التدريب والتطوير

لتمكين الشباب العربي من الممارسة الفاعلة في العمل السياسي

لتحميل كتاب د. بشير زين العابدين (إدارة المشاريع السياسية في عالم عربي متحول)

قوة الدفعة الأولى

يُعتبر عبد الرحمن بن خلدون (ت 808ه ـ 1406م) المؤسس الفعلي لعلم الاجتماع الحديث، ومن أبرز علماء التاريخ والاقتصاد في العصور الوسيطة، وإليه تُنسب العديد من النظريات السياسية، وخاصة منها ما يتعلق بعلم الإنسان وبالتطور العمراني.

ومن ضمن المجالات التي تعرّض ابن خلدون للحديث عنها في مقدمته، «الدول والملك والخلافة ومراتبها وأسباب وكيفية نشوئها وسقوطها»، حيث قارن، في الفصل الثالث من الكتاب،[1] الدولة بالكائن الحي الذي يولد وينمو، ثم يهرم ليفنى، معتبراً أن للدولة عُمُر مثلها مثل الكائن الحي تماماً، وحدد معدل عمرها بمئة وعشرين عاماً، مؤكداً أنه: «لا تعدو الدول في الغالب هذا العمر إلا إن عرض لها عارض آخر من فقدان المطالب»، وذلك بناء على اعتبار أن الدولة تتكون من ثلاثة أجيال، كل جيل عمره أربعون سنة.

إلا أن أطروحات ابن خلدون قد تعرضت فيما بعد لكثير من المراجعة والنقد، وخاصة فيما يتعلق بتقدير عمر الدولة، إذ إن الكثير من الدول عاشت مئات السنين، ولم ينتهِ أجلها بانقضاء المئة وعشرين سنة التي افترضها، ما دفع بالباحثين للتساؤل عن العوامل الفعلية التي تحدد أعمار الدول، وبرزت نتيجة ذلك فرضية مهمة تتحدث عن قوة الدفعة الأولى كمعيار أساسي لتحديد أعمار الدول.

فعلى الرغم من أن بعض الدول قد تعرّضت لعوامل الضعف، إلا أنها نجحت في النهوض من جديد، وعاش بعضها عقوداً طويلة من الضعف دون أن يسقط، كالدولة العثمانية التي طال عمرها رغم ضعفها، إلى درجة تسميتها في أوروبا باسم «الرجل المريض».

وتقوم تلك الفرضية على اعتبار سنوات التأسيس هي العامل الرئيس في تحديد عمر الدولة، فكلما كانت القوانين والتشريعات والبنى التحتية للدولة (التخطيط) أكثر تناسباً مع البيئة، كلما كانت الدولة قابلة للبقاء لفترة أطول رغم ما قد يعتريها من الضعف، تماماً مثل العربة التي يعتمد سيرها على قوة الدفع، وكلما كانت هندستها متينة ومتماسكة كلما كانت قدرتها على المضي في طريقها أكبر.

وكذلك الحال بالنسبة للمشاريع السياسية التي تقوم أهدافها على إصلاح المجتمعات وتدبير شؤون الدولة، إذ إن قدرتها على الإنجاز والاستمرار محكومة بإتقان الخطة في مراحل التأسيس، وخاصة في الجوانب المتعلقة بالمرونة النظمية التي تتيح لها مجال تصحيح مسارها في حال وقوع الأخطاء، ومواكبة المتغيرات في مراحل التحول التي تمر بها الأمم.

المشاريع العربية… بدايات متعثرة

في الوقت الذي تمتلك فيه العديد من الدول الغربية خبرة تراكمية نظمية يصل تاريخ بعضها إلى ست مئة عام، يعاني العاملون في الحقل السياسي بالمنطقة العربية من ضعف التجربة السياسية، ففي النصف الثاني من القرن العشرين، انتشرت ظاهرة ارتباط الأحزاب المدنية بالعسكر وبالتغلغل في صفوف المؤسسة العسكرية للاستحواذ على الحكم كحزب البعث في سوريا والعراق، أو التحالف مع النظم الاستبدادية لضمان بقائها مثل أحزاب «الجبهة التقدمية» في سوريا على سبيل المثال، في حين رضيت الأحزاب الشيوعية في اليمن الجنوبي بتحويل الوطن برمته إلى كيان تابع للمحور السوفيتي، وانهارت مع انهياره.

وتكمن مشكلة معظم المشاريع السياسية العربية في اضطرارها للعمل ضمن بيئة عدائية جراء الظروف القهرية وتعطيل الحياة العامة وتجريم العمل السياسي خارج إطار السلطة الرسمية والحزب الحاكم.

وفي الفترات النادرة التي أتيح للأحزاب العربية أن تشارك في الانتخابات، بدا من الواضح أن هذه الأحزاب لا تمتلك الكوادر المؤهلة ولا الخبرات اللازمة لخوض المغامرة الانتخابية.

وفي مقابل تراجع الإيديولوجيات القومية واليسارية والشيوعية، ارتكزت معظم الحركات السياسية على قواعد مجتمعية تتعارض مع منطلقاتها الفكرية، بحيث تحولت الكثير من الأحزاب حكراً بيد مرجعيات عائلية في العراق ولبنان، وأقليات طائفية في سوريا، وتشكيلات عشائرية في اليمن وليبيا، ففي اليمن الجنوبي على سبيل المثال اضطر الحزب الشيوعي للارتكاز على العشائرية نظراً لعدم وجود طبقة عاملة، ولم تكن الصفة الحزبية للزعيم الشيوعي السوري خالد بكداش (ت 1995) تساعده كثيراً في الحملات الانتخابية بل كان يترشح بصفته نائباً مستقلاً عن الحي الكردي في دمشق، وكان يعتمد على أصوات حي الأكراد في قاعدته العائلية أكثر من اعتماده على قاعدته الإيديولوجية.

وكانت أغلب العوائل من الأقليات تحرص على تنسيب أبنائها بصورة منظمة في الجيش وفي الأحزاب «التقدمية» كحزب البعث والحزب القومي السوري، دون قناعة بما تحمله هذه الأحزاب من تنظير سياسي، وكان الهدف من الانتساب لها هو استخدام هذه الأحزاب كأداة للوصول إلى السلطة وتحقيق المزيد من الهيمنة والنفوذ.

وعلى الرغم من توفر أجواء الحرية في العديد من الجمهوريات المنعتقة من الاستبداد، إلا أن المشاريع التي تم تدشينها في العقد الثاني من الألفية لا ترقى إلى مستوى البناء الوطني، خاصة وأن عدداً لا يستهان به من الأحزاب والجماعات والمنظمات العربية قد نشأت أو ترعرعت خارج أوطانها، ما جعلها معتمدة على الدعم الخارجي وخاضعة لنفوذه.

كما شهدت الألفية ظهور حركات سياسية تقوم على مفاهيم الارتزاق عبر الاعتماد على الدعم الذي تقدمه بعض الدول لمناكفة جيرانها، وتتكون في الغالب من شخصيات متنافرة لا ترتكز على إيديولوجيا أو تنظيم متجانس، بل على توليفة آنية سرعان ما تتلاشى عندما يتوقف التمويل أو تغير الدولة الداعمة مزاجها.

متلازمة الداخل والخارج

نظراً للكبت الذي تعرضت له في بلدانها، أعادت العديد من الأحزاب العربية تأسيس نفسها في الدول الغربية، حيث نقلت كوادرها وأسست قواعد ارتكاز خارجية لها منذ تسعينيات القرن الماضي، وأقامت علاقات واسعة مع المؤسسات الأمنية والرسمية في الدول التي استقرت بها.

في هذه الأثناء، ظهرت تنظيمات وأحزاب ومنظمات مجتمع مدني تعتمد بصورة كاملة على التمويل الخارجي، وخاصة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية التي تبنت سياسة «دعم الديمقراطية» في الشرق الأوسط باعتبارها أحد أهم ركائز أمنها القومي، واعتمدت مطلع عام 2004 برنامجاً طموحاً يهدف إلى إحداث متغيرات جذرية في بنية الأنظمة العربية وسياساتها الداخلية، ويتضمن: تنظيم برامج تدريبية، وإقامة ندوات حوارية، وعقد اجتماعات تنسيقية مع الشخصيات السياسية المعارضة بهدف: «نشر ثقافة الديمقراطية» وتدريب: «زعماء المعارضة» على المطالبة بتحسين أوضاعهم وفق المبادئ والأسس الديمقراطية.[2]

وسرعان ما تطورت تلك الاتصالات لتتحول إلى علاقة عمل، إذ وفرت وزارة الخارجية الأمريكية لأعضاء تلك الجماعات فرص المشاركة في برامج تدريب و«تأهيل القادة»، ومنحتهم تمويلاً سخياً، وتولت السفارات الأمريكية في بعض الدول العربية إدارة برامج «مبادرة الشراكة الشرق أوسطية» (MEPI) التي بدأت عملها عام 2004 من خلال تمويل منظمات غير حكومية لدعم حقوق الإنسان في العالم العربي، وقامت بتنظيم زيارات رسمية للجماعات والأحزاب والتنظيمات المعارضة، وربطتهم بالصحافة الغربية والمنظمات الحقوقية الرسمية والأهلية في الغرب، وتحولت بعد ذلك إلى تدريب عناصر شابة من الأجيال الجديدة، عبر دورات تدريبية تناولت: «التأثير على الرأي العام من خلال الرسائل المصورة»، و«تدريب الصحفيين والمدونين على تحسين حقوق الإنسان وحمايتها».

وتولى المسؤولون في المبادرة الشرق أوسطية مهمة التنسيق بين الخلايا التنظيمية لأعضاء الجماعات الممولة من قبلهم، من نقابيين، وناشطين، وحقوقيين، ومصورين، وصحفيين، وأمّنت لهم تغطية إعلامية كبيرة في الإعلام الغربي، ونظمت لهم حملات ترويجية، تضمنت عقد مجموعة لقاءات متلفزة ومقابلات صحفية.

 وفي تعليق على أنشطة مؤسسات دعم الديمقراطية الغربي، كتب الصحفي الأمريكي رون نيكسون مقالاً في صحيفة «نيويورك تايمز» (أبريل 2011) أشار فيه إلى أن «الثورات العربية» كانت من فعل مجموعات ممولة ومنظمة من قبل برامج دعم الديمقراطية الأمريكية، مؤكداً حصول هذه المجموعات على مبالغ وتدريب من قبل الإدارة الأمريكية لتمكينها من شن الحملات، ومخاطبة الرأي العام، والتعامل مع وسائل الإعلام، ومراقبة الانتخابات.[3]

وأنشأ الدعم الغربي حالة من انعدام التوازن بين الجماعات التي تحظى بالتمويل مقابل الكيانات التي لم تشأ أن ترهن نشاطها بأجندات غربية، حيث نشأت حالة من الانفصام بين الداخل والخارج في الممارسة السياسية، ووجدت الحركات المحلية نفسها في منافسة غير نزيهة وغير متكافئة مع جهات خارجية تمتلك تمويلاً أكبر وتغطية إعلامية لا يمكن أن تتوفر لها، كما أثار ذلك الدعم حفيظة السلطات الرسمية التي سارعت إلى طرد فروع منظمات «دعم الديمقراطية» الغربية من بلدانها.

وفي مواجهة تلك التكتلات المدعومة من الخارج، تتجه الأجيال الجديدة نحو نبذ العمل الحزبي، والعمل بدلاً من ذلك على تأسيس منظمات مجتمع مدني في شتى مناحي الحياة، باعتبارها أقرب إلى المواطن، وأحفظ لمصالحه من الحزب السياسي، حيث تتغلغل في جميع المناحي: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، والنقابات العمالية، والصناديق الخيرية، والمشاريع التعليمية، والمنظمات الحقوقية، والفعاليات النسائية، والقنوات الفضائية، والصحافة والإعلام، ولا شك في أن مشاريع تنشيط المجتمع المدني وإنشاء شبكة من تلك المنظمات سيقدم فرصاً أكبر للتأثير الإيجابي، ما يطرح بدوره تساؤلات كثيرة حول أنماط الممارسة السياسية وأدواتها في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، حيث تغيب مفاهيم الحكم المركزي، وتضمحل الإيديولوجيات، ويتراجع دور الأحزاب المدنية لصالح الميلشيات شبه العسكرية التي باتت تهيمن على المشهد السياسي في العديد من الدول العربية.

التحولات ومستوى الاستجابة

تطمح بعض الأحزاب السياسية في العالم العربي إلى تولي الحكم، وذلك على الرغم من أنها لا تملك القدرة على إدارة نفسها، حيث تواجه تحديات داخلية وخارجية تفرضها البيئة السياسية المتقلبة في المنطقة العربية، ما يمنعها من تشكيل إستراتيجيات ناجعة على المستويين المتوسط والبعيد، والارتكاز بدلاً من ذلك على السياسيات الآنية التي تهدف إلى التجاوب مع التحديات الراهنة، ويؤثر ذلك بدوره على قدرتها في الاستمرار والمنافسة، ويفقدها ثقة الجماهير كقناة يمكن أن تمثلهم على الصعيد السياسي أو كمؤسسات يمكنها أن تتولى الحكم.

ولا يمكن تحقيق الاستدامة والقدرة على المواكبة إلا من خلال: تعزيز الهياكل الداخلية، والقدرات التنظيمية، والتحلي بالمرونة اللازمة للتعامل مع عمق التحولات، خاصة وأن العديد من الحركات والأحزاب السياسية التي ظهرت في مراحل مختلفة من القرن الماضي لم تتمكن من الاستمرار، وذلك نتيجة فقدانها للرؤية أو لعدم قدرتها على التكيف مع المستجدات التي طرأت في الألفية الثالثة.

وتعاني المشاريع السياسية العربية اليوم من بيئة صعبة نتيجة التقلبات السياسية، ومن تعقيدات المشهد عقب سقوط العديد من النظم الجمهورية منذ عام 2011، وما صاحبها من شح في الموارد وتقلبات في التشريعات الحاكمة للعملية السياسية، وتغير متطلبات الجماهير وتطلعاتهم، بالإضافة إلى ما صاحب أحداث «الربيع العربي» من تحول ديمغرافي يتمثل في بروز ظواهر اللجوء والنزوح والهجرة والإحجام الشعبي عن الممارسة السياسية والمطالبة بدلاً من ذلك بإسقاط النظم الحاكمة دون التوافق على البديل.

ومن شأن تحولات المشهد أن تمنح الحركات السياسية حزمة من الفرص المهمة التي يمكن استخدامها للاستفادة من موجة السخط الجماهيري والمساهمة في القضاء على مظاهر الاستبداد، إلا أن معظم الحركات التقليدية فشلت في تحقيق ذلك، نتيجة عجزها عن مراجعة منطلقاتها الفكرية وإعادة تشكيل قدراتها الهيكلية والتنظيمية.

وشهدت مرحلة «الربيع العربي» في الوقت نفسه ظهور المئات من المشاريع السياسية على مستوى: التحالفات الحركية، والجبهات الشعبية، والحركات، والأحزاب، والجماعات، ومنظمات المجتمع المدني، إلا أن البيئة العربية شديدة التقلب جعلتها غير قادرة على التأقلم مع المستجدات.

وتتمثل الخطوة الأولى في تعزيز قدرات تلك الحركات في مجال التخطيط الإستراتيجي، الأمر الذي يتيح لها: تحديد الأهداف التي يتعين تحقيقها، ومجالات العمل المنوط بها، وتعزيز قدرتها على الاستجابة للتحولات، وتطوير قدرات كوادرها على العمل المؤسسي، بعيداً عن التطورات اليومية والأعباء التشغيلية.

وتنطلق العملية من خلال قدرة المشروع على قياس قدراته في ثلاث مهارات أساسية هي:

1 ـ  القدرة على التكيف مع البيئة المحيطة.

2 ـ  التقدم ببرامج تعالج المخاطر الناتجة عن التحولات.

3 ـ  القابلية لفهم التحولات واستشراف مآلات المرحلة.

وبناء على ذلك فإن عملية الاستجابة تتم من خلال الاعتماد على عملية التخطيط الإستراتيجي وعلى المرونة النظمية التي تتيح مجال التأقلم والتطوير، حيث يصنف كاسبار فان دن بيرغ أنماط الاستجابة للتحولات في أربعة نماذج هي:[4]

جدول (4) أنماط الاستجابة للتحولات.

ويمكن تطوير مستوى الاستجابة والرقي بقدرة المؤسسات والمشاريع السياسية على التأقلم معها من خلال تحقيق التوازن بين المستويات الثلاثة للمشروع، وهي:

1 ـ  المستوى الإستراتيجي: عبر إحداث تعديلات أساسية في الرؤية والرسالة والبرامج والتموضع.

2 ـ  المستوى الإداري: من خلال إدخال تعديلات على الموارد المخصصة ومراقبة الأداء.

3 ـ  المستوى التشغيلي: المتضمن للاستجابة في تفاصيل الأنشطة اليومية وتنفيذ البرامج والأعمال المساندة.

إدارة المشاريع بين القطاعين العام والخاص

يُعرّف المشروع السياسي بأنه: «عملية أو نشاط سياسي مقيد بزمن، يعمل على تقديم منتج أو خدمة ما بهدف تحقيق تغيير مفيد أو إيجاد قيمة مضافة في المجال العام».

وعلى الرغم من التقاطع الذي يمكن ملاحظته بين إدارة المشاريع السياسية، وإدارة الأعمال والمشاريع الاقتصادية بصورة عامة، إلا أنه لا بد من التسليم بوجود فروق جوهرية يمكن توضيحها فيما يلي:

1 ـ  الديناميكية: فالمشاريع الاقتصادية تبحث عن الاستقرار بينما تقوم المشاريع السياسية على أساس الصراع، وتعمل في أجواء شديدة التقلب، مما يدفع إلى اتخاذ إجراءات أكثر تنوعاً فيما يتعلق بإدارة المخاطر.

2 ـ  الإيديولوجيا: تقوم المشاريع الاقتصادية على مفاهيم فكرية عامة وقيم مبسطة، بينما ترتكز المشاريع السياسية على بنية فكرية ذات عمق وتشعب، حيث يمنحها البعد الفكري هوية مستقلة ويعطيها الأفضلية بين القوى الأخرى المنافسة.

3 ـ  الموارد المالية: بينما تخضع المشاريع الاقتصادية لقوانين السوق ومفاهيم الربح والخسارة، تتسم المشاريع السياسية بحساسية أكبر إزاء التمويل، حيث يمثل مفهوم «النزاهة» حدوداً لا يمكن تجاوزها في المشروع السياسي، خاصة وأن المنح الخارجية والهبات المشروطة يؤثران بصورة سلبية على المنظومة الفكرية للمنظمة وعلى أدائها، كما تصنف المنظمات السياسية بأنها «غير ربحية»، إذ إنها لا تقوم بممارسة الأعمال التجارية ولا تسعى إلى تحقيق الربح.

4 ـ  الموارد البشرية: يمكن العثور على كوادر في مختلف القطاعات الاقتصادية، وعلى متخصصين في مجال إدارة الأعمال، وذلك نتيجة لما مرت به هذه الاختصاصات من تقعيد وتأصيل واعتمادها كتخصصات علمية في الجامعات لرفد سوق العمل، أما بالنسبة للمشاريع السياسية فهناك ندرة كبيرة نتيجة لمحدودية النخب السياسية، وارتباط العمل السياسي في الحقبة الماضية بالعنف والاستبداد.

5 ـ  مفاهيم القوة: بينما تعتمد المشاريع الاقتصادية وقطاعات الإدارة على علاقاتها مع السلطة، فإن المشاريع السياسية تسعى لأن تكون جزءاً من هذه السلطة، وعليه فإنها يجب أن تتمتع بقدر أعلى من القوة وأن تتوفر لديها كمية أكبر من الأدوات.

6 ـ  القاعدة الشعبية: تبحث المشاريع الاقتصادية عن قواعد محددة من الزبائن حسب مجالاتها، في حين تستمد المشاريع السياسية شرعيتها من القاعدة الشعبية وتمارس السلطة من خلال تخويل الشعب لها، ولذلك فإن القاعدة الشعبية يجب أن تصل إلى مناطق وقطاعات مجتمعية قد لا تصل إليها قطاعات الاقتصاد وإدارة الأعمال.

7 ـ  البنية التنظيمية: نظراً للمخاطرة العالية التي تشوب المشاريع السياسية، فإن العمل السياسي يجب أن يقوم على المرونة النظمية التي تتيح للمشروع مجال إعادة التشكل والتأقلم مع المستجدات من جهة، والاعتماد على التشعب والبناء الشبكي في الظروف القهرية للمحافظة على قواعده من جهة ثانية.

8 ـ  القيادة والإدارة: بينما تقوم المشاريع الاقتصادية على الممازجة بين مفاهيم الإدارة والقيادة الإدارية، ترتكز المشاريع السياسية على مفاهيم متعددة في مجال القيادة، كما ترتبط بقطاعات متعددة مثل: الثقافة والاجتماع والاقتصاد والبيئة، والقوانين والنظم إضافة إلى المحيط الإقليمي والدولي.

جدول (5): الفرق بين إدارة المشاريع السياسية وإدارة الأعمال.

ووفقاً لكتاب «التخطيط الإستراتيجي للأحزاب السياسية»[5] فإن المنظمات، سواء أكانت شركات خاصة أو مؤسسات حكومية أو منظمات غير ربحية، تشترك في عدد من الخصائص، أبرزها: سعي العاملين فيها إلى تحقيق أهداف محددة والعمل في بيئة مشتركة، وضرورة التأقلم والتحول بصورة مستمرة، ما يجعلهم جميعاً بحاجة إلى التخطيط الإستراتيجي الذي يُعرّف بأنه: «جهد تشاوري منضبط يرمي إلى إنتاج القرارات والأعمال الأساسية التي تشكل ماهية المنظمة وتحدد دوافعها وما يجب القيام به»، خاصة وأنه يركز على سبل مواجهة المخاطر، والاستفادة من الفرص المتاحة بالاستناد إلى رؤية مستقبلية.

وفي مقابل تركز الهدف النهائي للشركات الخاصة في زيادة الربح، تتسم أهداف المؤسسات الحكومية والمنظمات غير الربحية بأنها أقل وضوحاً، حيث تستند إلى مفاهيم الشفافية العامة والحكم الرشيد والاعتبارات القانونية والسياسية غير القائمة على الربح.

وتعتبر رسالة المنظمة المبدأ الأهم في توجيه المنظمات السياسية غير القائمة على الربح، والتي تتمثل في صياغة المنفعة العامة وتحقيقها، عبر إدارة البيئة الداخلية للمنظمة والبيئة الخارجية التي تعمل فيها، ويتطلب ذلك الارتكاز على صيغة لامركزية في اتخاذ القرار، وبناء على ذلك فإن أنماط عمل القطاعين العام والخاص تقوم على المعايير التالية:

جدول (6): الفرق بين معايير عمل القطاع العام والقطاع الخاص.

وعلى الرغم من التشابه بين المشاريع السياسية والشركات الخاصة من حيث البيئة التنافسية وغير المستقرة، والاعتماد على التمويل الخاص، إلا أنها تكون أقرب إلى المؤسسات الحكومية من حيث، تنظيمها القانوني، وعدم سعيها إلى تحقيق الربح التجاري، واهتمامها بالسياسات العامة، وباعتبارها جزءاً من البنية السياسية والقانونية للدولة.

وبناء على تلك الفروقات، فإنه من المهم إدراك أهمية التخطيط السليم للمشروع السياسي لضمان استمراريته وتحقيق الأهداف المرجوة منه، علماً بأن الكثير من المنخرطين يرتكبون أخطاء فادحة في عملية التخطيط ما يؤدي إلى انهيار تلك المشاريع رغم الموارد المسخرة لها.

التخطيط الإستراتيجي للمشروع السياسي

تتطلب عملية التخطيط للمشروع السياسي مرحلة تحضير أساسية، تتضمن تكوين مجموعات للعمل على مستوى القيادة العليا، والإدارة التنفيذية، والموظفين، والقطاعات ذات الصلة كالفئات المعنية بالشباب والمرأة والعلاقات العامة والإعلام، بحيث يتم جمع فئات «أصحاب المصلحة» في البيئة الداخلية للمشروع، وتطعيمهم بعناصر استشارية خارجية تمتلك خبرات في المجالات التالية:

 ـ  التخطيط الإستراتيجي في القطاع العام.

 ـ  فهم الأنظمة السياسية والانتخابية والدستورية.

 ـ  إدارة العلاقات السياسية الرسمية والأهلية.

 ـ  الإلمام بفنون التغيير المؤسسي والثقافات المؤسسية.

ولا يتحقق التخطيط السليم إلا من خلال توفر الاستعداد لدى المؤسسة في إعادة تقييم أعمالها، والاهتمام بالجهود التي يبذلها فريق العمل، إذ إن عدم اكتراث القيادة بمخرجات عملية التخطيط سيؤدي حتماً إلى تجاهل تلك المخرجات أو وقوع الصراع داخل المؤسسة بين الفئات المحافظة وتلك التي ترغب بالتغيير، ويمكن تحديد معايير الاستعداد للبدء بعملية التخطيط الإستراتيجي فيما يلي:[6]

جدول (7): معايير الاستعداد للتخطيط الإستراتيجي.

وفي حال التعامل مع المشاريع القائمة، يتعين البدء بعملية تقييم شاملة لوضع المؤسسة، من حيث، المسؤوليات، والاختصاصات، والوضع القانوني والسياسي للمشروع، وموارده ومصادر تمويله، والقيود المفروضة عليه، وهيكله التنظيمي، وآليات عمل الإدارة، والعلاقات بين مختلف الاختصاصات والفروع داخله، بالإضافة إلى نظم العضوية، والجوانب التشغيلية، والعلاقة مع البيئة الخارجية.

ولدى الشروع في عملية التخطيط الإستراتيجي يتعين طرح مجموعة من الأسئلة أبرزها:

 ـ  من هو صاحب الخطة؟

 ـ  ما هي الفترة الزمنية التي ستغطيها الخطة؟ (سنتين أو ثلاث أو خمس).

 ـ  ما هي التحديات التي تتصدى لها عملية التخطيط والخطة نفسها؟

 ـ  ما هي القوة الدافعة وراء عملية التخطيط؟  (القيادة العليا، الإدارة التنفيذية، العاملون).

 ـ  من يقوّم فريق مشروع التخطيط الإستراتيجي؟

 ـ  من هم المشاركون في العمل؟ (القيادات العليا، الإدارة، العاملون، الفروع الإقليمية، الأعضاء).

 ـ  ما هو نوع وحجم فريق العمل؟

 ـ  من الذي ينبغي أن يشارك في وضع الخطة؟

 ـ  ما هو الجمهور المستهدف للخطة، ولمن سيتم تسويقها؟

 ـ  ما هي الأطر أو المنصات المتاحة للحوار والتشاور عند بدء عملية التخطيط؟

 ـ  أين سيجتمع فريق التخطيط الإستراتيجي؟

 ـ  ما أنواع إشراك الآخرين في عملية التخطيط الإستراتيجي وأين يمكن عقدها وكيف؟

 ـ  أي نوع من الخطط المكتوبة نسعى إلى صياغتها؟ (ملخص تنفيذي قصير، خطة مفصلة تضم العناصر التكتيكية والتشغيلية).

 ـ  ما هو الإطار الزمني المتوقع لعملية التخطيط؟ (ستة أشهر ـ  12 شهراً).

وتتضمن الموارد المطلوبة لعملية التخطيط توفير الاحتياجات التالية:

 ـ  الميزانية.

 ـ  الأفراد.

 ـ  المعلومات.

 ـ  لوازم الاجتماعات.

 ـ  الاستشاريون.

 ـ  المتطوعون.

 ـ  موارد أخرى...

ولدى توفر سائر الاستعدادات اللازمة، تبدأ عملية التخطيط الإستراتيجي وفق الخطوات التالية:

شكل (10): خطوات تأسيس المشروع.

أولاً: صياغة وثائق تأسيس المشاريع الناشئة ـ  مراجعتها من قبل المشاريع القائمة.

وذلك من خلال وضع تصور لمشروع سياسي شامل يتضمن:

1 ـ  إنجاز البناء الفكري للمنظمة.

2 ـ  صياغة خطاب سياسي منسجم مع البنية الإيديولوجية.

3 ـ  تحديد الأهداف السنوية.

4 ـ  إنشاء هيكل تنظيمي فعال.

5 ـ  حيازة مصادر القوة.

6 ـ  إتقان أدوات الممارسة السياسية.

7 ـ  تحديد الفرص الكامنة.

ثانياً: التخطيط الإستراتيجي

يُعرّف التخطيط بأنه: «تحديد وضع المنظمة الحالي (من خلال التحليل الإستراتيجي)، وتحديد المستقبل المنشود (من خلال تحديد الرؤية)، وكيفية الوصول إلى تلك المرحلة من خلال الأهداف والمعززات الاستراتيجية ومؤشرات النجاح والمستهدفات والبرامج والمشاريع»،[7] وبناء على ذلك فإن عملية التخطيط تتضمن الخطوات التالية:

1 ـ  التحليل الإستراتيجي

يتعين على المنظمة السياسية أن تعرف بالضبط أين تقف، ثم تحدد أين تريد أن تذهب، وكيف ستصل إلى هناك، ويشيع بين المؤسسات السياسية الناشئة استخدام مناهج تحليل المشاريع الاقتصادية من خلال أدوات التحليل الرباعي (SWOT) وهي اختصار للكلمات (القوة والضعف والفرص والتهديدات)، ولا شك في أن الاقتصار على تلك العناصر الأربعة يُفوّت استيعاب عناصر أكثر أهمية بالنسبة للعمل السياسي، وخاصة فيما يتعلق بالمجالات الاجتماعية والتنظيمية والقانونية، ولذلك فإنه من المتعين اتباع مناهج أكثر عمقاً في تحليل البيئة الخارجية للمشروع من خلال أدوات:

1 ـ  تحليل (PESTوهو اختصار الكلمات (السياسية، الاقتصاد، الاجتماع، والتكنولوجيا).

2 ـ  تحليل (STEER) وهو اختصار للكلمات (الاجتماع، والتكنولوجيا، والاقتصاد، والبيئة، والقواعد التنظيمية).

3 ـ  تحليل (EPISTEL) وهو اختصار للكلمات (البيئة، والسياسية، والمعلومات، والمجتمع، والتكنولوجيا، والاقتصاد، والقانون).

شكل (11): أدوات التحليل.

ولزيادة حجم الفائدة المرجوة من عملية التحليل، يمكن الجمع بين نماذج تحليل كل من، (PEST)، و(STEER)، و(EPISTEL)، مع نموذج التحليل الرباعي (SWOT)، وذلك من خلال استعراض نقاط القوة والضعف عبر صياغة أسئلة بسيطة، مثل:

-          ما هي الأمور التي تجيد المنظمة القيام بها؟

-          ما هي قدرات العاملين ومهاراتهم وكفاءاتهم؟

-          ما هو مستوى العطاء الذي يقدمونه، ومدى التقدير الذي يحظون به؟

-          ما هي أوجه النقص أو الندرة؟

-          ما هي مصادر الشعور بالنقص أو بالإحباط؟

كما يتعين تحليل جوانب القوة والضعف والفرص والمهددات في القطاعات التالية:

-           الهيكل التنظيمي.

-           الإدارة.

-           العضوية.

-           المرأة والشباب.

-           السياسات الداخلية.

 الموارد والشؤون المالية.

 بناء التحالفات والحوارات مع القوى الأخرى.

 العلاقات مع منظمات المجتمع المدني.

التواصل مع الجمهور.

ويشكل النموذج التالي نمطاً للتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والبيئة المحيطة من منظور تحليل ([SWOT).[8]

جدول (8): نموذج تحليل للتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والبيئة المحيطة باستخدام آلية (SWOT.(

ولمزيد من التوضيح، يقدم فان بيرغ نموذجاً تطبيقياً قام به أحد الأحزاب في جورجيا لتطبيق نموذج (SWOT) على النحو التالي:[9]

جدول (9) نموذج تطبيق تحليل (SWOT).

علماً بأن هنالك مؤشرات أساسية لقياس القوة يمكن إيجازها فيما يلي:

 ـ  الرسالة والرؤية: يكون لدى المؤسسات الناجحة فهم واضح للتكليفات المسندة إليها، كما تكون قد وضعت ونقلت للأطراف المعنية رسالة مؤسسية ملهمة أو رؤية مؤسسية ملهمة أو كليهما.

 ـ  الميزانية، والموارد البشرية، وتكنولوجيا المعلومات: إدارة المنظمات الناجحة تحقق التكليفات المسندة إليها وتوفي برسالتها، وتحقق منفعة عامة عن طريق إدارة مواردها بفعالية.

 ـ  التواصل: المؤسسات الناجحة تنقل رسائل واضحة، ويكون لديها شبكات تواصل متطورة ومنتديات ملائمة للمناقشة والحوار، وتنقل شبكاتها المعلومات الملائمة على نحو فعال إلى أطراف معنية بعينها، سواء أكانت داخلية أو خارجية، وتتفاعل المنتديات مع الأطراف المعنية بالطرق الملائمة لتشجيع المناقشة والحوار.

 ـ  الإدارة، والهيكل، والعمليات، والثقافة: تتمتع المؤسسات الناجحة بالقيادة الفعالة والإدارة المؤهلة، وتنظم نفسها على نحو إستراتيجي، وتتأكد القيادة من قيام المنظمة بالأمور الصحيحة، وينبغي أن يقوم هيكل المنظمة على علاقات واضحة على الصعد الرسمية وغير الرسمية، بما يساعدها على تحقيق أهدافها بطريقة فعالة، مع ضرورة حث أعضاء المنظمة على الالتزام بالرسالة والوفاء بالتكليفات المسندة إليهم فيما يحقق الصالح العام.

أما بالنسبة لتحليل البيئة الداخلية، فيمكن استخدام أداة (PRIMO ـ F) والتي تتضمن:

-          الموارد البشرية.

-           الموارد المالية.

-           الأفكار الإبداعية.

-           الترويج السياسي.

-           العمليات.

-           الإدارة المالية.

شكل (12): مفردات تحليل (PRIMO-F).

ويمكن اتباع آليات أخرى لتحليل البيئة الداخلية، مثل نموذج ماكينزي McKinsey) القائم على تحديد القيم المشتركة، والمتكونة من المفردات التالية:

-           بنية المنظمة.

-           البنية النظمية.

-           نمط العمل.

-           العاملون في المشروع.

-           المهارات المطلوبة.

-           الإستراتيجية.

شكل (13): نموذج تحليل ماكينزي (McKinsey).

ويتعين في حالة تقييم البيئة الداخلية للمنظمة الإجابة على الأسئلة التالية:

أ ـ  المسؤوليات والاختصاصات

1 ـ  ما هي المسؤوليات والاختصاصات العامة للمنظمة؟

2 ـ  ما هي الحقوق والقيود القائمة بموجب الإطار القانوني والتي تتعلق بنطاق عملية التخطيط؟

3 ـ  ما هي اللوائح القانونية المفروضة على تمويل المنظمة وجمع التبرعات؟

ب ـ  الهيكل والحوكمة والتمويل

1 ـ  كيف تحكم المنظمة داخلياً؟

2 ـ  ما هي العلاقة بين الأقسام المختلفة؟

3 ـ  كيف تخضع أجهزة المنظمة للمساءلة؟

4 ـ  ما هي طريقة تنظيم العضوية؟

5 ـ  كيف تتم عملية تمويل الحزب؟

6 ـ  ما هو المصدر الحالي للتمويل؟

7 ـ  ما الذي يحصل عليه الأعضاء نظير سداد رسوم العضوية؟

ج ـ  الجوانب التشغيلية

1 ـ  كيف يُدار التنظيم الداخلي؟

2 ـ  من هم الأفراد الذين يحصلون على رواتب ثابتة؟ وكيف توزع المهام بينهم؟

3 ـ  ما هي الإجراءات المتعلقة بإدارة المنظمة؟ وما هي طريقة عملها؟

د ـ  مستوى الاستعداد للتخطيط الإستراتيجي

1 ـ  ما هي القضايا الإستراتيجية الرئيسة التي ينبغي تناولها في هذه المرحلة؟

2 ـ  ما هي الجوانب التنظيمية التي ينبغي أن تبقى خارج نطاق عملية التخطيط؟

3 ـ  ما هي الجوانب التنظيمية التي ينبغي تحسينها؟

 

2 ـ  الرؤية: وتُعرّف بأنها: «تحديد الرغبة أو حالة المستقبل المرجوة للمنظمة أو للمشروع بالنسبة إلى الأهداف الأساسية أو التوجه الإستراتيجي لها»، وتتمثل في الأهداف بعيدة المدى، وذلك من خلال الإجابة على سؤال: «ما هي تطلعات المشروع للبيئة التي سيعمل فيها؟».

كما يتعين وضع رؤية للبيئة الداخلية والخارجية، يتم من خلالها تحديد المحيط الذي يتم العمل فيه والتنافس من خلاله، ويتضمن، الناخبين، والأعضاء الفاعلين، والهيئات العامة، ومؤسسات المعرفة، والموردين ومنظمات المجتمع المدني، والأحزاب والحركات السياسية، والمؤسسات الإعلامية والتنظيمات الشبابية، والجهات المانحة، وغيرها من الأطراف التي يتعين تحديدها من خلال عملية عصف ذهني، ومن ثم صياغة تصور للتفاعل مع مختلف الأطراف، ولتوضيح ذلك، يضع فان بيرغ نموذج لرؤية أحد الأحزاب السياسية في جورجيا خلال عامين على النحو التالي:[10]

1 ـ  سيكون حزبنا هو القوة المعارضة الأكثر احترافية وفاعلية من الناحية التنظيمية.

2 ـ  ستكون صورة حزبنا لدى عموم الجمهور قائمة على النزاهة والمسؤولية، وترتبط في أذهانهم بــ: (أ) الدعوة لنظام انتخابي يتمتع بالشفافية والنزاهة، و(ب) أجندة سياسية تقدمية.

3 ـ  ستنشأ في أذهان المواطنين ولدى سائر الأطراف المعنية علاقة واضحة بين حزبنا وموضوعات بعينها، مثل الاستقرار الاقتصادي، وتحسين بيئة العمل التجارية، والعدالة الاجتماعية، وخاصة فيما يتعلق بالرعاية الصحية، ونظام المعاشات، والزراعة، والعلوم، والارتقاء بمستوى التعليم، وصيانة الهوية الوطنية.

4 ـ  سيمتلك حزبنا شبكة متطورة من الأعضاء الذين يتمتعون بخبرات في مجالات مختلفة، ويمكن الاستفادة منهم في مختلف مجالات عمل الحزب.

5 ـ  ستعمل إدارة العضوية بسلاسة وكفاءة.

6 ـ  ستكون ثقافتنا الحزبية الداخلية قد نضجت وصارت أكثر مهنية.

7 ـ  نتيجة لتعاون الحزب مع مراكز الدراسات، سيقدم برنامجه الخاص به، والذي يتواءم مع خصوصيات البلد ويلبي متطلبات الجماهير.

وبناء على ذلك النموذج، يتضح أن الرؤية تصف الصورة التي ينبغي أن تكون عليها المنظمة بعد تنفيذ إستراتيجياتها بنجاح، وبعد تحقيقها جميع النتائج التي تسمح بها إمكانياته، وذلك من خلال الإجابة على الأسئلة: أين وماذا نريد أن نكون؟ وما هي الصورة التي نريدها للمنظمة في المستقبل بالنظر إلى الفرص والتحديات المتوقعة؟ وتتم الإجابة على تلك الاستفسارات من خلال رؤية تجيب على المحاور التالية:

جدول (10): محددات صياغة الرؤية.

3 ـ  الرسالة: تحديد الغرض الأساسي للمشروع، ومبررات تأسيسه وماذا سيفعل لتحقق رؤيته، ويتمثل في الإجابة على سؤال: «ماذا يمكن للمشروع أن يقوم به لتحقيق تطلعاته؟». ويجدر التنبيه إلى أن النظام المؤسسي للمشروع هو وسيلة لتحقيق غايات اجتماعية وسياسية، وليس غاية بحد ذاته، كما يتعين ربط الرسالة مع الإيديولوجيا الحاكمة للمشروع السياسي، بحيث تكون منبثقة من المنظومة الفكرية التي قام المشروع على أساسها، وذلك من خلال الإجابة على الأسئلة التالية:

 ـ  من نحن وما الذي نهدف إلى تحقيقه؟

 ـ  ما هي رسالتنا الحالية؟

 ـ  ما هي الجهات التي نخدمها؟

 ـ  ما هي السمات الفريدة التي نتميز بها؟

 ـ  ما هي فلسفتنا وقيمنا الأساسية؟

 ـ  ما هي المتغيرات التي يجب أن نضيفها على رسالتنا؟

 ـ  ما هي القيم الاجتماعية والدينية التي نرغب في الرفع من شأنها؟

 ـ  ما هي المشاكل المجتمعية والسياسية التي نرغب في التصدي لها؟

 ـ  ما هي رؤيتنا حول كيفية التصدي لتلك المشاكل وما هو دورنا في معالجتها؟

 ـ  كيف نختلف عن الأحزاب أو الحركات أو المشاريع السياسية الأخرى؟

ويمكن توضيح نموذج لرسالة المشروع وفق ما يلي:

«رسالتنا السياسية هي تعزيز قيم الحرية، من خلال نهج يقوم على أفكار عصرية بناءة، لتحقيق النهضة، وممارسة العمل من خلال الحوار والأخلاقيات النابعة من ثقافتنا العربية الإسلامية، والمحافظة على التقاليد والهوية الوطنية، ونسعى جاهدين إلى زيادة رخاء الشعب وتهيئة بيئة مواتية لتحسين مستويات التعليم والصحة وإيجاد فرص العمل، وتجسد مؤسستنا ذلك من خلال التزام أعضائها بالاحترافية والنزاهة واحترام التعددية، وإشراك أكبر عدد ممكن من أبناء الوطن في تحقيق رسالتنا».

4 ـ  القيم: وهي الخصائص أو الصفات المرغوب فيها للمشروع والتي تحددها الثقافة القائمة، مثل: التسامح والحق والقوة، وغيرها من المحددات الاجتماعية التي تسهم في الحفاظ على النظام والاستقرار.

ويتعين وضع مؤشرات تساعد على تحديد تلك القيم، على صورة سلوكيات تُشكِّل المكون الأساسي للثقافة التنظيمية للمشروع، وتحمل جميع أعضائه على التزام تلك السلوكيات، وتتم تلك العملية من خلال تحديد القيم والمؤشرات الخاصة بكل واحدة منها وفق الجدول التالي:

جدول (11): نموذج لصياغة القيم.

5 ـ  صياغة الأهداف والمعززات الاستراتيجية: تمثل «الأهداف الاستراتيجية» التي تصب في صلب تخصص المنظمة، الطريق لتحقيق الرؤية، فيما تمثل «المعززات الاستراتيجية» (Strategic thrusts) الأهداف غير المباشرة، والتي تساعد في تحقيق الأهداف المباشرة، مثل: تحقيق الاستقرار المالي، أو تطوير البنية الإدارية للمنظمة، وما إلى ذلك.

6 ـ  مؤشرات النجاح: وتتمثل في وضع حزمة من المعايير القابلة للقياس، والتي يمكن من خلالها تحديد عوامل النجاح وسبل تحقيق الأهداف لدى المنظمة، ويمكن تحديدها من خلال الإجابة على السؤال التالي: «ما هي المؤشرات التي تدل على نجاح المنظمة في تحقيق الأهداف الإستراتيجية»؟

7 ـ  الأهداف: وذلك من خلال وضع أهداف قصيرة ومتوسطة وطويلة الأمد، وتصور للمنجزات التي يتعين تحقيقها وفق الأوضاع المتاحة في المنظور القريب، وتأجيل الأهداف الصعبة لتحقيقها على المدى الطويل، ونظمها جميعاً في «سلم أهداف» لا تتعارض مكوناته مع بعضها.

8 ـ  البرامج والمشاريع: يتم تحديد المشاريع التي تحقق كل هدف من الأهداف التي تم إقرارها، ويمكن جمع المشاريع المتشابهة ضمن برنامج واحد، بحيث يتم تأسيس برنامج يتضمن مجموعة من المشاريع.

الخطوة الثالثة: إقرار خطة العمل

وذلك من خلال وضع صيغة تنفيذية لإنجاز المشروع، وفق الخطوات التالية:

1 ـ  الخطة: يتعين وضع خطة عملية قابلة للقياس وفق ثلاثة محددات رئيسة هي: الوقت والكلفة والجودة، بحيث يخرج المشروع من إطاره النظري الفضفاض إلى صيغته التنفيذية، وتحديد سبل تحقيق الأهداف في: أقصر وقت، وأقل كلفة، وأعلى جودة.

2 ـ  الفريق: يمثل اختيار الفريق تحدياً كبيراً، وذلك نظراً لقلة الكوادر المتخصصة في مجال العمل السياسي، الأمر الذي يتطلب خطة تأهيل مسبقة تقوم على بناء القدرات والمهارات، بدلاً من الركون إلى مفاهيم الولاء والانتماء الإيديولوجي، والتي تحد من قدرة المؤسسة على العمل.

3 ـ  الهيكلية: يتم إقرارها لتصبح فيما بعد نموذجاً للتواصل، ومراعاة البيئة العامة من حيث استقرار المجتمع وتطور الاقتصاد والظروف السياسية، إذ إن العديد من المشاريع السياسية تفشل بسبب عدم مراعاة التحولات التي تمر بها المجتمعات، أو نتيجة وضعها خططاً صلبة للعمل في أرضية سائلة وغير مستقرة.

4 ـ  الموازنة: تمثل مشكلة تحديد الموازنة في المشاريع السياسية معضلة كبيرة في العالم العربي، حيث تمثل عملية توفير الموارد، وتقدير الموازنة، ومراقبة الصرف، تحديات كبيرة للعاملين في الشأن السياسي.

5 ـ  الاتصالات: يتعين وضع خطة محكمة لإدارة الاتصالات والعلاقات العامة، إذ لا يمكن لأي مشروع سياسي أن يتحرك في عزلة عن المجتمع والسلطة والقوى الفاعلة، ويتطلب ذلك وضع خطة ناظمة للبيئة الداخلية للمشروع (الفئات العاملة في المنظمة)، وتنظيم العلاقة مع البيئة الخارجية (فئات المجتمع، قطاع المستفيدين، الحاضنة الشعبية، السلطة السياسية، التطورات الاقتصادية، القوى الخارجية)، والعمل على صياغة شبكة من العلاقات ضمن دوائر السلطات التنفيذية، والتشريعية، والقوى السياسية والمجتمعية، والعلاقات الإقليمية والدولية.

6 ـ  إدارة المخاطر: تعمل المشاريع السياسية في بيئة متقلبة، ما يفرض عليها إتقان مهارات التحليل النوعي والكمي للمخاطر وسبل الاستجابة لها ومراقبتها وضبطها.

شكل (14): خطوات إدارة المخاطر.

وبناء على ذلك فإنه يتعين إعداد «خطة الطوارئ» أو «خطة بديلة»، تختلف عن الخطة الأصلية، من حيث الاعتماد فيها على الإيجاز، والاكتفاء ببنود عامة تتكون من عدة أسطر تقترح اتخاذ إجراءات عامة في حال فشل الخطة الأصلية، أو صعوبة المضي في تنفيذها.

ومن أبرز المؤشرات التي يُعتمد عليها في صياغة الخطة البديلة:

1. ـ  تحديد أهم المخاطر والفرص المتوقعة.

2. ـ  تحديد درجة الخطورة.

3. ـ  تحديد احتمالية الحدوث.

4. ـ  تحديد المؤشرات العملية لبدء العمل.

5. ـ  تحديد خطوات العمل الرئيسة في حالة حدوث أي من هذه المؤشرات.

ويمكن تحقيق ذلك من خلال جدول يساعد على تحديد الخطة البديلة على النحو التالي:

جدول (12): نموذج لإدارة المخاطر وصياغة الخطة البديلة.

7 ـ  حيازة مصادر القوة: ويقصد بها القوة القومية بمعناها الشامل، وتشمل: السكان، والموارد الطبيعية، والموقع الاستراتيجي، والتطور التكنولوجي، والإنتاج الاقتصادي، والدعاية والرأي العام، كما يمكن تقسيمها إلى قوة ناعمة تهدف إلى كسب العقول والقلوب، وقوة خشنة تهدف إلى التفوق، ما يفرض على قيادة المشروع السياسي العمل على حيازة أكبر قدر من مصادر القوة في ممارسة عملها، (انظر مبحث «مصادر القوة» في الفصل الثالث من الكتاب).

8 ـ  امتلاك أدوات الممارسة: من خلال تحديد المؤسسات التي يعمل من خلالها المشروع السياسي، إذ إن اختيار الأدوات الخاطئة للعمل السياسي سيتسبب في وأد المشروع رغم توفر الموارد المالية والبشرية، (انظر مبحث «أدوات الممارسة» في الفصل الثالث من الكتاب).

الخطوة الرابعة: تنفيذ المشروع

بناء على ما سبق، يتم وضع خطة تنفيذية للمشروع على النحو التالي:

جدول (13): نموذج صياغة الخطة التنفيذية.

ويتعين أن تشمل الخطة التنفيذية المفردات التالية:

شكل (15): مراحل تنفيذ المشروع.

شكل (16): محاور الخطة التنفيذية للمشروع.

يدفعنا ذلك للتأكيد على ضرورة تبني مفاهيم احترافية لإدارة المشاريع السياسية، وتجنب الأخطاء التي وقعت بها الدول والأحزاب والجماعات في القرن الماضي، والتي كان لها آثار وخيمة على الصعد الاجتماعية والاقتصادية، ولا يتحقق ذلك إلا من خلال تبني رؤى تجديدية تمزج بين: التحليل الواقعي، والصياغة المتقنة، والتخطيط السليم، والمرونة التنفيذية، وترتكز بصورة رئيسة على إدارة المخاطر.

وتتطلب عملية التخطيط الاحترافي اكتساب مهارات أساسية، أو الاستعانة بخبراء في حال عدم توفر تلك المهارات، وخاصة في المجالات الإستراتيجية، والاستشرافية وتوفر الخبرة الميدانية.



[1]  عبد الرحمن بن خلدون (2006) المقدمة، تحقيق وتقديم علي عبد الواحد وافي، دار الأسرة، الشارقة.

[2]  أبرز المؤسسات الأمريكية التي نشطت في برامج «دعم الديمقراطية» في المنطقة العربية: الوقف القومي للديمقراطية (NED): مؤسسة شبه رسمية، غير ربحية، تأسست عام 1983 تهدف إلى تمويل المؤسسات الديمقراطية حول العالم دون الحاجة إلى الدعم الحكومي المباشر، والمعهد القومي الديمقراطي للشؤون الخارجية (NDI): مؤسسة غير ربحية يتم تمويل أنشطتها من قبل (NED)، وهدفها دعم الديمقراطية وترسيخ مؤسساتها في مختلف دول العالم، والمعهد الجمهوري الدولي (IRI): منظمة مستقلة لا تتبع لأي حزب أو مؤسسة حكومية، تحصل على تمويلها من قبل الوقف القومي للديمقراطية ويهدف إلى ترسيخ مفاهيم الحرية، ودعم جهود الحكم الذاتي، وتعزيز دور القانون في مختلف دول العالم، ومبادرة الشراكة الشرق أوسطية (MEPI): برنامج تديره وزارة الخارجية الأمريكية، ويهدف إلى دعم التطور السياسي والاقتصادي والتربوي في الشرق الأوسط، والوكالة الأمريكية للتطوير الدولي (USAID): وكالة أمريكية فيدرالية تهدف إلى دعم التطور السياسي والاقتصادي في مختلف دول العالم.

[3]  Ron Nixon (2011) “U.S. Groups Helped Nurture Arab Uprisings”, New York Times, 15th April 2011

[4]  كاسبار فان دن بيرغ وآخرون (2016) التخطيط الإستراتيجي للأحزاب السياسية أداة عملية، المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات بالاشتراك مع المعهد الهولندي للديمقراطية متعددة الأحزاب، ص 19.

[5]  المرجع السابق، ص 21.

[6]  المرجع نفسه، ص 56.

[7]  وهناك تعريفات أخرى للتخطيط الإستراتيجي لكنها تتفق في المحصلة، كتعريف فايفر والذي يعرف التخطيط الإستراتيجي بأنه: «العملية التي يقوم فيها قادة المنظمة بتصور المستقبل وتطوير الإجراءات والعمليات اللازمة لتحقيق ذلك المستقبل»، انظر:

Pfeiffer (1993) Applied strategic planning A comprehensive guide.

[8]  كاسبار فان دن بيرغ وآخرون (2016) التخطيط الإستراتيجي للأحزاب السياسية، أداة عملية، مرجع سابق، ص 67.

[9]  كاسبار فان دن بيرغ وآخرون (2016) التخطيط الإستراتيجي للأحزاب السياسية، أداة عملية، مرجع سابق، ص 37.

[10]  كاسبار فان دن بيرغ وآخرون (2016) التخطيط الإستراتيجي للأحزاب السياسية، أداة عملية، مرجع سابق، ص 32.

arrow_upward