التدريب والتطوير

لتمكين الشباب العربي من الممارسة الفاعلة في العمل السياسي

لتحميل كتاب د. بشير زين العابدين (إدارة المشاريع السياسية في عالم عربي متحول)

صراع الأجيال

عندما قدّمت استشارية دولية في سن الأربعين عرضاً على الشاشة أمام رؤسائها في إحدى المؤسسات الكبرى بفرنسا، أصيبت بصدمة كبيرة، بعد أن أقدم شاب على إحراجها أمام الجميع.

فبعد الانتهاء من إلقاء كلمتها، وقف شاب عمره 25 عاماً، كان قد بدأ العمل مؤخراً في الشركة، وانتقدها قائلاً: «لا يستحق عملك كل هذا العناء، ليس ذلك تماماً ما كنت سأقوم به».

وقالت الاستشارية، التي قبلت سرد حكايتها بشرط عدم ذكر اسمها: «تدرك فجأة أن الجيل الناشئ ليس بالضبط مثل جيلك، جيل الشباب أكثر طموحاً وحباً للفردية، ويحاول خلق ما يميزهم، لكنهم قد يوغلون في تجاوزهم للحدود».[1]

واستخلص موقع «بي بي سي كابيتال» من هذه القصة أن الفجوة التي تفصل الجيل المولود بين عامي 1965 و1977، والذي يعرف بالجيل”X”، وجيل الألفية الذين ولدوا بعد تلك الفترة، ويعرفون باسم الجيل “Y” تتضح بشكل متزايد في مجال العمل، حيث تتضاءل احتمالات قيام علاقة كتلك التي تنشأ بين المدرب والمتدرب، وتزداد فرص التصادم الصريح.

تلك هي إحدى جوانب ظاهرة الفجوة بين الأجيال، والتي تمثل نمط العلاقة بين جيلين على الصعيد المهني، أما على الصعيد السياسي فإن الظاهرة الأكبر تتمثل في اضمحلال مفهوم «أبوية السلطة» وعدم انسجام الأجيال الجديدة مع الخطاب السياسي الذي تبنته مؤسسات الحكم منذ ستينيات القرن المنصرم.

ووفقاً للموقع، فإن هنالك أربعة أجيال تهيمن اليوم على المشهد العام، هي: الجيل المولود بين عامي 1927 ـ  1945، والجيل المولود بين 1946 ـ 1964، والجيل المولود بين 1965 ـ 1977، والجيل المولود بين 1978 ـ  1999، ولكلٍّ منهم سلوكه ونظرته للحياة من منظور نشأة عناصره وتجاربهم، ويرغب أبناء كل جيل في إظهار شيء من التمرّد والاختلاف عن سابقيهم، لكن الأمر المختلف اليوم هو أن أبناء جيل الألفية يتواصلون فيما بينهم بشكل أفضل من أية مرحلة ماضية، ويميلون نحو الشفافية والصراحة في التعامل.

وتنبع الأزمة من الفجوة الهائلة بين الأجيال اليوم، والتي يطلق عليها اسم «الفجوة الجيلية»، وتشير إلى اختلاف آراء جيل عن جيل آخر فيما يخص المعتقدات أو السياسات أو القيم، حيث يسعى أبناء الجيل الجديد إلى تمييز أنفسهم عن سابقيهم بمصطلحات مختلفة واستخدام عبارات مغايرة لهم.

ويسهم التطور التكنولوجي في توسيع الفجوة بين الأجيال، حيث شجعت الهواتف المحمولة والرسائل الفورية ووسائل التواصل الاجتماعي المستخدمين الشباب على إظهار إبداعاتهم وميولهم، وأصبحوا على تواصل أكثر من أي جيل سابق، حيث تؤكد الدراسات المعاصرة أن الفجوة تتسع بتنامي نوعِ التكنولوجيا المستخدمة من قبل الأجيال الشابة، حيث ظهرت فجوة كبيرة بين مستخدمي الرسائل النصية ومستخدمي الهواتف للتحدث، ما يدفعنا لإلقاء الضوء على ظاهرتين متلازمتين لفجوة الأجيال هما:

1 ـ  الفجوة المعرفية: المتمثلة في الفرق بين من يمكنهم العثور على المعلومات أو المعرفة وتكوينها ومعالجتها ونشرها، وبين العاجزين عن القيام بكل ذلك، ووفقاً لتقرير صادر عن منظمة يونيسكو (2005)، فقد نتج عن ظهور مجتمع المعلومات العالمي في القرن الحادي والعشرين ظهور المعرفة كأحد الموارد ذات القيمة، ما أدى إلى زيادة تحديد من يملك القوة ويتمتع بالرفاهية، وظهور مصطلح «مجتمع المعرفة».

2 ـ  الفجوة الإلكترونية: المرتبطة بمفهوم «الرقمنة» وما يتعلق بها من صناعة المعرفة والاستخدام الفعال لها بتطوير البنية الأساسية لتقنية المعلومات والاتصالات، وهو مصطلح ظهر حديثاً في مجالي علم الحاسوب وعلم الاجتماع، ويشير إلى الفجوة بين الذين بمقدورهم استخدام الإنترنت بسبب امتلاكهم المهارة اللازمة والقدرة، وبين الذين لا يستطيعون استخدام الإنترنت، وذلك نتيجة عدة عوامل أبرزها: الفقر، والفجوة اللغوية، وتفشي الأمية، وتدني المخرجات التعليمية، والقيود السياسية والاجتماعية.

الفجوة بين الأجيال

شهد العالم العربي في مطلع القرن العشرين ظهور جيل تميز بالحيوية والفاعلية، وكان له دور أساسي في صيانة الهوية العربية ومقاومة الاستعمار الذي هيمن عقب انهيار الحكم العثماني في الأقاليم العربية، وأسهم ذلك الجيل ـ  بمختلف فئاته وانتماءاته ـ  في الحركات الثورية والمظاهرات الشعبية، ثم انخرط في بناء الكيانات الجمهورية التي ظهرت في مرحلة ما بعد الاستعمار.

وما إن حلت ستينيات القرن المنصرم حتى برزت ظاهرة الانقلابات التي أتاحت للعسكريين مجال الاستحواذ على مؤسسات الحكم المدني، وقمع الحريات، وتضييق الممارسة السياسية، وهيمنة المؤسسات الأمنية والاستخباراتية على الحياة العامة، بحيث بات السجن أو النفي أو القتل مصير من يطالب بالإصلاح أو يعمل على تغيير الواقع بالسبل المشروعة.

وأنتج ذلك المشهد القمعي حالة من الاستجابة الجماعية للقمع، إلى درجة إطلاق مسمى «الجيل الصامت» على جيل الفترة الممتدة ما بين ستينيات وثمانينيات القرن الماضي.

واستخدم «الصمت» كاسم لذلك الجيل نتيجة عزوف الغالبية العظمى من أبنائه عن البوح بآرائهم، وإيثارهم البعد عن المشهد السياسي.

وعلى الرغم من أن الكثيرين رفضوا الانقياد للسلطة الشمولية، وطالبوا بحقوقهم المدنية آنذاك، إلا أن غياب آليات التمثيل السياسي وتقلص المشاركة الشعبية، أدى إلى غياب مفاهيم «المجتمع المدني» و«المجتمع الأهلي» لدى ذلك الجيل.

ويمكن الإسهاب في تعداد الأمراض المجتمعية التي انتشرت لدى «الجيل الصامت»، كتفشي الفساد والمحسوبية، وانتشار مظاهر السلبية واللامبالاة، وضعف المسؤولية، وممارسة النفاق، والجمود والانغلاق، والخوف من الخارج، وممالأة السلطة التي تغذت من تأجيج مشاعر الخوف والقلق لدى أبناء المجتمع.

ولا بد من الاعتراف بأن إدارة ذلك الجيل لم تكن بالمهمة الصعبة مقارنة بجيل اليوم، إذ قُدر عدد سكان الوطني العربي عام 1960 بنحو 93 مليون نسمة، أما اليوم فيبلغ تعدادهم نحو 422 مليون نسمة، أي إنه تضاعف أكثر من أربعة أضعاف في أقل من 50 عاماً.

وبالإضافة إلى الفارق العددي الكبير بين جيل الألفية والأجيال التي سبقته، فإن الثورة الرقمية وما صاحبها من تطور في الاتصالات والمعلومات قد أكسبت الأجيال الجديدة سمات مختلفة، حيث تتميز غالبيتهم بالوعي والدراية الواسعة، وبالاستخدام المكثف لتقنيات الاتصالات الحديثة، ووسائل التواصل الاجتماعي.

ربما يتبادر إلى الذهن فور سماع مصطلح «جيل الألفية» ذلك الجيل المدمن على أجهزة الهواتف المحمولة، الذي يقضي معظم وقته في وسائل التواصل الاجتماعي، أو الشباب العاطل في البيوت، إلا أن الدراسات الحديثة تؤكد أن أبناء جيل الألفية (الذين ولدوا بعد عام 1980)، والجيل الذي أعقبه (الذين ولدوا بعد عام 2000) هما أكبر جيلين عرفهما العالم العربي في تاريخ المنطقة المدون منذ أكثر من سبعة آلاف عام، إذ تُقدّر نسبتهم اليوم بنحو 70 بالمئة من سكان الوطن العربي.

مميزات جيل الألفية

وبخلاف «الجيل الصامت» الذي سبقهم، فإن من أبرز مميزات هذين الجيلين:

-          الاهتمام بالشأن العام، حيث يتابع نحو 88 بالمئة منهم الأخبار بصورة يومية.

-          الانخراط في المشاركة الحضارية وتبادل الثقافات.

-          الميل نحو البذل والعطاء والعمل الخيري.

-          الفاعلية طوال الوقت، إذ إن 90% من جيل الألفية متوفرون في مواقع التواصل على مدار الساعة.

-          الإيجابية والاستعداد الدائم للمشاركة الفاعلة في الشأن العام.

-          احترام التنوع والتعددية والتواصل مع الثقافات الأخرى.

-          الرغبة في التميز والإبداع.

-          الاهتمام بدراسة العلوم الاجتماعية والمجالات التطبيقية.

-          التحقيق، حيث يتحقق منهم نحو 42 بالمئة من صحة المعلومات قبل تقبلها أو إعادة نشرها.

شكل (7): مميزات جيل الألفية


ونظراً لهيمنة هذا الجيل في العالم العربي على سوق العمل منذ عام 2015، فإنه من المتوقع أن يُحدث متغيرات جذرية في اقتصاديات الدول العربية ابتداءً من عام 2020.

وتتميز الظاهرة الأبرز في تحول جموع ما بعد الألفية إلى صناعة المحتوى العام عبر الوسائل المطبوعة والمرئية، بدلاً من محض الاستجابة للمحتوى الرسمي أو التفاعل معه، إذ يميل جيل الألفية إلى توظيف التقنيات المتاحة لديه في إنتاج المادة الإعلامية والتأثير في الشأن العام، إذ إن نحو 85 بالمئة منهم يمتلكون هواتف ذكية، ونحو 93 بالمئة منهم يقومون بتحميل تطبيقات جديدة بصورة شهرية، ويفضلون التفاعل عبر وسائل التواصل الاجتماعي على مشاهدة القنوات الفضائية وأجهزة التلفاز، ما يعني أن الدولة لم تعد تحتكر وسائل الإعلام كما كان الحال عليه في الفترة الممتدة ما بين ستينيات وثمانينيات القرن المنصرم.

«الأعداد الصعبة»

تُعرّف الأرقام بأنها أشكال رمزية للأعداد، فعلى الرغم من أن الأرقام محدودة ما بين 0 و9، إلا أنها تستطيع تكوين أعداد لا نهاية لها، ويتعامل علم الرياضيات مع العدد بصورته الكاملة خارج إطاره الرقمي، حيث توجد «أعداد مركبة»، وأعداد تكتب على شكل كسور، ما يجعل الأرقام محض أدوات رمزية لكتابة العدد.

وبقياس العلاقة بين رمزية «الرقم» في الدلالة على «العدد»، يمكن القول بأن أبناء هذا الجيل غير المسبوق من حيث تعداده، ليسوا مجرد أرقام في السجلات الإحصائية، بل هم «أعداد صعبة» يُتوقع أن تُحدث الكثير من المتغيرات، خاصة وأن الثورة الرقمية قد أتاحت لكل فرد منهم القدرة على إنشاء مجال عام للتفاعل والتواصل دون أية حدود أو قيود، مستفيداً من توفر أدوات لم تكن متاحة للأجيال السابقة في مجالات التعبير والتأثير والتغيير.

وفي مقابل اهتمام «المحاضن التربوية» في الفترة الماضية بتنشئة شخصيات منتقاة من الشباب ليصبحوا «أرقاماً صعبة»، أصبح التحدي اليوم متمثلاً في تحول الأجيال الجديدة إلى «أعداد صعبة» تمتلك: المعرفة، والأدوات، والمواهب، والقدرات التي تؤهلها للمشاركة الفاعلة والإيجابية، في أربعة مجالات رئيسة هي:

- الأخلاقيات والمثل والمبادئ.

- مهارات المبادرة والتأثير.

- المميزات الشخصية كالرغبة في الاطلاع والاستكشاف والانفتاح.

- امتلاك الأدوات التقنية واللغوية والإعلامية التي تتيح مجال التفاعل مع المحيط والتأثير فيه.

وفي هذه البيئة التفاعلية، سيكون من الصعب على السلطة الاستبدادية أن تحتكر الشأن العام وتفرض منظومتها القمعية مهما استحدثت من تقنيات لملاحقة المخالفين ومحاولة إسكاتهم.

التحول في مفاهيم «التميز» و«المبادرة»

بناء على مفهوم «الأعداد الصعبة»، فإن التغيير لم يعد يعتمد على شخصيات متميزة توصف بأنها «أرقام صعبة» توكل إليها مهمة قيادة المجتمع، بل بات الفعل السياسي مرتكزاً على القدرة الجمعية في توظيف الأدوات المتاحة في مجال التواصل والتنسيق والمخاطبة لإصدار منتجات بسيطة وسريعة الانتشار.

ولعل أبرز ما يميز جيل ما بعد الألفية عن جيل الألفية، هو قدرته على التعامل مع ثورة الاتصالات عبر مفهوم «التحميل» (upload) بدلاً من «التنزيل» (download) في العالم الافتراضي، حيث انتقلت التفاعلية السياسية لدى الجيل الحالي من محض المطالعة والتأثر والإعجاب إلى المساهمة المباشرة من خلال إنشاء الشعارات والتعليقات والعبارات والصور والمقاطع، ونشرها بصورة تتفوق على المنتجات الرسمية التي تنفق الدولة عليها الملايين.

وبناء على تلك التطورات، فإن التغيير لم يعد مرهوناً بتنشئة قيادات فذة، بل يكمن في تمكين الجموع من التواصل والتشبيك والتفاعل وممارسة حرية التعبير.

وفي الوقت نفسه، لم تعد العملية الإصلاحية مرتبطة بشخص يتمتع بصفات «المجدد» أو «المنقذ» (الرقم الصعب) وإنما أصبحت ترتبط بالقدرة على تحقيق التفاعلية بين الجماهير، حيث تتحدث الدراسات المعاصرة عن تحول مهمة «صناعة القائد» من الأحزاب والجماعات ومعاهد التميز وإعداد النخب، إلى الجماهير التي أصبحت تقوم بدور أكبر في إبراز الزعامات والترويج لها بوسائل شعبوية بعيداً عن السلطة وممارساتها، وبناء على ذلك فقد أصبحت معركة التميز تدور ضمن إطار تعزيز فرص الإبداع الجماعي، ودفع الجماهير للتحلي بالإيجابية والفاعلية وإنتاج أفكار نيرة (لكنها بسيطة) لتحديد معالم الإصلاح وسبل التحرر من ربقة الاستبداد.

وفي اختلاف جذري عن نمط الكشوفات الكبرى في القرن التاسع عشر، أثبتت «الثورة الرقمية» أن لحظة الإبداع لا تحتاج إلى إفناء السنوات الطوال بحثاً عنها، بل يمكن أن تتحقق في إطار جهود تفاعلية من قبل جموع لا تعرف بعضها البعض، ومن خلال قابلية تلك الجموع لنقل العملية الإنتاجية من مركزية الفكرة إلى عموميتها، بحيث يأخذ الأفراد فكرة معينة ويقومون بتطويرها وتحميلها لتبلغ مئات ملايين المشاركات في غضون ساعات قليلة.

وبناءً على مفهوم «الإبداع الجماعي» القائم على تلقف أفكار تلقائية، والعمل على تطويرها، فإن لحظة الإبداع الفعلية تكمن في قدرة الجماعة على حرق مراحل التفكير المنفرد، ولا يتحقق ذلك إلا من خلال إيمان الفرد بتميزه، واعتداده بهويته، وقدرته على تقديم منتج يمكن أن يحظى بقبول الملايين.

وكذلك هو الحال بالنسبة لمفهوم «المبادرة»، حيث راكم طغيان «الأبوية» حالة من الاتكالية الجماعية لدى الأجيال السابقة، دفعتها إلى انتظار النخب والقيادات لإملاء «وصفات» معدة مسبقاً للنهضة، دون امتلاك فضيلة المراجعة والنقد الذاتي.

وتتطلب عملية إحداث التغيير الإيجابي اليوم تخطي تلك الجماعات الهرمة، وتبني جهود مؤسسية بديلة تعمل على تحفيز روح المبادرة لدى الشباب بدلاً من ممارسة الوصاية عليهم وتربيتهم على التبعية والولاء، إذ لا يمكن تصور نهضة تقوم على منطلقات فكرية واجتهادات نخبوية وضعت أسسها قبل ستة أو سبعة عقود، وعلى قيادات هرمة تقاوم أية مبادرة إصلاحية وتتهم من ينتقدها أو يدعو لمراجعة أطروحاتها بالتمرد والانشقاق، بل تتطلب النهضة رفض الإرث الثقافي «المعلب»، والتفكير خارج الصندوق بحثاً عن أفكار جديدة للتنمية الشاملة والإصلاح السياسي.

ولا يتحقق ذلك إلا من خلال مؤسسات تتخطى عمليات الفرز الإيديولوجي، وتدفع بالشباب للمبادرة والتميز والإبداع، وذلك من خلال إنشاء بنوك الأفكار، وتبني المبادرات، وتأسيس مراكز الفكر الإلكترونية العابرة للحدود، ودفع الشباب للخروج من «دوائر الأمان» الوهمية التي رسمتها بعض الجماعات التي لم تتمكن من اللحاق بركب الإصلاح بعد.

ملامح القيادة في المرحلة المقبلة

جدير بالذكر أن «الأعداد الصعبة» لا تلغي مفهوم القيادة من أصله، وإنما تدفع به للانتقال من مرحلة «القيادة الأوتوقراطية» ذات الطابع المركزي، والتي تحصر السلطة في أفراد وتخولهم صلاحيات اتخاذ القرارات ووضع الخطط والسياسات، إلى أنماط أخرى من القيادة التي تتطلب التعامل مع أجيال أكبر عدداً وأكثر وعياً من أية فترة مضت، مثل: «القيادة التعددية»، و«القيادة الحرة»، و«القيادة الخدمية».

ويكمن الخلل الأساسي لدى التعامل مع «الأعداد الصعبة» اليوم، في حصر مفاهيم القيادة على مهارات الفرد، وخبراته، وقدرته على توجيه الجموع وحملها على الإذعان له، وتعداد الأدوات التي يعتمد عليها لتحقيق ذلك كالحوافز (Reward Power)، والعقاب (Coercive Power)، والشرعية (Legitimate Power)، وإثارة الإعجاب (Referent Power)، والخبرة (Expert Power)، بالإضافة إلى المميزات الشخصية التي يؤثر من خلالها على الآخرين. إلا أن هذا التركيز المجحف على البعد الشخصي لمفهوم القيادة يتنافى مع متطلبات المرحلة.

ربما كان هذا النمط قابلاً للتحقيق في مطلع القرن العشرين، حيث أتاحت القلة العددية وتفشي الأمية وضعف الوعي المجتمعي المجال لبروز قيادات مركزية تستحوذ على السلطة السياسية في العالم العربي، إلا أن التطورات التي طرأت بعد ذلك فرضت إحداث متغيرات كبرى على مفهوم القيادة من التركيز على «السمات الشخصية للقائد العظيم» إلى النظرية الظرفية التي اعتبرت أن القيادة تأتي كنتيجة لعوامل المكان والظرف والزمان.

وتزامن مع «ثورة المعلومات» ظهور مدارس أخرى في القيادة مثل «القيادة المعرفية» التي تركز على دور القيادة «الجماعية» في توظيف المعلومات ورسم الإستراتيجيات والبحث والاستنتاج، وارتبطت بها مفاهيم «القيادة التفاعلية» التي ارتكزت على أنماط التفاعل الاجتماعي، وعلى طبيعة العلاقة بين القيادة والأفراد، وتعزز مفاهيم الاعتمادية بين مختلف الأطراف.

ودفعت تلك التطورات إلى التخلي عن المفاهيم التقليدية المستندة إلى هرمية القيادة وسلطة المركز، وتبني أنماط ونماذج بديلة تشجع قيادة «الفريق» وتعزز مفاهيم المشاركة في صنع القرار، حيث ظهر مفهوم «القيادة التعددية» التي تقوم على ثنائية: القبول والمشاركة، والتي تعتمد القيادة فيها على تطوير العلاقات الإنسانية الجيدة بين أفراد الفريق، بحيث يوصف القائد بأنه «الأول بين متساوين» (first among equals)، وتمارس سلطاتها من خلالهم وبالتشارك معهم، وتعتمد على العمل الجماعي والتعاوني عبر الإقناع، والاهتمام بآراء الأفراد، وجعلهم يشعرون بكرامتهم وأهميتهم، وقدرتهم على ممارسة أدوار فاعلة في التنمية والابتكار.

وأحدثت التحولات المصاحبة للألفية، متغيرات كبرى أسهمت في إضعاف دور النخب التي باتت تعاني من مصاعب في ممارسة أدوار مركزية في ظل الزيادة السكانية وتضخم المجال العام، وازدحام وسائل الاتصالات، وأدى ذلك بدوره إلى ظهور مدارس جديدة في القيادة تقوم على مفاهيم القيادة كخدمة يتم تقديمها للجموع من خلال الاستماع لهم والتعاطف مع قضاياهم والالتزام بتحقيق النمو المجتمعي ورعاية المصالح المشتركة لهم، فضلاً عن تنامي مفاهيم «القيادة الروحية» التي لا تهتم بالتفاصيل، وإنما تقوم بإلهام الجموع في القضايا التي تستجيب لمطالبهم وتحقق مصالحهم.

وبدلاً من التركيز على تطوير قابلية الفرد على ممارسة القيادة واكتساب المهارات التي تمكنه من حيازة القوة والتأثير، أصبحت مفاهيم القيادة اليوم ترتكز على المشاركة والمساعدة والتشجيع والتحفيز والاهتمام بالجموع وفهم احتياجاتها كأولوية في العمل القيادي الذي يرتكز على الفريق وليس على النخب أو الأفراد.

وفي ظل إخفاق النخب وغيابها عن الساحة في مرحلة الربيع العربي (2011 ـ 2020)، تظهر الحاجة الملحة لتعزيز مفاهيم «القيادة الحرة» والتي تعتمد على مفهوم التوجيه بدلاً من المباشرة، وتحديد الأهداف، ونظمها في خطط متطورة قابلة للتنفيذ، دون المشاركة في التفاصيل المتعلقة بشؤون العمل والتنظيم، خاصة وأن هذا النمط يتطلب قدراً كبيراً من الوعي والتواصل على حد سواء.

وترتبط «القيادة الحرة» بنموذج «القيادة الموقفية» التي تتيح مجال التداول والتنوع والاستحقاق المنبثق من القدرة على الإنجاز والإبداع والابتكار.

وفي ظل تداعي مفاهيم المركزية، تفرض التحولات التي تمر بها المنطقة العربية تبني تطبيقات أكثر تشاركية في أنماط القيادة، مثل نموذج «القيادة الخادمة» (Servant Leadership) التي تولي العناية الأولى بالمرؤوسين بوصفهم الأولوية في النظام السياسي بدلاً من القادة الذين يصب عملهم على خدمة الجموع وتمكينها من المساهمة الفاعلة في الشأن العام، بحيث تتمثل الغاية من «القيادة الخادمة» بتحسين حياة الأفراد ورفع سويتهم، مصداقاً للمثل العربي «سيد القوم خادمهم»، والذي يؤكد أن الأصل في الثقافة العربية هو التشارك والتعددية وليس الاستبداد.

الانفتاح المفضي إلى النجاح

مثّل مصطلح «الخارج» أحد أخطر التهم التي وجهتها النظم الاستبدادية ضد معارضيها، ومن ذلك اتهامهم بـ: «التآمر مع الخارج» و«تلقي الأموال من الخارج» و«تبني أجندات خارجية»، وما إلى ذلك من تهم تفضي إلى الإدانة وإصدار أقسى الأحكام بحقهم.

إلا أن «الثورة الرقمية» قللت من الأثر السلبي لمفهوم «الخارج»، حيث أسهمت في تقليص المسافات، ويسرت الانفتاح على الثقافات الأخرى، بحيث بات الانغلاق والعزلة ضرباً من الماضي، ولم يعُد «الخارج» يثير الرهبة التي كان يذكيها من قبل، ما أدى إلى توسيع آفاق التواصل بين الجماهير العربية التي اندفعت للمطالبة بالتغيير.

وفي مقابل حالة «الانغلاق» التي اتسمت بها النظم القومية والاشتراكية في العالم العربي، جلب «الانفتاح» مشاكل جديدة تتعلق بغياب آليات ترشيد التواصل الخارجي وتحويله إلى مكتسبات تعود بالنفع على الشعوب التي عانت عقوداً طويلة من الانغلاق.

وتمثل مشكلة اضمحلال الهوية أحد أكبر الهواجس الناتجة عن العولمة والانفتاح المطلق، حيث تعالج دول متقدمة مثل فرنسا وكندا واليابان مخاطر فقدان الهوية الوطنية بسبب طوفان القيم الأمريكية التي هيمنت على أسواق الإعلام والدعاية والإنتاج الفني.

وبين مقاربتي «الخوف من الخارج»، و«الانفتاح المطلق»، تقف الأجيال العربية الجديدة أمام منظومة جديدة من التحديات التي تهدد هويتها وثقافتها، حيث ينتقل بعض الشباب اليوم من التبعية للاستبداد إلى تبعيات أخرى تتمثل في تقمص هويات أجنبية ظناً منهم أن تلك التبعية ستحقق لهم التقدم والرقي.

وفي مقابل التبعية الانهزامية التي تقوم على مسار واحد يقوم على تقمص هوية المنتصر والشعور بالدونية إزاءه، يتمثل «الانفتاح الإيجابي» في تبني مسارين متوازيين، يعمد أحدهما إلى الاستفادة من مميزات الشعوب الأخرى، ويقوم الثاني على أساس العطاء والإسهام الثقافي، وخاصة في المجالات الأدبية والعلمية.

المراجعة والنقد الذاتي

يتمثل «النقد الذاتي» في دراسة الجوانب الاعتقادية والفكرية والسلوكية للشخص أو المؤسسة، وفي استخراج النقاط السلبية بهدف تصحيح المسار.

وقد تسبب غياب تلك الميزة في الثقافة السياسية العربية بتراجع نفوذ النظم الاستبدادية التي اعتقدت أنها أعلى من التقييم والمحاسبة، وجرّمت من يقوم بنقدها، سواء من داخل النظام أو من خارجه، ما أدى إلى تراكم الأخطاء وانهيار تلك النظم عند أول مواجهة مع شعوبها.

ويكمن التحدي لدى المجتمعات العربية في مواجهة النزعات الأبوية، وتجريم النقد العلني، وفتاوى تحريم نقد الحاكم، وذلك من خلال فتح قنوات المشاركة الإيجابية في الشأن العام، وإتاحة مجال النقد الهادف للسلطة ومؤسساتها، وعقد المناقشات العلنية للأخطاء وسبل معالجتها، وتعزيز مفاهيم المحاسبة والشفافية، ووضع ذلك كله في إطار مؤسسي ينظم عملية البحث عن العيوب الظاهرة والخفيّة وتصحيحها.

ولا تقتصر حالة الرفض المطلق للنقد على السلطات الاستبدادية، بل تمتد لتشمل الكثير من الجماعات والأحزاب السياسية التي ترفض النقد وتتعامل معه كسلوك عدائي يهدف إلى الحط من شأنها، بل يعمد بعض المنسوبين إلى جماعات «إسلامية» لتصنيف النقد ضد جماعاتهم ضمن دائرة «التهجم على الإسلام»، نظراً لاعتقادهم بأن جماعتهم هي «جماعة المسلمين»، ولا يمكن تحقيق النهضة إذا بقيت سائر مؤسسات الحكم والمعارضة محصنة ضد النقد، ومُصرّة على الاعتداد برأيها، وغير مستعدة لمراجعة منطلقاتها الفكرية.

ولتحقيق ذلك، يتعين التعامل مع النقد ضمن نطاق موضوعي يوازن بين الإيجابيات والسلبيات، ويتجنب المبالغة والعشوائية والحكم على النوايا والمقاصد، ويركز بدلاً من ذلك على الجوانب البناءة عبر تقديم البدائل والخيارات المتاحة.



[1] ـ https://www.bbc.com/arabic/business/2015/04/150407_vert_cap_bridging_generation_divide

arrow_upward