التدريب والتطوير

لتمكين الشباب العربي من الممارسة الفاعلة في العمل السياسي

لتحميل كتاب د. بشير زين العابدين (إدارة المشاريع السياسية في عالم عربي متحول)

في عام 1986 تنقل ديفيد كابلان في العراق بسيارة أجرة يقودها سائق كردي، أخذ يُعرّفه بالمناطق التي يمرون عليها شمال العراق، ولما أشرف على التلال الرفيعة الممتدة صعوداً من الصحراء المستوية بدأت ملامح المنطقة في التغير، وعبر السائق عن تهكمه على عبارة كتب عليها «عربستان» بهمهمة غير مفهومة، وما لبث أن اختفى الجنود العراقيون، وظهر عناصر «البيشمرغة» الكردية، وهم يعتمرون العمائم ويرتدون السراويل الفضفاضة.

لم يكن كابلان غادر العراق، ولكن الجبال المرتفعة وتضاريسها الوعرة وضعت حداً لحكم صدام حسين آنذاك، فهي بطبيعتها المعقدة وممراتها الضيقة تشكل مناعة ليس من السهل اختراقها، ولذلك فقد تحولت المنطقة إلى ملاذ للمقاتلين وعصابات المخدرات، ما أعاد لذهنه قول الأنثروبولوجي جيمس سكوت: «يمكننا فهم شعوب التلال بأفضل صورة باعتبارها مجتمعات من الهاربين، المطاردين، الآبقين الذين ظلوا على مدى ألفي سنة يفرون من الاضطهاد الذي تمثله مشروعات صنع الدول في الوديان».

ومنذ ذلك الحين شرع كابلان في تدوين ملاحظاته الجغرافية، ليضيف إليها رأيه في كارثة السنوات الأولى من الغزو الأمريكي للعراق، والتي انتصر فيها للمدرسة الواقعية، معتبراً في كتابه «انتقام الجغرافيا» (2012)[1] أن البشرية بحاجة إلى استعادة إدراكها للزمان والمكان، والذي ضيعته الطائرات النفاثة وثورة المعلومات، معتبراً أن موروثات الجغرافيا والتاريخ والثقافة تفرض حدوداً يصعب التغاضي عنها، ومؤكداً أن: «من يتجاهل الجغرافيا ينتهي أمره بانتصارها عليه».

وعلى الرغم من أهمية المنطقة العربية في الإيحاء بفكرة الكتاب، إلا أن كابلان لا يخصص من بين الفصول الثمانية عشر لكتابه أي قسم عن العالم العربي، بل يتحدث عنه عرضاً في إطار التكهن بما يسميه «المحور الإيراني»، ثم «الإمبراطورية العثمانية السابقة»، معتبراً أن المنطقة تأثرت بمحيطها، ولم تكن فاعلة في الأحداث الكبرى، إذ إنها تأثرت بالاستعمار البريطاني والفرنسي، ثم في ظهور الكيان الصهيوني، ثم بالغزو الأمريكي للعراق، ثم بسياسة التوسع الفارسي، ولم تكن في أي من الأحوال قادرة على الإمساك بزمام المبادرة أو التأثير في مجريات الأحداث، وذلك على الرغم من أهميتها كنقطة التقاء بين قارات العالم القديم (آسيا وأوروبا وأفريقيا)، وتقاطع الطرق التجارية التاريخية، وتوفر 70 بالمئة من احتياط العالم من طاقة النفط والغاز، وتنافس الديانات والإيديولوجيات بحيث ترتسم فيها حدود متفجرة كأنها «قطعت بسكين مهترئ».

وفي تعليقه على أحداث «الربيع العربي»، يرى كابلان أنه بقدر ما أظهرت عمليات الحراك السياسي في الدول العربية ضد الاستبداد هزيمة الجغرافيا بفضل الاتصالات والتكنولوجيا الجديدة من قنوات فضائية ووسائل تواصل اجتماعي، إلا أنها بيّنت أن لكل دولة من هذه الدول خاصيتها المرتبطة بتاريخها وجغرافيتها، ففي المرحلة الأولى من تلك الاضطرابات ظهرت هزيمة الجغرافيا أمام قوة تكنولوجيا الاتصالات الحديثة، وسرعان ما صنعت التكنولوجيا المتمثلة في القنوات الفضائية والشبكات الاجتماعية مجتمعاً من المعارضين عبر العالم العربي، إلا أن كل دولة وضعت تصوراً مختلفاً لثورتها، ما يؤكد أن تلك الحركات تخطت الجغرافيا في البداية، لكنها خضعت لها في نهاية الأمر، معتبراً أن بداية الاحتجاجات في تونس تأتي نتيجة تمركز مستوطنات تاريخية في المنطقة التي توجد فيها تونس اليوم، والتي شيّدت بجوار مساحة شاسعة خالية الى حد ما والتي تمثل الجزائر وليبيا اليوم، وبسبب وجودها عند سواحل البحر المتوسط وبالقرب من صقلية، فإن تونس أصبحت القلب السكاني في منطقة شمال أفريقيا، ليس فقط خلال عصر قرطاجة والرومانيين، ولكن أيضاً عبر عصور البيزنطيين والعرب والأتراك.

وفى حين كانت كل من الجزائر غرباً وليبيا شرقاً مجرد مساحة جغرافية ذات تعبيرات غامضة، فإن تونس كانت دوماً مركزاً لحضارات قديمة، وكانت المنطقة الأقرب إلى قرطاجة (تونس) طوال ألفي عام تتمتع بمستوى عالٍ من التطور، وذلك بخلاف اليمن التي ظلت تحاول توحيد أراضيها، ولكنها كانت دوماً تصطدم بطوبوغرافية جبلية ممتدة عملت على إضعاف الحكومة المركزية وعززت النظام القبلي والجماعات الانفصالية. وكذلك الحال بالنسبة لسوريا التي تُظهر خارطتها انقسامات تقوم على الهويات العرقية والطائفية.

ويستنتج كابلان أن مصر وتونس متماسكتان طبيعياً بينما تعتبر ليبيا واليمن وسوريا أقل تماسكاً، وهو ما تطلب من حكام تونس ومصر أشكالاً معتدلة نسبياً من النظام الاستبدادي للحفاظ على وحدة البلاد، بينما تطلب الأمر أنواعاً متطرفة من الحكم الاستبدادي في كل من ليبيا وسوريا، أما اليمن فكان الحكم فيها صعباً على الدوام.

وعلى الرغم من تلك العوامل، فقد توقع كابلان أن تعود منطقة البحر الأبيض المتوسط، سواء من شرقها السوري أو من جنوبها العربي الواصل من مصر إلى موريتانيا همزة وصل تربط بين جنوبي أوروبا وشمالي أفريقيا، على نحو ما كانت عليه، لتصبح مجدداً جماعة اقتصادية وثقافية قد تستمد قدراتها من وجود احتياطيات هائلة من النفط والغاز الطبيعي الكامن تحت سطح شمالي وشرقي المتوسط.[2]

الخرائط تروي القصة الحقيقية

وفقاً للباحث البريطاني فريد هاليداي، فإن الموقع الجغرافي يشكل تمثيلاً مادياً ومحايداً للتقسيمات البشرية، بحيث يمكن القول: إن موقع الدولة هو أول ما يحدد هويتها وسياساتها.

وبناء على ذلك فإنه يعتبر أن السبب الرئيس لسياسات إيران التوسعية في المنطقة العربية هو جغرافيتها وتضاريسها، وليس إيديولوجيتها ومعتقدات حكامها التي تغيرت عبر العصور، فمعظم سطح البلاد يتكون من الأراضي الوعرة، التي تكثر فيها الجبال، حيث يضم الحوض الأوسط صحاري واسعة وجبالًا، وتحدها من الشمال سلسلتان كبيرتان من الجبال، هما جبال البرز وجبال زاغاروس، ويكونان جِداراً هائلاً يحول بين الأراضي الداخلية وبين ساحل بحر قزوين، وتمتد سلسلة جبال زاغاروس إلى الجنوب والشرق، ويتسم القسم الجنوبي منها بشدة الجفاف والوعورة والفقر الشديد، حيث تغطيها الحصى والكثبان الرملية، كما يتسم مناخها بالتطرف الشديد، ما يجعلها تعاني من ندرة الموارد وقلة السكان. وتغطي معظم سطح الهضبة صحراوان كبيرتان، تعدان أكثر صحاري العالم جفافاً وجَدباً.

ودفعت تلك التضاريس الوعرة بالسلطات السياسية للبحث عن الموارد في الخليج العربي الذي يعد مثل شريان الحياة بالنسبة لإيران، ما دفعها لتكوين سياسة توسعية تربط تحقيق أمن الداخل عبر الهيمنة على المناطق المجاورة جنوب الخليج العربي، سواء أكان ذلك في الحقبة الإخمينية أو الساسانية أو الإسلامية، أو المعاصرة، ما يعني أن التشيع هو عنصر طارئ في الثقافة الإيرانية، وأن دعوى تصدير الثورة في الحقبة الحديثة ليست سوى أداة شكلية لتبرير النزعة التوسعية الإيرانية التي تميز بها التاريخ الإيراني عبر قرون من الزمان.[3]

وعلى الصعيد نفسه فإن الأطماع العراقية في الكويت لم تكن تقتصر على طموحات صدام حسين العسكرية في تسعينيات القرن المنصرم، بل تعود إلى مراحل سابقة في عهد عبد الكريم قاسم (1961)، وتمتد لما بعد عام 2011، عندما وقع التوتر حول نية الكويت إنشاء «ميناء مبارك الكبير»، إذ لا ترتبط تلك الأطماع بإيديولوجية شيوعية أو بعثية أو شيعية، بل بواقع جغرافي يدفع السلطات العراقية لمحاولة توسيع إطلالتها البحرية بعد أن تم حصر منفذها البحري الوحيد في بقعة صغيرة ببلدة أم قصر جنوب البلاد.

وكذلك الحال بالنسبة للعلاقة بين سوريا ولبنان، إذ لا تقتصر دوافع الهيمنة السورية على طموحات البعث السوري في الهيمنة على لبنان خلال الفترة 1976 ـ 2005، بل تعود الأزمة إلى مرحلة ترسيم خريطة المنطقة في عشرينيات القرن الماضي، والتي لم تترك للقطر السوري من ساحل الشام الممتد لأكثر من 800 كم (بين كلكيلية وسيناء) سوى 183 كم، ووزعت باقي المناطق الساحلية على كل من: فلسطين (240 كم)، ولبنان (200 كم)، ولواء الاسكندرونة (200 كم)، ونتيجة لذلك فقد حيل بين مناطق سورية الداخلية وبين المنافذ البحرية لها، فحرمت دمشق من الوصول إلى مينائي حيفا وبيروت القريبين منها، وحرمت حمص من الوصول إلى ميناء طرابلس، وحرمت حلب من الوصول إلى ميناء الإسكندرون، وسيبقى هذا العنصر مصدر توتر بين الجارتين، ودافعاً لوصل المدن السورية بمياه المتوسط كلما توفرت القدرة على تحقيق ذلك.

ويمكن القول: إن هنالك «حتمية جغرافية» ترسمها الصحارى والجبال والبحار والموارد الطبيعية والثروات، وليس الإيديولوجيات أو الحكومات التي تتغير عبر العصور، ما يؤكد على ضرورة الاهتمام بتأثير الجغرافيا السياسية والجيوبولوتيك (Geopolitics) في السياسة المحلية والدولية، وخاصة فيما يتعلق بتأثير العوامل الجغرافية على تطور المنطقة العربية، حيث يقوم ارتباط وثيق بين علمي الجغرافيا والتاريخ، إلى درجة دفعت المؤرخ الفرنسي الكبير فرناند بروديل إلى القول: «إن الخرائط هي التي تروي القصة الحقيقية».[4]

بين حتمية التاريخ وحتمية الجغرافيا

يُعبر مصطلح «الحتمية التاريخية» عن مفهوم فلسفي سياسي يرى أن للتاريخ البشري مسارًا نحو اتجاه معين، ولو أحطنا علماً بكل العناصر والقوى التي تؤثر عليه لكان من الممكن التنبؤ بأحداثه أو التأثير في مساره.

وينقسم فلاسفة هذا المذهب بين من يؤمن بالحتمية التاريخية المطلقة، ومن يرون أن الأحداث تقع وفق قوانين التاريخ، لكن هذه القوانين لا تجعل أي حدث تاريخي محتوماً إلا إذا وجدت القوة الإنسانية القادرة على تحقيقه، ويقابله في الثقافة العربية مفهوم «العودة التاريخية» الذي يرى أن للتاريخ دورات يمكن من خلالها استقراء مسار الأحداث.

إلا أن ثمة مدرسة أخرى ترى أن الجغرافيا أكثر ثباتاً من التاريخ، وتقدم أدوات أفضل للمساعدة في استشراف التطور البشري، حيث رأى الكاتب الأمريكي نيكولاس سبيكمان أن: «الجغرافيا هي العلم الأكثر أهمية في السياسية الخارجية للدول، لأنها أكثر ديمومة، يأتي الوزراء ويذهبون، وحتى الطغاة يموتون، لكن السلاسل الجبلية تظل راسخة في مكانها، إن جورج واشنطن الذي دافع عن ثلاث عشرة ولاية بجيش غير نظامي، قد خلفه فرانكلين روزفيلت الذي كان تحت تصرفه موارد قارة بأسرها، لكن المحيط الأطلسي استمر في فصل أوروبا عن الولايات المتحدة، كما أن موانئ نهر سانت لورنس لا تزال تُغلق بسبب الجليد في فصل الشتاء، أما ألكساندر الأول وهو إمبراطور جميع الأراضي الروسية، فقد أورث جوزيف ستالين والذي كان عضواً بسيطاً في الحزب الشيوعي، ليس فقط سلطته، بل كفاحه الذي لا ينتهي للوصول إلى البحر، في حين ورث ماجينو وكليمنصو من قيصر روما والملك لويس الرابع عشر قلقهما على الحدود الألمانية المفتوحة».[5]

ولا شك في أن الجغرافيا سيكون لها القول الفصل في الكثير من الأحداث السياسية في المرحلة المقبلة، خاصة وأن المنطقة العربية تشرف على رقعة جغرافية تقع في أهم مناطق قارات العالم الرئيسية ومراكز نشوء الحضارات، وتطل على ممرات مائية إستراتيجية هامة تضمن لها الهيمنة في الملاحة وطرق المواصلات البحرية، ولم تفقد هذه الدول أهميتها رغم ضعفها، إذ لا تزال تتمتع بمخزون ثروات طبيعية يمكن أن تجعلها الأكثر ثراء بين المنظومات الاقتصادية في العالم، من حيث احتياطيات النفط، والغاز الطبيعي، والأراضي الزراعية، ووفرة الموارد الطبيعية والثروات البشرية التي تجعلها فاعلة ومؤثرة في السياسية الدولية، وتُمكنها من تحقيق نهضة كبيرة في مجالات التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية لو توفرت لها القيادة الناضجة والحكم الرشيد.

وثمة مدرسة ثالثة تعتبر أن الجغرافيا ليست ثابتة، وأن قوانينها ليست حتمية، بل هي متحركة باعتبار تغير الظروف، كما أنها تخضع لتأثير البشر ورغبتهم في الحياة، فقد زاد عدد سكان العالم العربي ستة أضعاف في أقل من سبعين عاماً، مرتفعاً من 76.7 مليون نسمة عام 1950 إلى 422.7 مليون عام 2018، ويتوقع أن تُحدث هذه الزيادة الديموغرافية غير المتوقعة تحولات كبيرة على مستوى نظم الإدارة والحكم في العالم العربي، إذ إن الزيادة السكانية تقلص من قدرة الدولة على فرض حكم مركزي، ما يعني بالضرورة أن حكام الفترة المقبلة لن يتمتعوا بالسلطة المطلقة التي تمتع بها أسلافهم في القرن العشرين، وذلك لصعوبة فرض إدارة مركزية على مجتمع فتي يرفض أبناؤه الحكم الشمولي ويبحثون عن فرص الحياة الكريمة.

ويضاف إلى الزيادة السكانية في العالم العربي، تراجع دور المراكز الحضرية الرئيسة، وخاصة منها: بغداد، ودمشق، وصنعاء، والموصل، وحلب، وحمص، فضلاً عن القاهرة، والخرطوم، وطرابلس الغرب، والجزائر العاصمة، وغيرها من الحواضر العربية التي تتنامى فيها مظاهر الفقر والبطالة، وتدفع سكانها للانتقال إلى مناطق أخرى، مثل بنغازي والسليمانية وأربيل والرقة واللاذقية والبصرة وغيرها من المناطق التي يتجه نحوها الثقل السياسي بصورة متزايدة.

وبالإضافة إلى اضمحلال الحكم المركزي، يُتوقع أن تفقد الحدود السياسية أهميتها في ظل الزيادة السكانية والسيولة البشرية وتوفر وسائل الاتصالات والمواصلات، ما يعني بالضرورة أن المشاكل الحدودية المرتبطة بمعاهدات: سايكس بيكو (1916)، وسيفر (1920)، وسان ريمون (1920)، وغيرها من الاتفاقيات التي نتج عنها صراعات وحروب بين الدول، ستضمحل بالتدريج، وستظهر منظومة أخرى من التحديات المتعلقة بتوزيع الثروة وتوفر موارد الحياة.

وسيؤثر اضمحلال الحدود وتهاوي الحكم المركزي على الأحزاب السياسية العربية التي أسست منطلقاتها الفكرية على أسس قومية أو إقليمية أو أممية، مثل: الحزب القومي السوري الذي تبنى مشروع سوريا الكبرى، وحزب البعث الذي وضع على رأس أهدافه حلم تحقيق الوحدة العربية، وغيرها من القوى السياسية التي يتعين عليها مواجهة تحديات جديدة على صعيد الهوية والانتماء.

مشاريع إعادة التشكيل

أدى فشل المشاريع الوحدوية كالفيدرالية الهاشمية (1958) والجمهورية العربية المتحدة (1958 ـ 1961)، إلى تعزيز النزعة القطرية واضمحلال برامج التكامل القومي، كما أفرز الفراغ الناتج عن انهيار السلطة الاستبدادية خلال الفترة 2011 ـ 2020 عن معارك هوية جديدة تتصارع فيها تيارات متباينة تحاول إعادة رسم الخريطة العربية وفق الأسس التالية:

-          اللامركزية الإدارية.

-          الفيدرالية.

-          الحكم الذاتي.

-          المشاريع الأممية (الخلافة أو الإمارة الإسلامية).

-          المشاريع الانفصالية (الإثنية والطائفية) في العراق وسوريا واليمن.

-          الميلشيات العابرة للحدود.

-          الجماعات الفاعلة خارج إطار الدول.

والحقيقة هي أن فكرة إعادة رسم الخريطة العربية قد حظيت باهتمام غير مسبوق في الأوساط الدولية خلال العقد الماضي، حيث أعاد انهيار المنظومة الجمهورية إلى الواجهة مشكلة هشاشة البنى التحتية للدول العربية حديثة التشكيل، وذلك نتيجة لانعدام التوازن بين مفهومي «الدولة» (state) و«الأمة» (nation)، خاصة وأن معظم الجمهوريات العربية قد نشأت على أساس صفقات بين قوى استعمارية في مطلع القرن العشرين دون مراعاة لمفهوم «الدولة القومية» (nation state)، ما أدى إلى تأسيس نُظُم عسكرية، وارتكاز السلطة على قواعد ضيقة من النخب.

ونتج عن انسداد أفق المشاركة السياسية ظهور تيارات راديكالية تتمثل في الجماعات المتطرفة العابرة للحدود، والقوى الفاعلة خارج إطار الدول (non state actors) التي تعمل على إضعاف الدول وإنشاء كيانات سياسية بديلة.

وكان الضابط المتقاعد رالف بيترز من أوائل الذين تحدثوا عن تغيير البنية الجيو ـ سياسية للشرق الأوسط في مطلع الألفية الثالثة، حيث نشر دراسة (2002) ذكر فيها أن الحرب على الإرهاب ستبقى ناقصة ما لم تتم معالجة «قضايا الإرهاب الأصولي والتخريب والكراهية الصادرة من الدول المحافظة التي لعبت دوراً في تقويض الأنظمة العلمانية ونشر التطرف في العالم الإسلامي وإعادة حقوق الإنسان إلى الوراء».[6]

وتقدمت على إثر ذلك بعض مراكز الفكر الغربية بأطروحات تدعو إلى إعادة رسم خريطة المنطقة العربية، حيث أنعش الغزو الأمريكي للعراق (2003) فكرة إعادة تشكيل المنطقة، وتعالت أصوات المنادين بتقسيم العراق إلى ثلاث دول على أساس عرقي وطائفي، حيث تحدث غاري هلبرت (أبريل 2006) عن وجود مخططات أمريكية لتقسيم منطقة الشرق الأوسط على أسس إثنية وطائفية، مؤكداً أن نائب الرئيس الأسبق ديك تشيني ونائب وزير الدفاع الأسبق بول ولفويتز كانا من أبرز المؤيدين لفكرة التقسيم، بحيث يكون القسم الأول وسط العراق وعاصمته بغداد، والقسم الثاني في إقليم «كردستان العراق» الذي يمكن أن يتحول إلى دولة تتمتع بحكم ذاتي، والقسم الثالث شيعي في الجنوب وعاصمته البصرة.[7]

وتحظى كتابات الباحث الأمريكي من أصل إيراني ولي نصر باهتمام كبير، حيث يؤكد في العديد من مؤلفاته أن مصالح الولايات المتحدة ترتبط بتمكين الجماعات الإثنية والطائفية المتحمسة لمشاريع دعم الديمقراطية الأمريكية، مؤكداً أن مفتاح التغيير في الشرق الأوسط ينبع من العراق التي تم تغيير موازين القوى فيها بصورة «أكثر واقعية»، حيث يضمحل دور الحركات العلمانية وتندرس معالم الأيديولوجيا والفكر، في حين تفرز العمليات الانتخابية ممثلين عن الأعراق والطوائف بدلاً من منسوبي الأحزاب والحركات السياسية، مشيراً إلى أن هذه القوى المجتمعية هي التي ستهيمن على الساحة السياسية في الشرق الأوسط وستستحوذ على الموارد والثروات في مرحلة ما بعد الإطاحة بالدكتاتوريات.[8]

ومنذ ظهور مؤلَّفه «كيف تدير العالم» (2011)، يُعتبر الباحث في مؤسسة «أمريكا الجديدة»، باراج خانا، أحد أبرز المنادين بإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، حيث توقع أن يصل عدد الدول المستقلة في العالم خلال الفترة القادمة إلى 300 دولة بدلاً من 200 دولة اليوم، ودعا إلى التعامل مع الأزمات السياسية في المنطقة من خلال حلول جذرية تتلخص في تأسيس دول علوية وكردية وشيعية في سوريا والعراق، وأخرى قومية في آسيا الوسطى تحت مسمى «أذربيجان الكبرى»، معتبراً أن ولادة دولة جنوب السودان تمثل بداية الترتيبات لظهور دول جديدة في الشرق الأوسط على أسس إثنية ومذهبية.[9]

ولدى اندلاع الثورة في سوريا، طرح عراب السياسة الخارجية الأمريكية هنري كيسنجر فكرة تقسيم البلاد، قائلاً: «هنالك ثلاث نتائج ممكنة: انتصار الأسد، أو انتصار السنّة، أو نتيجة تنطوي على قبول مختلف القوميات بالتعايش معاً، ولكن في مناطق مستقلة ذاتياً على نحو أو آخر، بحيث لا تقمع بعضها البعض، وهذه هي النتيجة التي أفضّل رؤيتها تتحقق».[10]

وأيده في ذلك الكاتب أرنولد ألرت، الذي لاحظ ظهور عوامل التحلل على خريطة المنطقة العربية بعد مرور نحو قرن ساد فيه الحكم الاستعماري ثم العسكري الشمولي، ورأى أن الصورة الأنسب لضمان استقرار الكيان الجمهوري في سوريا تكمن في تأسيس نظام «ترويكا» تتوزع السلطة فيه بين السنة والأكراد والعلويين.[11]

لكن هذه الكتابات لا تعكس المواقف الرسمية في الغرب، والتي تتجه نحو حلول أقل راديكالية في التعامل مع الفوضى الناتجة عن «الربيع العربي»، وتتمثل في إعادة صياغة الأنظمة السياسية من خلال إضعاف مؤسسات الحكم المركزي ودعم المجموعات الإثنية والمذهبية لإنشاء أقاليم حكم ذاتي، ضمن سياسة يمكن تسميتها: «التجزئة داخل الحدود»، وتنطلق من القناعة بعدم جدوى مشاريع التقسيم في ظل المعادلة الإقليمية المعقدة.[12]

علماً بأن هذه النزعات تتجاهل مصاعب إقامة دول مستقلة على أساس مذهبي أو إثني، إذ إن المجتمعات العربية تتسم بالتعددية، في حين يغلب على المدن العربية ظاهرة الاختلاط بين مختلف المجموعات، ما يجعل مفاهيم الفرز السياسي على أسس إثنية ومذهبية أمراً متعذراً، وقد حاولت فرنسا إنشاء منظومة من الدول الطائفية في سورية خلال الفترة 1920 ـ 1936، إلا أن جميع محاولاتها باءت بالفشل.[13]

وفي مقابل هذه الأطروحات التفتيتية التي طرحتها معاهد الغرب، يتعين على الأجيال الجديدة تقصي النماذج الناجحة في مجال التكامل الإقليمي، والخروج بأطروحات علمية جادة لمعالجة مشاكل الهوية السياسية للكيانات العربية في هذه المرحلة الحرجة من التحول البنيوي.

الجغرافيا قبل الإيديولوجيا

أفضت بعض الثورات الشعبية في العالم العربي (2011 ـ 2020) إلى تدخلات عسكرية خارجية كانت تهدف في غالبيتها إلى الاستحواذ على مصادر النفط والغاز، والسيطرة على الموانئ البحرية والطرق الدولية، فضلاً عن الثروات المائية والأراضي الزراعية.

وتتزايد التوقعات بأن الجغرافيا هي التي ستشعل الحروب المستقبلية في المنطقة، وليست الإيديولوجيا، ما يؤكد على ضرورة تنمية مدارك الأجيال المقبلة بالنظريات الجغرافية وخاصة علم الجغرافيا السياسية الذي يُعرّف بأنه: «المناهج الجغرافية لدراسة العلاقات الدولية»، ويتضمن دراسة مقومات وجود الوحدات السياسية وتطورها اعتماداً على خصائص البيئة الجغرافية من حيث قوتها أو ضعفها واستقرارها أو تفككها، وتحليل النظم السياسية من خلال التركيز على تأثير وتأثر الجغرافيا في السياسة، وخاصة فيما يتعلق بتأثير المساحة والتضاريس والمناخ على أحوال الدول والشعوب، وتأثير السياسة على الجغرافيا، فيما يتعلق بمفاهيم الدولة والإقليم، والأمة والقومية، وجغرافية الانتخابات، إضافةً للخطط الإستراتيجية التي حكمت العلاقات السياسية على أساس خصائص البيئة الجغرافية.

ولا يقل أهمية عنه علم «الجيوسياسة» الذي يُعرّف بأنه: «مجموعة من المفاهيم التي تنطلق من المعطيات الفيزيائية والبشرية الصادرة عن الفواعل السياسية، وتهدف للسيطرة على مجال جغرافي معين»، ويُعنى بتأثير الأرض على السياسة وتأثير السلوك السياسي في تغير الأبعاد الجغرافية للدولة، ويساعد على فهم كيفية استخدام الجغرافيا كمصدر قوة للتعبير عن المواقف السياسية.[14]

ولا شك في أن مرحلة إعادة التشكل السياسي في الدول العربية تحمل في طياتها مجموعة من التحديات التي سيكون الحكم فيها للجغرافيا وليس للإيديولوجيا، خاصة وأن الدول العربية المنعتقة من الاستبداد السياسي تواجه مخاطر ذات بعد جيوسياسي، يتعلق بفشل الجمهوريات المتداعية في حماية حدودها وموانئها، وعجزها عن مواجهة: النزعات الانفصالية الإثنية والطائفية، ومخاطر الهيمنة الخارجية للاستحواذ على ثرواتها ومواردها الطبيعية، ورغبة دول الجوار في السيطرة على الأقاليم ذات القيمة السياسية فيها.

ويتعين في هذه الحالة استدعاء نظريات ماكندر الذي كان أول من فسر العلاقات الدولية على أساس الموقع الجغرافي لمختلف البلدان، وردولف كيلين الذي انطلق من فكرة أن الدولة كائن عضوي لكنه متطور وليس ثابتاً، وشبه البناء العضوي للدولة بالبناء العضوي للكائن الحي، فالأرض بالنسبة للدولة هي الجسد وعاصمتها بمثابة القلب والرئتين، أما الأنهار والطرق وسكك الحديد فهي بمثابة الأوردة والشرايين للدولة، في حين أن المناطق تعد المصدر الذي يمدها بالمعادن والموارد الأولية اللازمة لنموها، والأفراد داخل الدولة هم الخلايا عند الكائن الحي والعامل المحرك للدولة.

وبهذا المفهوم فإن الجمهوريات العربية تعاني من أمراض مستعصية على مستوى علاقة القلب (العاصمة) بالأعضاء، واختلال الخلايا المحركة للدولة نتيجة تدهور العلاقة بين السلطة والمجتمع، وفقدان السلطة المركزية سيطرتها على حدودها وموانئها وطرقها الرئيسية في بعض الجمهوريات.

وتتطلب عملية الانخراط في الشأن السياسي تمكين الأجيال المقبلة من استخدام النظريات الجغرافية في تطوير البرامج السياسية، وعلى رأسها نظرية راتزل لتقييم فاعلية الدولة ومستوى استقرارها من خلال خمسة مقاييس رئيسة هي:

1 ـ  نظام الحكم.

2 ـ  السكان.

3 ـ  الأحوال الاجتماعية.

4 ـ  المركّب الاقتصادي.

5 ـ  المركّب الطبيعي.

يضاف إلى ذلك عوامل أخرى، مثل: أهمية الموقع، والطرق البرية والمنافذ البحرية، والمسارات التاريخية لعمليات التشكل، وترسيم الحدود، وتقسيم الوحدات السياسية بين السكان بمختلف انتماءاتهم الدينية والإثنية والمذهبية، ما يساعد على فهم طبيعة النزعات وتحليلها، وصياغة هوية سياسية بديلة أكثر توازناً، وعلاقات إقليمية ودولية أكثر استقراراً، الأمر الذي يساعد على بناء منظومة سياسية رشيدة.



[1]  Robert D. Kaplan (2013) The Revenge of Geography: What the Map Tells Us About Coming Conflicts and the Battle Against Fate, Random House Trade.

[2]  روبرت كابلان (2015) انتقام الجغرافيا، ترجمة إيهاب عبد الرحيم علي، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، ص.ص 43 ـ 58.

[3]  فريد هاليداي (2004)، دراسات شرق أوسطية، ترجمة أحمد رمو، دار علاء الدين، دمشق، ص. ص 111 ـ 116.

[4]  Fernand Braudel (1995) A History of Civilizations, Penguin Books, London.

[5]  Nicholas J. Spykman (2007) America’s Strategy in World Politics: The United States and the Balance of Power, Transaction Publishers.

[6]  Ralph Peters, “The Saudi Threat,” Wall Street Journal, (4th January 2002), and Ralph Peters, “Blood Borders: How a Better Middle East Look,” Armed Forces Journal, (July 2006).

[7]  Mahdi Darius Nazemroaya, “Plans for Redrawing the Middle East,” (Global Research, 18th November 2006).

[8]  Vali Nasr, “Regional Implications of the Shia Revival in Iraq,” The Washington Quarterly, Summer (2004): 7 ـ 24.

[9]  Parag Khanna (2011) How to Run the World: Charting the Course to the Next Renaissance, Random House, and Parag Khanna “Breaking Up is Good to Do,” Foreign Policy, (13 January 2011).

[10]  Henry Kissinger characterizes Syrian war as “ethnic and sectarian conflict,” discusses other foreign policy issues at Gerald Ford centennial event, http://www.fordschool.umich.edu/news/?news_id=1111 (Monday, July 1, 2013).

[11]  Arnold Ahlert, “Obama’s Iraq Surrender,” Frontpage Mag,  http://frontpagemag.com/2013/arnold ـ ahlert/obamas ـ iraq ـ surrender ـ brings ـ mideast ـ meltdown(May 31 2013).

[12]  روجر أوين، «المشرق العربي: من ترسيم الحدود إلى التجزئة ضمن الحدود،» صحيفة الحياة، 31 مايو 2013.

[13]  تمثل المشروع الفرنسي في إعلان: دولة لبنان الكبير (1 سبتمبر 1920)، ودولة حلب (8 سبتمبر 1920)، ودولة العلويين (23 سبتمبر 1920)، ودولة جبل الدروز في (20 إبريل 1921)، ودولة دمشق: التي اتخذت من العاصمة اسماً لها، لكن هذه الدويلات الطائفية لم يكتب لها النجاح، فقد أثبتت التجربة أن عملية إنشاء خمسة أجهزة إدارية متكاملة من مسؤولين وموظفين وعسكريين، وتأسيس بنية تحتية وخدمات بلدية وصحية وبريدية في كل دولة من هذه الدويلات كانت عملية باهظة التكاليف، فانضمت دولتا حلب ودمشق عام 1924، واتخذ قرار ضم مناطق الدروز والعلويين للدولة السورية في 1936.

[14]  كثيراً ما تتداخل «الجيوسياسة» التي تُعنى بتأثير الأرض على السياسية وتأثير السلوك السياسي في تغيير الأبعاد الجغرافية والاحتياجات التي تتطلبها الدولة في الحاضر والمستقبل، مع علم «الجغرافيا السياسية» الذي يُعنى بدراسة تأثير الجغرافيا في السياسة، وبالإمكانات الجغرافية المتاحة للدولة، وكيان الدولة الجغرافي كما هو في الواقع، ولا شك في أن المجالين يكملان بعضهما البعض، ولا مناص من تنمية الوعي فيهما للمنخرطين في العمل السياسي.

 

arrow_upward