التدريب والتطوير

لتمكين الشباب العربي من الممارسة الفاعلة في العمل السياسي

لتحميل كتاب د. بشير زين العابدين (إدارة المشاريع السياسية في عالم عربي متحول)

كيف تحول النصر إلى هزيمة؟

في السادس من شهر أكتوبر عام 1973، تحركت قوات عربية مشتركة لاستعادة الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967، فقام الجيش المصري باجتياز الخطوط الدفاعية الإسرائيلية وشق طريقه في سيناء، وحرك الجيش السوري ثلاثة ألوية مدعومة بألف وأربع مئة دبابة ومئتي بطارية مدفعية باتجاه الجولان، وأظهر الجنود المصريون والسوريون شجاعة فائقة وتضحية بالغة مكّنتهم من تحقيق عنصر المفاجأة ضد الجيش الإسرائيلي الذي تكبد خسائر فادحة في الأرواح والمعدات العسكرية، معترفاً بسقوط 2656 قتيلًا، ووقوع أكثر من 7250 جريحًا، وتدمير أكثر من ألف دبابة، وفقدان أكثر من مئة طائرة مقاتلة.

لكن الأخطاء التي ارتكبها الرئيس المصري أنور السادات غيرت مسار المعركة، حيث استبق السادات تلك المعركة بإجراءات لا مبرر لها، منها: إقالة وزير الحربية الفريق محمد صادق ومساعده، وقائد البحرية، وقائد المنطقة العسكرية المركزية، ومدير المخابرات، وطردهم جميعاً من مناصبهم، ومن ثم استدعاء السفير السوفيتي لإخباره باستغناء مصر عن خدمات العسكريين السوفييت، وذلك بعد أن قامت موسكو بإعادة بناء الجيشين المصري والسوري عقب هزيمة يونيو 1967، وقدمت مساعدات مجزية لبناء السد العالي والنهوض بالاقتصاد المصري.

توقع السادات أن يبتهج الأمريكيون بتلك القرارات وأن يتعاطفوا معه، إلا أن وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر تساءل في مذكراته: «لماذا لم يقل لنا السادات ما كان ينوى فعله؟ ربما لو أبلغنا مسبقاً لكنا قدمنا له شيئاً بالمقابل! في السياسة كما في كل شيء آخر، لا أحد مستعدٌ لدفع ثمنٍ لشيءٍ حصل عليه بالفعل».

إلا أن السادات لم يستوعب تلك القاعدة آنذاك، بل استمر في اتخاذ المزيد من الإجراءات المثيرة للجدل، فعلى الرغم من الانتصار الذي تحقق له ميدانياً في السادس من أكتوبر، بعث برسالة لكيسنجر في اليوم التالي (7 أكتوبر) قال فيها: «إننا لا نعتزم تعميق مدى الاشتباكات أو توسيع مدى المواجهة»، وعلق على تلك الرسالة الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل بقوله: «إنها كانت أول مرة في التاريخ يقول فيها طرف محارب لعدوه نواياه كاملة، ويعطيه من التأكيدات ما يمنحه حرية الحركة في معركته السياسية والعسكرية»، وذلك في تعليقه على مبادرة كيسنجر بنقل الرسالة فوراً إلى غولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل، التي وجهت الجيش الإسرائيلي للتركيز على الجبهة السورية بعد اطمئنانها لنوايا مصر، فتمكنت من إعادة احتلال الجولان وإخراج آخر جندي سوري إلى حدود ما قبل الحرب، ومن ثم التوغل داخل الأراضي السورية مسافة تزيد عن 35 كم.

أما في مصر فقد رفض السادات خطة تقدم بها رئيس الأركان الفريق الشاذلي لمواجهة التعزيزات الإسرائيلية، وقام بعزله على الفور ما أدى إلى وقوع القوات المصرية المرابطة بسيناء في كمين إسرائيلي ومن ثم إبادتها بالكامل.

تساءل كيسنجر ـ  للمرة الثانية ـ  عن المبررات التي دفعت السادات لعزل رئيس أركانه، ووقف العمليات في أوجها، لكنه قرر انتهاز الفرصة، فاتجه إلى تل أبيب وحث غولدا مائير على تكثيف الجهود العسكرية لاستعادة سيناء، مستنداً إلى تعهد السادات له بعدم القتال، وحثها على الإسراع في تنفيذ أهدافها على الجبهة المصرية.

وفوجئ كيسنجر ـ  مرة ثالثة ـ  عندما طلب منه السادات في لقاء منفرد أن يقنع إسرائيل بالانسحاب من ثلثي سيناء، بدلاً من المطالبة بالانسحاب من جميع الأراضي المحتلة في حرب 1967.

وجاءت المفاجأة الرابعة في مهاجمة السادات لسياسات عبدالناصر، أمام كيسنجر، وإعلانه رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي مع واشنطن فوراً من قائم بالأعمال إلى سفير، وإبداء رغبته في التوصل إلى اتفاقية سلام مع إسرائيل، وكل ذلك... بدون مقابل.

علّق كيسنجر على تصرفات السادات آنذاك بقوله: «إنها أفضل فرصة تتاح لدولة إسرائيل منذ قيامها».

وبالفعل أوكل كيسنجر إلى رئيسة الوزراء الإسرائيلية غولدا مائير كتابة صيغة اتفاق، يتضمن تنازلات جوهرية من الجانب المصري كالإفراج عن الأسرى، وتخفيف الحصار البحري على إسرائيل، والتنازل عن شرط عودة إسرائيل إلى حدود ما قبل 1967 دون أي مقابل، ودفعت موافقة السادات الفورية على تلك الشروط بغولدا مائير للتساؤل: «هذا شيء طيب، لكن ما أستغربه هو لماذا يفعل ذلك؟».

وفي خضم الحيرة التي انتابت كيسنجر وغولدا مائير حول حزمة التنازلات المجانية التي حصلت عليها إسرائيل عقب حرب 1973، بدا من الواضح أن حليفهم الرئيسي كان «الجهل» (!).

فقد أفضى جهل السادات بفنون التفاوض وأصول الدبلوماسية، وسعيه للانفراد بالسلطة وإبعاد المناوئين له، إلى تقديم تنازلات مصيرية حولت النصر الذي تحقق له إلى هزيمة كبرى.

فتح مجالات التطوير المؤسسي

يُظهر مثال الدبلوماسية الفاشلة للسادات، العواقب الوخيمة التي يمكن أن تقع نتيجة تهميش الكوادر والخبرات والتفرد بالقرار، حيث أدى التسلط العسكري إلى إغلاق مجال العمل العام، وجرّم قنوات المشاركة الشعبية، ووظف الأجهزة الأمنية والعسكرية لضمان عدم وجود منافسين له، لينحصر العمل السياسي في فئات معزولة لا تسمح بوجود شركاء أو منافسين، وتحاول الجموع المهمشة منذ نحو قرن أن تسد الفجوة الكبيرة في مجال المعرفة والممارسة في الحقل السياسي، إلا أن المشكلة لا تزال تكمن في خلط الثقافة العربية المعاصرة بين ثلاثة مجالات هي:

 ـ  السياسة (علم الدولة): وهي مجموعة الأعمال التي تتطلع لاستخلاص مبادئ الحكم الجيد وصفاته. وتُعرّف بأنها: «رعاية شؤون الدولة الداخلية والخارجية وهي السلطة الأعلى في المجتمعات الإنسانية، ولها أبعاد خارج إطار السلطة والحكم كتسيير الجماعات أو إصلاح الأمور».

 ـ  العلوم السياسية: وهي «دراسة السلوك السياسي وتحليل تطبيقات السلطة واستخدام النفوذ». وتعرّف كذلك بأنها: «كيفية توزع القوة والنفوذ ضمن مجتمع ما أو نظام معين»، ومن أبرز فروعها: النظريات السياسية، والفلسفة السياسية، والنظم السياسية، وتاريخ الفكر السياسي، والإدارة المحلية، والحكومات المقارنة، والسياسات العامة، والقانون الدولي، والدبلوماسية، والعلاقات الدولية.

 ـ  الممارسة السياسية: وهي الإجراءات المنظمة والقواعد المفسرة للسلوك السياسي من منظور عملي، تختص في مجال «تقنين» هذه الممارسة وفق قواعد مستقاة من استقراء الخبرات والتجارب الميدانية لمختلف الأمم والشعوب، وتنقسم إلى ثلاثة أقسام: القواعد الحاكمة، والفاعل السياسي، واللعبة السياسية.

 شكل (17): السياسة والعلوم السياسية والممارسة السياسية.

ونتج عن الالتباس بين المفاهيم الثلاثة، تداخل في الممارسة، حيث تم الخلط بين السياسة (policy) بمفهومها المهني والتي تعني «تحقيق الأهداف المحددة بأفضل الوسائل»، وبين السياسة (politics) كنظريات وفلسفة، وبين العمل السياسي كتخصص منفرد بحد ذاته يتطلب:

 ـ  فهم الظاهرة السياسية بهدف التعامل معها.

 ـ  إعمال أدوات التحليل السياسي.

 ـ  الإلمام بفنون إدارة الصراع.

 ـ  الاستحواذ على مصادر القوة.

 ـ  حيازة أدوات الممارسة.

كما أدى ذلك اللبس إلى وقوع بعض النخب في مشكلة الخلط بين «الإدارة» و«الحكم»، وتصنيف أعمال «الإدارة العامة» ضمن مفهوم «الحاكمية» وربطها بمسائل الاعتقاد، ومن ثم تضييق دائرة «الممارسة» وإدخال بعض فنونها في دوائر «الحرمة» و«البدعة» و«التكفير»، وخاصة لدى بعض الحركات الإسلامية التي لم يتمتع منظروها بسعة أفق العلماء المبكرين في السياسة الشرعية عندما ميزوا بين مفهومي «التفويض» و«التنفيذ»، ووضعوا اشتراطات ومعايير مختلفة لهذين المجالين المنفصلين عن بعضهما.

وفي ظل الاحتكار الرسمي للسلطة، وضعف التجربة التراكمية لدى الشعوب، واللبس الواقع بين مفاهيم «السياسة» و«الإدارة» و«الحكم»، فقدت المجتمعات العربية القنوات الواصلة بين الشعب والحكم، بحيث ازدادت النخب عزلة، وازدادت الشعوب بعداً عن أدوات الممارسة السلمية، ما دفع بالشباب للعزوف عن المشاركة في الشأن العام، أو اللجوء إلى ممارسة العنف السياسي.

وبعيداً عن محاولات التثقيف الذاتي، والمبادرات الفردية التي يقوم بها الشباب العربي في مرحلة «الربيع العربي»، يتعين تمكين الشباب من أدوات الممارسة السياسية عبر تنظيم البرامج التدريبية التي تساعدهم على تأسيس مجتمع مدني فاعل والمساهمة في تطوير نظم الإدارة والحكم بالوسائل القانونية والمشروعة.

ولا شك في أن عمق التحولات، وزيادة السكان، تفرضان توسيع دائرة المشاركة الشعبية وتمكين الفئة الشبابية من الدخول الآمن للمعترك السياسي خلال العقد المقبل لمواجهة المخاطر والمساهمة في اتخاذ القرارات المصيرية.

ومن أبرز المهارات التي يتعين تطويرها، ملكة «التحليل السياسي» التي تُعرّف بأنها: «عملية بحث وتفسير حدث معين، ومعرفة أسبابه والاحتمالات الممكنة له، وتحديد مسار الظواهر السياسية محلياً وعلاقاتها بالمحيط الإقليمي والدولي، وتوقع ما سوف تؤول إليه الأحداث في المستقبل، ومعرفة تأثيراته على الواقع».

ويمكن ملاحظة فارق الأداء بين الكثير من المحللين العرب الذين يتحدثون في وسائل الإعلام وفق انطباعات شخصية وآراء عامة، وبين بيوت الخبرة ومراكز الفكر التي ازدهرت في الدول المتقدمة، وقامت بأدوار مهمة في تحليل السياسات العامة من مختلف محاورها، واعتمادها على مستشارين ومتخصصين في مختلف مناهج التحليل التي تهدف في مجملها إلى استكشاف نماذج معرفية (Paradigm) للحدث وآليات التعامل معه.

وتعتمد تلك المؤسسات رقمنة عملية التحليل والمعالجة، وتحويل الآراء والأفكار والتصورات الانطباعية إلى مادة علمية قابلة للاختبار والقياس، والتوصل إلى مخرجات موضوعية تعطي مسالك حل معتمدة لمتخذي القرار، كما تعمل على إعداد أجيال من الخبراء في الممارسة السياسية، وتمكينهم من الدخول في مجال الممارسة السياسية، وذلك من خلال تطوير الفنون والمهارات التالية:

1 ـ  المعرفة والثقافة: عبر توفير قواعد معلومات وبيانات تتيح للباحث مواكبة الأحداث والمتغيرات.

2 ـ  المتابعة: الهادفة إلى مواكبة التطورات شديدة الديناميكية والتحول والإحاطة بجوانبها.

3 ـ   التخصص: بحيث يتم فرز المحللين في شتى المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية.

4 ـ   الأمانة: عبر تجنيب عملية التحليل محاولة خدمة اتجاه إيديولوجي أو سياسي دون غيره، وتفادي محاولات التوجيه المباشر أو غير المباشر.

5 ـ  الدقة: من خلال الاعتماد على المصادر الأولية وتوظيف الأرقام والوثائق، وتفادي المعلومات الخاطئة والمضللة.

6 ـ   الموضوعية: عبر الابتعاد عن المبالغة والمعلومات مسبقة التوجيه بهدف التأثير غير المحايد.

7 ـ  بُعد النظر: المتمثل في القدرة على ربط الأحداث واستخلاص النتائج، والنظر إلى ما يمكن أن تؤول إليه الأحداث، وعدم الانسياق خلف المؤشرات الموهمة.

8 ـ   الحياد والتجرد من العاطفة: وتجنب الخلط بين المعتقدات والعواطف والانتماءات، وبين التحليل الموضوعي للحدث.

9 ـ  تجنب الأحكام المطلقة: والبحث في كافة الاحتمالات الممكنة، وقياس درجة القوة في كل احتمال ومدى تأثيره.

10 ـ   العمق: المتمثل في معرفة تفاصيل الأحداث وخلفياتها ودوافعها، دون الاقتصار على تحليل مظاهر الحدث.

11 ـ    التنوع: من خلال الإحاطة بمختلف الاحتمالات، والمناقشة الموضوعية التي لا تسارع إلى الترجيح دون توفر معطيات يمكن القطع بها.

12 ـ  التزام الأسلوب العلمي: تجنب الأسلوب الإنشائي واللغة العاطفية والأدبية الزائدة، واستخدام مصطلحات لها مدلولات واضحة في ذهن المتلقي.

شكل (18): مواصفات المحلل السياسي.

التحليل الاحترافي

تقوم العملية التحليلية على ثلاثة أسس رئيسة هي:

أ ـ  المدخلات: وهي المعلومات التي يتم الحصول عليها من خلال، استيعاب الخلفية التاريخية للحدث، ومعرفة التسلسل الزمني لملابساته وتطوراته، والحصول على المصادر الخاصة التي يتميز الباحثون بالقدرة على تحصيلها من خلال باقة مصدرية حصرية أو علاقات عامة أو مصادر أمنية تخدمهم، والاعتماد على الدور الأساسي الذي تضطلع به مراكز الفكر في الحصول على المعلومات من مصادر حصرية ومتخصصة لا تتاح للرأي العام، كالمصادر الأمنية والعسكرية والاقتصادية والوثائق الصادرة عن المنظمات الدولية وصناع القرار، بالإضافة إلى الدور الأساسي الذي يمكن أن تقوم به دور الأرشيف، فضلاً عن المعلومات التي تقدمها الأجهزة المختصة، والتي تعتمد وسائل غير تقليدية في الحصول على المعلومات. كما تعمد بعض المؤسسات البحثية إلى إنشاء شبكات استخبارات (Intelligence) خاصة بها وتبيع المعلومات التي تحصل عليها للجهات الرسمية والمؤسسات البحثية.

ب ـ  المعالجة: بخلاف الجهود الفردية والآراء الشخصية التي تستند إلى خلفية الكاتب بدلاً من خلفية الحدث، تقوم مؤسسات التحليل الاحترافية بمعالجة المعلومات عبر إعمال مناهج معتمدة للمعالجة، متبعة الخطوات التالية:

1 ـ  جمع مادة الحدث: لمعرفة بيئته وخاصة ما يتعلق بتاريخ وملابسات وقوعه (when)، وخلفية القوى الفاعلة (who)، حيث تساعد معرفة أكبر قدر من المعلومات عن الفاعل على تحليل البيئة القرارية، وأين وقع الحدث (where)، إذ إن للموقع تأثير كبير على مسار الأحداث وتفاعلاتها على الصعد المحلية والإقليمية والدولية.

2 ـ  استكشاف ظروف الحدث: وتتضمن استيعاب الإطار العام للحدث بما في ذلك قراءة النصوص المتعلقة به، وفهم ملابساته، ودوافعه، والجهات المتأثرة به، والقضايا المحورية والفرعية المتعلقة به، وخلفيته التاريخية وتطوراتها.

3 ـ  تحليل المصادر: حيث يتم استبعاد المادة الثانوية، وتجنب الوقوع في فخ المعلومات المضللة، والاعتماد على المصادر الأولية بصورة رئيسة، وتحليل المادة من حيث مستوى النقل وطريقة الصياغة، والبنية المنطقية للخبر، ابتداء من الوقائع الجزئية إلى الحدث الكلي.

4 ـ  البحث عن غاية المصدر: كتقصي الدوافع الكامنة خلف الإعلان عن حدث معين، وما هي الرسائل التي ترغب الجهة الفاعلة في إيصالها، وما هي الانطباعات التي تريد إحداثها، وما الهدف من تسريب مادة مفصلة أو محضر اجتماع أو إجراء مقابلة أو اتخاذ قرار وإتاحة تفاصيله لوسائل الإعلام.

5 ـ  تحديد العناصر الأساسية للحدث: وقياس أوزانها النسبية، ومعرفة ارتباطاتها وتقاطعاتها وتفاعلاتها مع الحدث وتحديد طبيعة تأثرها به سلباً أو إيجاباً.

6 ـ  التجزئة والتمحيص: بمعنى فصل العناصر والعوامل المؤثرة في الظاهرة السياسية وجعل كل عنصر على حدة، وكشف الروابط العضوية (الواقعية) والعلاقات القانونية (الاعتبارية) بين تلك العناصر.

7 ـ  دراسة التفاعلات المحتملة: وفق مختلف مناهج التحليل المعتمدة، وخاصة منها «نظريات المباريات» التي تقوم على أساس التحليل الرياضي لحالات تضارب المصالح بهدف الوصول إلى أفضل الخيارات الممكنة لاتخاذ القرار الذي يؤدي إلى النتيجة المرغوبة.

 8 ـ  تحديد المآلات المفترضة: وفق صيغ متعددة تحلل الظاهرة السياسية من كافة أبعادها.

 9 ـ  تقديم التوصيات: مع ضرورة استيعاب الاحتمالات المختلفة وعدم الوقوع في التضخيم أو التهوين من الحدث، وأن تهدف الصيغ المقترحة إلى تقليل المخاطر وتحقيق أكبر قدر من المكاسب.

جدول (14): خطوات المعالجة في التحليل السياسي.

ج ـ  المخرجات: تتميز مؤسسات تحليل السياسيات ودعم القرار بالإنتاج العلمي والمعلوماتي الذي يتناسب مع حاجات الدول والمجتمعات، بحيث يتم تقديم الخيارات المتاحة، والتوصيات الناجعة والحلول المبتكرة للتعامل مع حزمة التحديات، ومن أبرز أنماط المخرجات التي تعنى بها مؤسسات التحليل:

1 ـ  التحليل العام: توضيح الظواهر السياسية وكشف الارتباط التسلسلي للأحداث إلى عامة الناس، وعادة ما تخاطب السلطة السياسية الرأي العام عبر هذه الوسيلة لتفسير مواقفها السياسية وتوضيح ملابسات الحدث بصورة مبسطة للعامة عبر وسائل الإعلام.

2 ـ  التحليل المناطقي: تحليل الأحداث المؤثرة على إقليم بعينه، على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، وخاصة فيما يتعلق بشؤون الطاقة أو التطورات العسكرية في دولة معينة أو بحدث اقتصادي له انعكاساته على دولة أو إقليم، وتكون دائرة المهتمين والمتلقين للمعلومات أضيق وأكثر اختصاصاً.

3 ـ  التحليل المتخصص: ينزع هذا النمط إلى المزيد من الاحتراف في تلقي المعلومات ومعالجتها، حيث يعتمد المحللون على مصادر حصرية وآليات قياس تكون في الغالب رقمية، ويعتمد عليها أعضاء السلك الدبلوماسي والعاملون في أجهزة الدولة دون أن تتاح للعامة.

4 ـ  التحليل فوق المتخصص: والذي يعتمد على المعلومات غير التقليدية، ويعالج قضايا على مستوى الأمن الوطني، وعادة ما توكل هذه المهمة إلى أقسام متخصصة في أجهزة الأمن الوطني في الدولة وترفع تقاريرها إلى جهات سيادية.

5 ـ  التحليل الفوري: يوكل إلى أشخاص لهم باع طويل في مجال التحليل، يتمتعون بخلفية واسعة ومتابعة مستمرة لملف معين، مما يمكنهم من تقديم قراءة سريعة وتحليل فوري لصناع القرار وخاصة في الأمور المستعجلة التي لا تحتمل التأجيل، وتتم عملية التحليل من خلال اجتماع خاص أو مكالمة هاتفية أو تقرير موجز يستعرض المخاطر وخلفياتها ومآلاتها المحتملة ومقترحات للتعامل معها.

6 ـ  تحليل المهمة: يُستخدم هذا النمط من التحليل في الملفات التي تتطلب دراسة متأنية، حيث يتم تكليف عدد من الخبراء بالحصول على معلومات تفصيلية حول مشكلة محددة، وإجراء مختلف التحليلات المتعلقة بها من أبعادها النظرية والعملية، ومن ثم الخروج بتوصيات نوعية ترفد صناع القرار، وتتمخض عنها معالجات قابلة للتطبيق بالتجانس مع القدرات والموارد المتوفرة.

7 ـ  خلية الأزمة: تستخدم خلية الأزمة في الدول التي تعاني من اضطرابات سياسية وأمنية واجتماعية، وتضم المسؤولين المعنيين بمعالجة الأزمات الأمنية أو العسكرية أو الاقتصادية، حيث يتم عرض المشكلات المستفحلة بصورة جماعية، واستعراض مختلف طرق المعالجة بصورة أفقية تتيح لجميع الأطراف مجال المساهمة في الحل، مع اعتماد آلية للتواصل بين الأطراف المعنية لدى التنفيذ.

8  ـ  تحليل القرار: يتزايد اعتماد الدول المتقدمة على مراكز الفكر لتحديد الخيارات المتاحة لاتخاذ القرار السياسي الذي يؤثر على العامة، لأنه يأخذ صفة الإجبار، ولا يمكن أن ينفرد به نواب منتخبون لا يملكون الخلفية التخصصية التي تتيح لهم إبداء رأي احترافي في مسألة زراعية أو صناعية أو سياسية أو أمنية. ولذلك فإنه يتم اللجوء إلى مراكز البحث المتخصصة لرفد صناع القرار بالمعطيات، وبأنماط المعالجة، وبالمآلات المفترضة، وبالخيارات المتاحة لصياغة القرار، وفق آليات عملية وخطوات قابلة للتنفيذ.

9 ـ  البحوث والدراسات: تفضل بعض الجهات نشر التحليلات السياسية كبحوث يتم بثها عبر مراكز الفكر والمجلات العلمية لمخاطبة النخب والمتخصصين عبر العالم، خاصة إذا كان الموضوع يتعلق بحدث سياسي أو عسكري يتطلب رأياً متخصصاً.

10 ـ  التحليلات الإخبارية: التي يتم بثها عبر برامج وثائقية أو مقابلات مصورة أو في صفحات الجرائد، ويشترك فيها المفكرون والمعلقون والناطقون باسم الحكومات، لإعطاء صورة بانورامية عن الحدث بكل أبعاده وتفاصيله ومآلاته المحتملة. وغالباً ما تأخذ هذه البرامج صفة «الدعاية السياسية» وإستراتيجيات «التأثير على الحشود»، ويمكن أن تصل إلى مستوى «البروباغاندا» في بعض الحالات.

شكل (19) مخرجات التحليل السياسي.

الدور الأساسي لمراكز المعلومات

تمثل «مراكز المعلومات» أهمية إستراتيجية على الصعد الوطنية في مرحلة الثورة الرقمية، خاصة وأن المعلومات قد تضاعفت بصورة غير مسبوقة في السنوات الأخيرة، بحيث لم يعد من الممكن للأفراد معالجتها والتعامل معها دون إطار مؤسسي.

وتُعرّف مراكز المعلومات بأنها: «وحدات تقدم خدمات رفيعة المستوى في موضوعات ضيقة ودقيقة»، ويطلق عليها كذلك اسم «مراكز تحليل المعلومات»، و«مراكز الدعم المعلوماتي».

وتتميز تلك المراكز عن المكتبات العامة ودور الأرشيف الوطنية بتقديمها خدمات متقدمة في مجالات الإحاطة الإخبارية والبحث الانتقائي، والترجمة وتوظيف الأساليب المرئية والتقنيات الحديثة في شتى المجالات، بالإضافة إلى تقديم الإحصائيات، ورفد الخطط الحكومية، ورصد التحولات السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية، وتقدم خدمات أكثر تخصصاً في مجالات: التحليل، والضبط الموضوعي، والتصنيف، والفهرسة، وتعتمد على باحثين من اختصاصات مختلفة يعملون وفق معايير عالمية.

ويمكن توصيف اختصاصات مراكز المعلومات فيما يلي:

«رصد، ودراسة، وتحليل، ومتابعة التطورات الإستراتيجية، على الصعيدين الإقليمي والدولي، بقصد استخلاص المؤشرات على المدى القريب والبعيد، المؤثرة على المصالح الحيوية للدولة بمفهومها الشامل، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وأمنياً».

وبناء على ذلك التعريف فإن أعمالها تتمثل فيما يلي:

جدول (15): أعمال مركز المعلومات.

وغالباً ما يتكون الهيكل الإداري لتلك المراكز من ثلاث وحدات رئيسة، تتمثل في:

1 ـ  وحدة الرصد والمتابعة، التي توكل إليها مهمة إنشاء باقة معلوماتية في مختلف المجالات ذات الاختصاص وعلى مستوى عال من الدقة، وإصدار ملخصات بأهم ما ينشر عن هذه الجهات من مادة علمية حول القضايا الإستراتيجية للدولة (أو المشروع السياسي)، وتقدم تقارير دورية بأهم ما ينشر من مادة حول ملفات ساخنة أو أحداث طارئة أو مستجدات إلى الجهات التي يرفع المركز تقاريره إليها.

2 ـ  وحدة التصنيف والأرشفة، التي توكل إليها مهام: إنشاء نظام فهرسة يتوافق مع التخصصات الرئيسة للمركز، باستخدام أحد الأنظمة المعتمدة في الأرشفة اليدوية (تصنيف ديوي الهرمي، أو التصنيف العشري العالمي الأفقي، أو تصنيف مكتبة الكونغرس حسب الأحرف الهجائية)، وتوظيف أحدث برامج الأرشفة الإلكترونية التي تشمل مختلف التقسيمات الفرعية للشؤون السياسية والإستراتيجية، واستلام المادة العلمية من قسم الرصد والمتابعة بصيغها المختلفة، ومن ثم فهرستها وحفظها.

3 ـ  وحدة بث المعلومات، التي تتولى مهام: تأسيس وإدارة نظام للاستخدام، وإتاحة دخول الباحثين والمستفيدين للمادة المحفوظة إلكترونياً في شبكة داخلية (Intranet)، وتلقي طلبات الحصول على المادة العلمية، وإرشاد الجهات المعنية بآليات تحقيق الاستفادة الكاملة من المادة المحفوظة في جهاز الدعم المعلوماتي، عبر تقديم قوائم وفهارس بمحتويات الأرشيف.

شكل (20): هيكل جهاز الدعم المعلوماتي.

الاستشراف السياسي

تدفع «الثورة الرقمية» وما يصاحبها من زيادة سكانية وتطور في وسائل الاتصال والمعلومات، نحو اتجاهات يصعب التنبؤ بمآلتها، حيث يتنامى الشعور العام بأن المجتمعات العربية مقبلة على تحولات كبيرة، وأنها ستواجه تحديات لم تعهدها من قبل، ما يدفعنا للبحث عن آليات احترافية وأدوات قياس جديدة لممارسة عملية الاستشراف السياسي.

ويُعرّف الاستشراف السياسي بأنه: «محاولة استقراء الأحداث المقبلة عبر تحليل الواقع وتصور المأمول، باستخدام أساليب المحاكاة، وصياغة الأنساق والسيناريوهات المتعددة من خلال النظر إلى حلقات الزمن الثلاث: الماضي، والحاضر، والمستقبل». ولا يمكن القيام بهذه العملية من خلال جهود فردية تعتمد على «التخمين»، بل يجب أن توكل إلى مؤسسات تنمي لدى منسوبيها ملكات:

1 ـ  «الاستشراف» الذي يرتكز على ثلاثة عناصر أساسية هي: «المحتمل» و«الممكن» و«المفضل»، حيث توجد أرقام وقرائن مع قدر معين من اللايقين (Uncertainty) ويعمل الباحث على التقليل من عنصر اللايقين للتوصل إلى أدق احتمال ممكن.

2 ـ  «التخطيط للمستقبل» الذي يقوم على التحضير لمرحلة قادمة وفق سيناريو واحد خلال فترة زمنية محددة.

3 ـ  «التنبؤ» الذي يُعرّف بأنه: «تقدير مستقبلي معتمد على نماذج إحصائية يمكن التدليل والبرهنة على تفاصيلها وعمومياتها».

4 ـ  «التوقع» الذي يعرف بأنه: «تقدير مستقبلي معتمد على القدرة الذاتية في تطويع البيانات المتسقة بالمحتوى المراد تقديره».

جدول (16): خطوات الاستشراف السياسي.

وتهدف عملية الاستشراف السياسي إلى توفير معلومات أساسية في المجالات التالية:

1 ـ  توقع المخاطر بهدف تجنبها أو التقليل من أثرها.

2 ـ  رصد الفرص التي يمكن أن تصبح متاحة في المستقبل.

3 ـ  تحديد القدرات اللازمة لإنجاز أي مسار مستقبلي.

4 ـ  حساب النفقات والمتطلبات المتوقعة في حال اختيار مسار محدد.

5 ـ  التركيز على عوامل التنمية وتحديد الآليات اللازمة لتحقيقها.

6 ـ  اعتماد سيناريوهات مسبقة الإعداد لمعالجة الحالات الطارئة المحتملة والإجراءات المطلوب اتخاذها.

وتتم عملية الاستشراف وفق الخطوات والمعايير التالية:

1 ـ  تحليل الخلفية التاريخية للظاهرة السياسية.

2 ـ  توصيف الظروف البيئية الحالية.

3 ـ  تحديد أهم العوامل أو القوى المحركة لهذه الظروف.

4 ـ  تقدير الأثر المتوقع لهذه العوامل في المستقبل.

5 ـ  حصر الاحتمالات المتوقع ظهورها على الساحة في الفترة المقبلة.

6 ـ  جمع البيانات والأرقام والمعلومات المتعلقة بالظاهرة السياسية والربط بين عناصرها لتحديد الاتجاهات المتوقعة لتطور الحدث.

7 ـ  وضع سيناريوهات متعددة بهدف التعامل مع النتائج المحتملة للأحداث وسبل إدارتها.

وبعد توفر المعلومات اللازمة، تتم صياغة الأحداث المتوقعة وفق سيناريوهين رئيسين هما:

أ ـ  صنع الأزمة: صياغة أزمة محتملة تنتج عن حدث معاصر، وافتراض وقوع أسوأ الاحتمالات، ومن ثم تحديد آليات التعامل معها، وكيفية إجبار الأطراف المختلفة على القبول بها.

ب ـ  مواجهة الأزمة: اقتراح مجموعة إجراءات للتعامل مع النتائج المحتملة للأزمة المحتملة، وسبل تسخير الإمكانات لمعالجتها، وتحديد أسلوب المعالجة، وتوظيف الكوادر اللازمة في مختلف المراحل لضمان سلامة الدولة ومؤسساتها.

تمثل عملية التحليل السياسي الاحترافي الركن الأساس للدولة وللحركات السياسية التي تنشد الإصلاح والتغيير الإيجابي للمجتمعات العربية في المرحلة المقبلة، ففي ظل التحولات العميقة والتحديات غير المسبوقة، لا بد أن تقوم تلك العملية على بنى مؤسسية تُنظّم عملية توفير المدخلات وإتقان المعالجة وتقديم المخرجات وفتح آفاق الاستشراف. ولا شك في أنه لم يعد من الممكن معالجة الأزمات التي تعاني منها المنطقة عبر اجتهادات بعض الأفراد مهما علت رتبهم العلمية، كما أنه لم يعد من الممكن الركون إلى انطباعات بعض المستشارين والخبراء والنخب الضيقة المحيطة بمؤسسات الإدارة والحكم في التعامل مع الكم الضخم من المعلومات، والخروج من خلالها بنتائج ملموسة على صعيد المجتمع، بل يتطلب ذلك مضاعفة الأدوار المحورية التي تقوم بها مراكز الفكر والبحوث والدراسات، والتي تتبوأ مكانة مهمة في الدول المتقدمة، لكنها لا تحظى بالاهتمام أو الدعم المطلوب في البلدان العربية حتى اليوم.

arrow_upward