأسها مسؤولون بريطانيون، وأسست السلطة الفرنسية نظام حكم يرأسه مندوب سام فرنسي يشرف على جهاز من حوالي ثلاث مئة وخمسين مسؤولاً فرنسياً في الشام، يدعمهم ألف ضابط فرنسي في «جيش الشرق»، ونحو ثلاثة آلاف موظف فرنسي يعملون في مجالات التجارة والتعليم.[2]

وعلى الرغم من حصول الدول العربية على استقلالها في النصف الثاني من القرن العشرين، إلا أن تجارب الحكم المدني باءت بالفشل نتيجة ضعف التجربة وهشاشة البنى المؤسسية، وتسلط العسكر الذين سرعان ما استحوذوا على الحكم من خلال سلسلة انقلابات شملت سائر الجمهوريات العربية، وأسسوا نُظُماً استبدادية تقوم على حكم الحزب الواحد.

وكان لتهميش العنصر العربي وتقييد حريته في مباشرة مؤسسات الإدارة والحكم أثرٌ سلبي على التطور السياسي للمنطقة العربية خلال القرون السبعة الماضية، ففي حين نَعِم الأتراك والفرس وغيرهم من الأعراق بنظم انتخابية وبتجارب متقدمة في الحكم خلال القرن العشرين، رزح العرب لنير الحكومات الانقلابية التي رسخت حكم الفرد وقمعت سائر المحاولات الشعبية للمشاركة في العمل السياسي.

وأدت الحقبة الاستعمارية ومن ثم الاستبدادية إلى إضعاف أجهزة الدولة وتضييق دائرة النخب الحاكمة، وتعزيز قبضة المؤسسات الأمنية، وتجريم العمل السياسي خارج الإطار الضيق الذي يتواءم مع ترسيخ السيطرة على السلطة ويعزز احتكار مقدرات البلاد.

وبالإضافة إلى هشاشة الحكم وضعف مؤسسات الدولة، عانت البلدان العربية من ضعف النخب السياسية التي ألجأها القمع إلى الهجرة أو العمل السري، أو مجاراة الحكم الاستبدادي، وما إلى ذلك من الظروف القهرية التي أضعفت فرص المشاركة الشعبية.

ثالثاً: البيئة الطاردة

تتسم بيئة العمل السياسي في الجمهوريات العربية بالعدائية، حيث يحتكر «الحزب الحاكم» لنفسه حق الممارسة السياسية، ويحصر المنافع والسلطات بيد فئة ضيقة من أتباعه، ويحارب مفاهيم التداول والتعددية، وذلك من خلال:

 ـ  إصدار القوانين التي تضيّق عمل الأحزاب الأخرى وتمنعها من القيام بأية أنشطة اجتماعية.

 ـ  الحد من قدرة الأفراد على تكوين الأحزاب ومن قدرتهم على ممارسة أنشطة سياسية.

 ـ  اشتراط الحصول على موافقات أمنية للقيام بأي عمل عام.

 ـ  صياغة قوانين خاصة بالانتخابات تضمن فشل المناوئين وتقسم الدوائر الانتخابية بصورة تضمن هيمنة الحكم على السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية.

 ـ  فرض السيطرة على الإعلام والعمل الأهلي والنقابي والفني، ومنع الناشطين خارج مظلة السلطة من الوصول إلى مؤسسات الإعلام الرسمية.

 ـ  اتخاذ الإجراءات القمعية الكفيلة بإبعاد الشباب عن العمل العام وإضعاف التنظيمات الشبابية.

 ـ  إسناد كل ما يتعلق بالعمل العام لأجهزة أمن الدولة ومنحها صلاحيات كاملة للتنكيل بالناشطين والفاعلين.

 ـ  تسخير أجهزة الإعلام الرسمية لتشويه صورة الناشطين خارج مظلة الحكم الاستبدادي.

 ـ  توظيف المؤسسات الدينية الرسمية ورجال الدين الموالين لإصدار فتاوى تحريم العمل السياسي كالتجمع والتجمهر وتشكيل الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، ودفعهم لإصدار فتاوى تبيح التنكيل بالمعارضين والناشطين، بل وقتلهم: «إن رأى ولي الأمر أن ذلك النشاط يعرض الدولة للخطر».

ونتج عن تلك الإجراءات، إفراغ الساحة السياسية من أية بدائل مدنية للسلطة العسكرية، والتعامل مع وجهات النظر المخالفة بمفاهيم «الخيانة» و«التآمر»، وعرقلة شتى محاولات إصلاح مؤسسات الإدارة والحكم، كما أسهمت البيئة القهرية التي فرضتها السلطات الاستبدادية في إفقار الدول العربية من النخب المثقفة ومن المفكرين، وغيبت الأطروحات التجديدية لتبني وتطوير أدوات الممارسة السياسية، ما دفع بشريحة من الشباب العربي نحو التطرف والغلو وتشكيل جماعات «سرية» تمارس الإرهاب والعنف السياسي، فيما توجهت شريحة أخرى نحو الخارج أملاً في الحصول على الدعم السخي الذي قدمته منظمات «دعم الديمقراطية» الغربية، مقابل تقديم تنازلات كبيرة في مجالات العولمة وتعزيز الهيمنة السياسية والاقتصادية للجهات الداعمة.

وعلى الرغم من تباين الاتجاهات، إلا أن السمة المشتركة لدى جميع تلك الفئات تمثلت في غياب المشروع الوطني، وعدم التوافق على نماذج للحكم الرشيد، والعجز عن حماية مؤسسات الحكم وصون الهوية الوطنية التي كانت الخاسر الأكبر في ذلك المعترك.

كيف نحطم القيود؟

في استبيان وزعته إحدى المؤسسات الغربية الرائدة، طُلب من ألف شابة وشاب من أبناء الألفية أن يختاروا الاسم الذي يناسب جيلهم، فاختارت الغالبية العظمى منهم اسم: «المؤسسون» (founders).[3]

ولذلك الخيار دلالة كبيرة، إذ إنها تؤكد تمتع الأجيال الشابة بقدر أكبر من الثقة في أنفسهم، وفي قدرتهم على تأسيس نظم سياسية واجتماعية واقتصادية تتواءم مع التحولات التي لم تعرف البشرية لها مثيلاً في التاريخ.

وتتطلب عملية التغلب على العوائق الذهنية والموروثات التاريخية السلبية اتخاذ خطوات جماعية على صعيد الوعي المجتمعي، وخاصة فيما يتعلق بقبول الأخطاء دون مكابرة أو تبرير، والبحث عن وسائل علمية وتطبيقية لتصحيحها، وهي مسألة تقوم على أساس إثراء الثقافة العربية بمفاهيم: النقد البنّاء، والمناقشة الحرة، والقبول بالرأي المخالف، والاعتراف بالتنوع، واحترام التعددية.

ووفقاً للمتخصصين في علم الاجتماع السياسي فإن أول مراحل التغلب على المعوقات الذهنية هي «تحديد الهدف» على الصعيد الشخصي والمجتمعي، ويقتضي ذلك وضع مبادئ عامة تتواءم مع البيئة السياسية ومع القواسم المشتركة بين أبناء المجتمع.

ولعل العائق الأكبر الذي يحول دون تحويل «الربيع العربي» إلى حراك إيجابي بنّاء هو الاختلاف الواقع بين الفئات المجتمعية حول تعريف الحكم البديل، وتحديد الأهداف التي يمكن أن تحظى بالإجماع الشعبي.

كما تتطلب عملية تحطيم القيود الذهنية التحلي بالجرأة لمخالفة النخب التقليدية، ومواجهة الأفكار التي تصنفها السلطات السياسية ضمن دائرة المحظورات، والتي تقوم على مفهوم «إما نحن أو الفوضى»، إذ يتعين مناقشة المسلَّمات السياسية التي سادت لمدة تزيد عن مئة عام في حقبتي الاستعمار والاستبداد، والانطلاق من أن تكرار النموذج التقليدي، هو تكرير للنتائج التي ثبت فشلها، وعائق يحول دون الإتيان بأفكار جديدة.

ولا يمكن أن تنبثق عملية الإصلاح المجتمعي من خلال مغامرات إيديولوجية غير ناضجة، أو من أفكار تقدمها النخب للجماهير، بل تتطلب عملية تفاعلية وحوارات شاملة بين مختلف فئات المجتمع عبر المنتديات الحوارية ووسائل الإعلام، بهدف إنضاج الأفكار وإتاحة مجال تقبلها من قبل شتى فئات المجتمع.

ولا شك في أن «الثورة الرقمية» تتيح مجالاً كبيراً للخروج من المعترك السلبي التقليدي وتحطيم العوائق الذهنية، خاصة وأنها تقدم للأجيال الجديدة أدوات لم تكن متاحة لأي جيل مضى، مع ضرورة ترشيد تلك الأدوات واستخدامها فيما يتوافق مع عملية التأسيس لمفاهيم الحكم الرشيد، ويعزز المشاركة الإيجابية والانخراط في عملية إعادة بناء النظم السياسية وتحقيق الصالح العام.

 

شكل (1): آليات التغلب على العوائق الذهنية.


ومن خلال استقراء أبرز ملامح الجيل الجديد تم تحديد جملة من المواصفات التي يتحلى بها جيل ما بعد الألفية، والتي تساعد على تحطيم القيود التقليدية، ومن أبرزها:

1 ـ  التشكيك في المسلمات المجتمعية، ومساءلة جميع المعطيات قبل القبول بها.

2 ـ  التمرد على المنظومة السياسية التقليدية، والرغبة في تغييرها وإنشاء نظم سياسية بديلة.

3 ـ  الاستعداد للمجازفة في سبيل تحقيق الأهداف، وذلك مقابل ركون الأجيال الماضية إلى إيثار السلامة.

4 ـ  التواصل المكثف وتوظيف التقنيات الرقمية والتفاعل عبر وسائل التواصل الاجتماعية على مدار الساعة.

5 ـ  الانفتاح نحو الأفكار الجديدة وتقبل الثقافات الأخرى، والرغبة في الاستفادة من تجارب الأمم المتقدمة.

6 ـ  الجرأة في مناقشة المواضيع التي كانت تعتبر من المحظورات بالنسبة للأجيال الماضية.

7 ـ  الوعي المتمثل في زيادة نسب التعليم، وما توفره ثورة الاتصالات في مجال «المصدر المفتوح للمعلومات».

إلا أن عملية تأسيس الحكم الرشيد لا تقوم فقط على تلك المواصفات، بل تتطلب جهوداً رديفة في مجال التطوير النظمي والمؤسسي، ووضع الأسس الفكرية للدولة البديلة، وفتح قنوات المشاركة الشبابية السلمية في مختلف مجالات الشأن العام والإسهام فيه، وهي النقاط التي سيتم تفصيلها في مباحث مقبلة.

 

شكل (2): مواصفات جيل الألفية.

 



[1]  Daren Acemoglu and James A. Robinson (2012) Why Nations Fail, Profile Books Ltd, London.

نشرت نسخة مترجمة من الكتاب بعنوان: «لماذا تفشل الأمم، فلسفة السلطة والازدهار والفقر» (2015)، ترجمة بدران حامد، الدار الدولية للاستثمار الثقافية بالقاهرة.

[2] Yapp, M (1996) The Near East Since the First World War, Routledge, London. p. 87.

[3]  http://www.mtv.com/news/2680317/generation ـ z ـ the ـ founders/

arrow_upward