التدريب والتطوير

لتمكين الشباب العربي من الممارسة الفاعلة في العمل السياسي

لتحميل كتاب د. بشير زين العابدين (إدارة المشاريع السياسية في عالم عربي متحول)

اللغة كأداة تأثير سياسي

يُعتبر عالم اللغويات ريتشارد باندلر وخبير علم النفس جون غريندر أول من طرحا أسلوب البرمجة اللغوية عام 1973 باعتبارها مجموعة مبادئ تنظم العلاقة بين العقل واللغة، وتفسيرهم لكيفية تنظيم العلاقة بينهما بهدف التأثير على أداء الشخص وسلوكه وتفكيره في الوعي أو اللاوعي.

وليس الهدف من هذا المبحث استعراض أثر مفهوم البرمجة اللغوية في نشوء برامج «البرمجة اللغوية العصبية» وتطورها، بل الهدف هو تسليط الضوء على مشكلة أعمق تتمثل في تأثير منظومة المصطلحات السياسية في اللاوعي الثقافي العربي وأثرها العقلي والنفسي على الصعيد الجمعي، من خلال رصد أثر «البرمجة النفسية» ونمط استخدام اللغة السياسية في صياغة الرأي العام، حيث تُسهم المصطلحات السياسية في صياغة نمط العلاقة بين السلطة والمجتمع، وذلك من خلال مفهوم «الحجة السياسية» التي تستند إلى مصطلحات يتم استخدامها بكثافة في وسائل الإعلام الرسمية بحيث تعتاد عليها الجماهير وتعتبرها حقيقة لا مراء فيها.

ومن خلال تحليل التراكيب البلاغية، والعبارات المجازية، والرموز والاستعارات المستخدمة في الخطب السياسية، يمكن القول بأن السياسة في المقام الأول هي ساحة لغوية، إذ إن اللغة السياسية تدفع بالجماهير إلى تبني قناعات معينة، ونبذ قناعات أخرى بناء على التوظيف اللفظي لتلك المصطلحات، حيث تُعتبر اللغة هي الأداة الرئيسة في صياغة الهوية، وتفسير الأحداث، ونظم الأفكار، ومن خلالها تعمد السلطة إلى التحكم بالعقل الجَمعيّ للجماهيرِ جيلاً بعد جيل.

ويبدو أن التحولات التي سيشهدها العالم في العقد المقبل (2020 ـ 2030) ستفرض مراجعة المنظومة المصطلحية التي سادت في غضون القرن الماضي، ذلك أن الممارسة السياسية تعتمد على منظومات فكرية تتشكل بصورة تلقائية لتتناسب مع تطورات العصر، ولا تلبث أن تتلاشى على وقع التحولات، لتحل منظومات مصطلحية جديدة محلها، بحيث يصبح الارتكاز على المنظومة المصطلحية السابقة عائقاً يحول دون فهم الأحداث والقدرة على مواكبتها أو التعامل معها.

ففي النصف الأول من القرن العشرين هيمنت على الساحة السياسية منظومة مصطلحية تتواكب مع نمط التحول الاقتصادي والاجتماعي، مثل «الاستعمار» و«الانتداب» و«الاستقلال» و«حق تقرير المصير»، وفي مرحلة المد الاشتراكي هيمنت منظومة مغايرة ترتكز على: «الرجعية» و«الإقطاع» و«العمالة»، ولا تخرج تلك المصطلحات عن دائرة «حرب المصطلحات» التي احتدمت بين مختلف التيارات التي هيمنت آنذاك، فيما تحتدم اليوم معارك رديفة حول مفاهيم «الإرهاب»، و«الطائفية»، و«الديمقراطية»، و«الدولة المدنية»، و«الدولة الدينية»، و«الخلافة الإسلامية»، و«حقوق المرأة»، و«المساواة»، وغيرها من المصطلحات التي لا تمتلك مرجعية موحدة في العقل الجمعي، بل يتم استخدامها بصورة عشوائية لإذكاء صراعات تمزق المجتمعات وتمنعها من السير في طريق التقدم والازدهار.

ويؤثر النمو السكاني وتطور التقنيات والمعلومات ووسائل التواصل على المصطلحات السياسية، تماماً كما أثرت «الثورة الزراعية» في التاريخ الوسيط، و«الثورة الصناعية» في العصر الحديث على مدلولات الكلمات واستخداماتها.

ولا شك في أن التطورات الاجتماعية والاقتصادية الناتجة عن «الثورة الرقمية» المعاصرة ستفرض استحداث مصطلحات جديدة لم تكن معروفة على صعيد العلاقة بين المجتمعات وبين الدول، خاصة وأن التطور التقني الهائل قد نقل البشرية من مفاهيم «تفوق الآلة» على الإنسان في مجالات السرعة والأوزان والأحجام خلال الثورة الصناعية، إلى تفوق «الفضاء الإلكتروني» على الإنسانية في مجال «الذكاء الاصطناعي» في مرحلة الثورة التقنية.

ما بعد الليبرالية ـ الديمقراطية

في الفترة الممتدة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، تراجعت الإمبريالية أمام المد القومي الاشتراكي، وازدهار النازية والفاشية.

وما إن حطت الحرب العالمية الثانية أوزارها حتى اندلعت «حرب باردة» بين الليبرالية، وبين الشيوعية التي انهارت بدورها في تسعينيات القرن الماضي، ما أتاح لليبرالية ـ الديمقراطية مجال الهيمنة كنظام أوحد يعتبر نفسه نموذجاً للحرية والتطور النظمي الأمثل في التاريخ البشري.

وقامت العديد من دول آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية بتبني النموذج الليبرالي ـ الديمقراطي كنظام يحقق طموحات الشعوب ويضمن مصالحها، وشرعت الدول الغربية في تسويق نموذجها بقوة السلاح، حيث بررت عملياتها العسكرية في أفغانستان (2001) والعراق (2003) بتحرير الشعوب من ربقة الاستبداد.

وتبنت إدارة جورج بوش الابن، ابتداءً من عام 2003، برامج ضخمة تهدف إلى «دعم الديمقراطية» في الشرق الأوسط باعتبارها أحد أهم ركائز الأمن القومي للولايات المتحدة، حيث وضعت الإدارة الأمريكية مبادئ للمتغيرات التي يجب تحقيقها في النظم العربية تتمثل في تبني مفاهيم:

شكل (6): رؤية منظمات دعم الديمقراطية للإصلاح السياسي في العالم العربي

وسرعان ما تدفق التمويل السخي لحركات المعارضة من قبل مؤسسات «دعم الديمقراطية» التي نشطت في بعض الدول العربية ما أدى إلى ردود فعل سلبية من قبل حكومات المنطقة التي سارعت إلى إغلاق مقراتها ووقف أنشطتها.

إلا أن الأمور تغيرت بصورة كبيرة ابتداءً من عام 2008، حيث شهدت تلك السنة انتكاساً للفكر الليبرالي على وقع أزمة الاقتصاد العالمي، وخاصة في أوروبا، التي بدأت تتحول من دول مصدّرة للفكر الليبرالي ـ الديمقراطي، إلى دول تُصدّر آلاف المتطرفين للانضمام إلى تنظيم «داعش» في سوريا والعراق، [1] وتُنتج نُظُمها الانتخابية تيارات قومية ـ عنصرية لا تؤمن بالمُثُل الليبرالية.[2]

وبحلول عام 2016، تحولت النزعات الشعبوية في أوروبا إلى تيارات عنصرية تفرض نفسها على مؤسسات الحكم، حيث اتجهت بريطانيا لعزل نفسها عن أوروبا، وشرعت في تنفيذ سياسية «بريكست» للخروج من الاتحاد الأوروبي، بينما نبذ ترامب فكر التحرر العالمي، ورفع شعار «استعادة أمريكا العظيمة»، وأخذ يروج لبناء الأسوار التي تحمي الحضارة الأمريكية من الهجرات الخارجية وبادر إلى بناء سور بين الولايات المتحدة والمكسيك، في حين تبنت الدول الأوروبية سياسات محاربة الهجرة واللجوء، وعزل نفسها عن شعوب المتوسط الأخرى بغية الحفاظ على هويتها، ما أدى إلى تراجع كبير في مفاهيم: «تعزيز الحريات العامة»، و«تحرير الأسواق»، و«تحالف الحضارات»، وثقافة «حقوق الإنسان».

وبالإضافة إلى تراجع الليبرالية في أوروبا، أسهم الظهور الاقتصادي والعسكري لكل من الصين وروسيا في إضعاف الليبرالية كفكر أوحد يهيمن على المنظومة الدولية التي فشلت في وقف الانتهاكات المروعة ضد شعوب الربيع العربي، في حين تخلت الدول الغربية عن برامج «دعم الديمقراطية» واصطفت إلى جانب الدكتاتوريات العسكرية ضد شعوبها إيثاراً لمصالحها.

أما في العالم العربي، فقد تأخر إدراك النخب قصور الليبرالية ـ الديمقراطية عن تحقيق طموحات الشعوب، فحتى عام 2020، كان الكثير من المثقفين «الإسلاميين» يعملون على «تقديم قراءة جديدة للديمقراطية»، ويسعون لتحقيق المواءمة بينها وبين الثقافة الإسلامية، ويبحثون في آليات إدماجها ضمن نُظُم الحكم العربية والإسلامية، بينما كان المثقفون في الغرب يُعبرون عن قلقهم من مخاطر اضمحلال الليبرالية ـ الديمقراطية على يد القوى اليمينية التي تستخدم أدوات الديمقراطية لوأدها، ومن عزوف الشعوب الغربية عن المشاركة في العملية الديمقراطية إثر انحصار الديمقراطيات الغربية في نظام الحزبين.

ودفع تراجع الأحزاب التقليدية واستحواذ اليمين المتطرف الشعبوي بعدد من المنظرين الغربيين لقرع أجراس الخطر إزاء جدوى الاحتكام إلى «شرعية الأغلبية» التي قد لا تكون دائماً على حق.

ففي مايو 2019، كشفت انتخابات البرلمان الأوروبي، والتي تُعدُّ أكبر انتخابات عالمية متعددة، تشمل 28 دولة، عن تراجع أحزاب الوسط التقليدية وعن تقدم الأحزاب اليمينية المتطرفة في بريطانيا وفرنسا وألمانيا وبولندا، مما أثار الخشية على مصير الاتحاد والتكتل الاقتصادي العالمي.

أما في بريطانيا فقد حقق حزب «بريكست»، الذي يتزعمه اليميني نايجل فاراج، فوزاً كبيراً، حيث حصد 32.84 في المئة من الأصوات، وهذه النسبة تعادل تقريباً ما حققه حزبا العمال والليبراليون الديمقراطيون مجتمعين.

وفي فرنسا، فاز «حزب الجبهة الوطنية» اليميني الذي تقوده ماري لوبان بنسبة 23.31 في المئة من الأصوات، وفي إيطاليا، حصل حزب «ليغا» اليميني المناهض للاتحاد الأوروبي على 33.64 من الأصوات، ما دفع بالأحزاب اليمينية الأوروبية لتشكيل تحالف يضم كل من حزب لوبان وزعيم الحزب المجري القومي اليميني في هنغاريا، الذي حصل بدوره على 52.14 في المئة من الأصوات في بلاده.

اضمحلال الإيديولوجيا

بالإضافة إلى ضعف الليبرالية ـ الديمقراطية، تعاني الإيديولوجيات الكلاسيكية، التي ازدهرت في مطلع القرن العشرين، من خطر الاضمحلال لصالح منظومة جديدة من المفاهيم التي تعبر عن قضايا جديدة تشغل البشرية في مطلع الألفية الثالثة، مثل: الهجرة، واللجوء، والهوية، والفقر، والبطالة، والشعبوية، والأمن السيبراني، والفضاء الإلكتروني، فضلاً عن الحروب الاقتصادية التي باتت تهدد العالم برمته.

أما في المنطقة العربية فيتمثل العبء الأكبر في تداعيات إخفاق الدول الفاشلة على الصعد السياسية والاجتماعية والاقتصادية، حيث خفَت وهج الإيديولوجيات التقليدية (القومية، الاشتراكية، الشيوعية، الليبرالية)، ما ساعد على التحرر من أعباء الإيديولوجيا والانفتاح على معالجة الأزمات المعاصرة الأكثر إلحاحاً.

وتزامن ذلك التحول مع تغير مدلولات المفاهيم الكلاسيكية، بحيث أصبحت تحمل معانٍ سلبية في العقل الباطن، مثل «الاستشراق» و«الإمبريالية» و«الاستعمار»، وغيرها من المصطلحات التي كانت تحمل معانٍ براقة في الثقافة الغربية خلال القرن التاسع عشر، إلا أنها حملت مدلولات سلبية في القاموس السياسي خلال القرن العشرين، وكذلك الحال بالنسبة لمفهوم «الإيديولوجيا» الذي بات يثير نفور العاملين في الشأن السياسي، ما دفع بالرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما للإعلان عن استقلاله من الإيديولوجيا والتفكير الضيق والتمييز والتعصب، في خطاب تنصيبه عام 2009.

وجاء تصريح أوباما ليعكس نمط التطور الذي طرأ في مدلولات «الإيديولوجيا»، بحيث أصبحت كلمة «مؤدلج» تشير إلى ضيق الأفق، وتستعمل كرديف للتضليل وتزييف الحقائق، في حين اعتُبرت الهيمنة الإيديولوجية مؤشراً سلبياً يحد من وعي الشعوب والجماعات.

وشهدت السنوات الأخيرة من القرن العشرين ظهور العديد من الكتابات التي بشرت بنهاية عصر الإيديولوجيا، وباضمحلال الفروقات الإيديولوجية بين اليسار واليمين كنتيجة حتمية لانتصار الليبرالية على الشيوعية، وتحول البشرية إلى القبول بدولة الرفاه، والسلطة اللامركزية، والنظام الاقتصادي المختلط، والتعددية السياسية.

وبعيداً عن الجدليات القائمة حول فرضيات «نهاية الإيديولوجيا»، يمكن ملاحظة تطورات رديفة لدى الأحزاب العربية، حيث انحسرت أحزاب اليسار القومي، وعلى رأسها حزب البعث العربي الاشتراكي عقب الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.

وعلى إثر انهيار الاتحاد السوفيتي، هجر العديد من قادة الحركات الشيوعية أحزابهم وتحولوا إلى منظرين للعلمانية وللدولة المدنية وحقوق الإنسان.

وفي معركتها الأزلية مع التيارات الإسلامية، آثرت معظم الحركات الليبرالية التحالف مع السلطات الحاكمة، وعمدت إلى ممارسة التحريض والدعوة إلى كبت الحريات بحجة عدم وعي الشعوب والحاجة إلى توعيتها قبل منحها حرية اتخاذ القرار.

أما على صعيد الحركات الإسلامية، فقد هيمنت ظاهرة الانشقاقات والانقسامات، بحيث تنصلت العديد من الجماعات الإسلامية من ربقة الانتماء إلى «الإخوان المسلمين» الذين عانوا من انشقاقات واسعة النطاق، في حين تحولت «السلفية» إلى تيارات متصارعة مثل «السلفية الجهادية» و«السلفية العلمية» و«السلفية الحركية»، وبات من غير الممكن تتبع مشروع واحد أو نظرية جامعة لتلك الجماعات التي انشغلت في صراعاتها.

وبرزت ظاهرة الحكم الطائفي في العراق وسوريا ولبنان واليمن، كما هيمنت عصبويات «ما دون الدولة» (عشائرية، قبيلة، مناطقية، مذهبية، وإثنية) على ظاهرة التشكل السياسي في مرحلة الجمهوريات المتداعية، ما أدى إلى اندلاع صراعات مجتمعية، ووقوع انتهاكات إنسانية مروعة نتيجة انتشار خطاب الكراهية والطائفية والاحتقان المجتمعي.

وفي ظل انهيار المنظومة السياسية التقليدية، وانهيار الحكم العسكري المرتكز على الفكرة القومية والحزب الحاكم، برزت ظاهرة الأحزاب الوظيفية ـ المصلحية، والتي ترتكز على دعم وتمويل بعض القوى الإقليمية والدولية بدلاً من ارتكازها على الإيديولوجيا أو التأييد الشعبي.

حرب المصطلحات

ثمة مشكلة أخرى في الممارسة السياسية في العالم العربي تتعلق بالنظرة السلبية التي تبنتها الثقافات الغربية إزاء الحضارة الإسلامية، حيث أدى الصراع طويل الأمد إلى شن حرب مصطلحية لا تزال آثارها ظاهرة إلى يومنا هذا.

ففي القرون الوسطى أطلق الأوروبيون على المسلمين اسم «السراسنة» الذي يرادف مفهوم «الهمج» في تعبيراتهم اللغوية، كما استخدم الأوروبيون مسميات ذات طابع دوني في تعاملهم مع المسلمين كإطلاق اسم «الأتراك» عليهم سواءً أكانوا أتراكاً أم عرباً، وكان المصطلح عندهم يعني الشخص المتوحش القاسي، واصطلحت فئة منهم على تسمية المسلمين باسم «المحمديين»، وانتشرت تلك التسمية إلى درجة دفعت بالباحث البريطاني هاميلتون غيب لوسم كتابه عن الإسلام باسم «المحمدية».

وفي مرحلة «الكشوف الجغرافية» وظهور القوى البحرية الأوروبية، أطلق الأوروبيون صفة «القراصنة» على الشعوب المسلمة التي وقفت في وجههم، وأصبح الساحل الجنوبي للخليج العربي يحمل اسم «ساحل القراصنة» في الوثائق الرسمية البريطانية.

وأفضت النزعة العدائية لدى الغرب إلى تشويه سمعة القوى العربية التي مارست التجارة والمواصلات البحرية عبر آلاف السنين، وإسباغ صفة القرصنة عليها لمجرد مقاومتها للغزو الغربي.

وفي غضون القرن العشرين، ظهر مصطلح «الإرهاب» الذي كان في أصله يشير إلى استهداف المدنيين في الصراعات وأعمال العنف، لكن استخداماته بدأت تنحصر على الجرائم التي ارتكبتها جماعات الغلو باسم الإسلام دون غيرها، بحيث ذاع دمج كلمة «الإسلامي» إلى «الإرهاب» في الصحافة الغربية والتصريحات الرسمية للمسؤولين الغربيين الذين لم يترددوا في الحديث عن ضرورة مكافحة «الإرهاب الإسلامي».

ولا تكمن المشكلة في قصر مسمى الإرهاب على الجماعات التي تتحدث باسم الإسلام فحسب، بل في نفي صفة الإرهاب عن الأعمال التي تستهدف المدنيين من قبل جماعات أخرى غير مسلمة، بحيث بات يصطلح على تسميتها بالتطهير الديني أو الإثني أو أعمال العنف، في حين انحصر مفهوم «الإرهاب» في معظم الصحافة الغربية على «الإسلام».[3]

وإمعاناً في ذلك التوظيف السياسي المجحف، تجاهلت معظم المصادر الغربية حقيقة أن المسلمين هم أكبر ضحايا الإرهاب، سواء أكان إرهاب الدولة أم إرهاب الأفراد أم إرهاب جماعات التطرف والغلو، ما دفع بموقع «ديلي بيست» لنشر دراسة تُذكّر بأن 98% من منفذي جرائم الإرهاب في أوروبا و94% في أمريكا ليسوا مسلمين، وتؤكد في الوقت نفسه على أن المسلمين يمثلون العدد الأكبر من ضحايا الحرب الأمريكية على الإرهاب، فضلاً عن تعرض الشعوب المسلمة لانتهاكات واسعة من قبل السلطات الرسمية في الصين والهند وكمبوديا وبورما والبوسنة، وإفريقيا الوسطى، وشعوب «الربيع العربي» خلال الفترة 2011 ـ 2020.

وتكمن المشكلة في استجابة الثقافة العربية لتلك الحروب المصطلحية، والقبول بوسم الدين الإسلامي دون غيره بتهمة «الإرهاب»، ونشر المقالات والدراسات والأفلام والأعمال الفنية التي تصوّر الإرهابي على أنه رجل مسلم، وذلك في مقابل تصوير رجال الدين في العقائد الأخرى بصور التسامح، ما أدى إلى تعزيز حالة من الانهزامية والشعور بالدونية لمجرد الانتماء إلى الإسلام الذي يدعو في حقيقته إلى التسامح والتعايش وحرية الاعتقاد.

وعلى الرغم من خطورة «الإرهاب» وتأثيره السلبي على الأمم والشعوب، إلا أن استخداماته الإعلامية والسياسية قد طغت على جهود محاربته والقضاء عليه، إذ إنه بات يستخدم كوسيلة للحط من قيمة الخصوم وتشويه صورتهم، وتم توظيفه كمبرر لشن حملات عسكرية كبرى لم تقض على الظاهرة الإرهابية بل عززتها.

وإذا أخذنا بالاعتبار أن الإرهاب تسبب بمقتل نحو 18.8 ألف شخص عام 2017، مقارنة بالتلوث البيئي الذي يؤدي إلى مقتل 9 ملايين شخص سنوياً، ومرض السكري ومضاعفاته التي تودي بحياة نحو 3.5 مليون شخص سنوياً، وحوادث السير التي تتسبب بإزهاق أرواح 1.35 مليون شخص سنوياً وفق تقديرات منظمة الصحة العالمية، فإن خطر الظاهرة الإرهابية لا يرتكز على عدد القتلى بل على إثارة الرعب بين البشر، خاصة وأن الجماعات الإرهابية باتت تستخدم أدوات متطورة لإثارة الرعب نتيجة عجزها عن شن الحروب الشاملة أو إلحاق الهزيمة بخصومها، كما باتت تعتمد على مؤسسات إنتاج إعلامي وآليات تصوير تُستخدم في الأفلام، وتختار مسرح الجريمة بدقة، وتؤمن تغطية إعلامية ضخمة، ما يؤكد على أن الإرهاب قد تحول إلى صنعة متقدمة في تقنياتها وأدواتها والجهات التي تقف خلفها وتروج لها.[4]

تحرير الأذهان عبر تحرير المصطلحات

استخدمت النظم الاستبدادية منظومة مصطلحية مقيتة لتشويه سمعة خصومها، ومنها مصطلح «الرجعية» لتشويه سمعة الحركات الإسلامية، وإطلاق تهم «الخيانة» و«العمالة» و«التآمر» ضد المعارضين، وتوظيف المسميات السلبية بصورة ممنهجة لتبرير القمع وإصدار الأحكام التعسفية بحق المخالفين.

وفي أتون معارك الاستقطاب الإقليمي، تخوض المؤسسات الإعلامية الكبرى في العالم العربي معركة مصطلحات تهدف إلى ترجيح معارك الفرز الإيديولوجي، ما يعزز الظاهرة الانقسامية ويكبل العقل العربي في منظومة مصطلحية مقيتة تعمل على تعزيز الانقسامية وتثير الكراهية وسياسات التمييز، كما يؤدي الخلط في المصطلحات السياسية إلى وقوع أخطاء جسيمة في الفهم وفي الممارسة على حد سواء، وخاصة في المجالات التالية:

1 ـ  الخلط بين النظريات والنظم: فالنظرية تُعنى بشرح كيفية حدوث الظواهر الطبيعية، أما «النظرية السياسية» فتُعرّف بأنها: «جهد فكري ينقل الظواهر العامة إلى إطار واقعي في تحديد ما ينبغي أن يكون عليه المجتمع»، وذلك في مقابل النظام السياسي الذي يتشكل من مجموعة مؤسسات تتوزع عملية صنع القرار السياسي فيما بينها، كالمؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وتقوم بأدوار متعددة استناداً إلى سلطة مخولة، وتحقيق أكبر قدر من المصالح العامة والعمل على الحد من التناقضات الاجتماعية.

وقد أدى ضعف التجربة النظمية في الثقافة العربية خلال القرن العشرين، وانحصارها بين ظاهرتي الاستعمار والاستبداد، إلى وقوع خلط كبير في التمييز بين النظريات والنظم، ما دفع بالبعض لإضفاء الصفة النظرية على النظام السياسي أو التعامل مع مكوناته وكأنها نظريات منفصلة عن بعضها، علماً بأن مكونات النظام لا بد وأن تكون متماسكة ومتكاملة فيما بينها.

ونتج عن ذلك التعميم وسم مؤسسات الحكم وربما النظام بأسره بصفات سلبية، ومن ذلك تصنيف الديمقراطية ضمن دائرة «الكفر» من قبل بعض الجماعات الإسلامية، دون التمييز بين النظرية الديمقراطية من جهة، وبين النظم الديمقراطية التي لا تعدو أن تكون أدوات تهدف إلى تحقيق أكبر قدر من المشاركة الشعبية في صياغة القرار السياسي وتنفيذه من جهة ثانية.

وكذلك الحال بالنسبة للنظم اللامركزية والفيدرالية، والتي تم التعامل معها في فترة الحكم المركزي على أنها أفكار هدامة تهدف إلى تقسيم الوطن وتجزئته، دون النظر إلى عجز النظم المركزية عن استيعاب مقتضيات الزيادة السكانية والانزياحات البشرية الكبرى التي عانت الشعوب العربية منها في مطلع القرن الحادي والعشرين.

ويُغرق بعض المتشبعين بمفاهيم «الطهورية» وفرضيات «التصرف الصحيح» في التعامل مع النظم السياسية من خلال تخيل نموذج مثالي للحكم ورفض أية ممارسة سياسية خارجه، حيث تمثل الظاهرة «الطهورية» أحد أبرز مكونات حركات الغلو ومعتقدات التكفير، إذ إنها تدفع أعضاء تلك الجماعات لادعاء «الحق المطلق»، وتبرير ممارسات القتل والتصفية بحجة الكفر أو الردة عن الدين.

ولطالما استُخدمت في مرحلة «الربيع العربي» المفاهيم الطهورية من قبل الجماعات الراديكالية المتطرفة، وتم توجيه تهم مثل: معاداة «أهل البيت» أو محاربة «الخلافة» أو التآمر ضد «روجافا» كمبرر لارتكاب أشنع الجرائم وممارسة القتل الجماعي بحق النساء والأطفال والتنكيل بالمدنيين وتعذيبهم وتصفيتهم بدم بارد.

2 ـ  دمج الإدارة بالحكم: وكذلك الحال بالنسبة للخلط بين مفهوم «الحكم» (بتصنيفاته، البسيطة، والمركبة، والمركزية، والفيدرالية، والاتحادية، والملكية، والجمهورية، والبرلمانية، والرئاسية)، وبين مفهوم «الإدارة» التي تهتم بتطبيق السياسات العامة في الدولة، وبممارسة أعمال التخطيط وإدارة شؤون العاملين في القطاع العام، وتعزيز مفاهيم المراقبة والمحاسبة وقياس الأداء، حيث وقعت العديد من الحركات في خطأ دمج الإدارة والحكم ضمن مفهوم «الحاكمية»، وربطهما بمسائل الاعتقاد بهدف توصف مكونات النظام بأنها «كفرية» أو «بدعية» أو «وضعية»، ووسم العاملين في مختلف قطاعات الإدارة العامة في الدولة بأنهم كفار أو مرتدون.

ولا شك في أن هذه النزعات المتشددة ناتجة عن الجهل المطبق وضيق الأفق، إذ إن علماء السياسة الشرعية (وعلى رأسهم الماوردي ت 450هـ ـ 1058م) قد ميزوا قبل أكثر من ألف عام بين: «التشريع» و«التفويض» و«التنفيذ»، فوسعوا مجال العمل في الدائرة التنفيذية على أوسع نطاق، بينما كانوا أكثر حذراً في مجال التشريع الذي يشكل جانباً محدوداً من منظومة الحكم.

3 ـ  الوقوع في أسر الشعارات: تقع بعض التيارات السياسية في أسر شعارات صاغتها في ستينيات القرن الماضي دون دراسة أو تمحيص، وبمرور الزمن اكتسبت قدسية دينية بحيث أصبحت ترتبط بالعقيدة، ومن ذلك إطلاق شعار «الخلافة هي الحل» وهي مقولة لا يُسلّم بها من عاش الفترة المتأخرة من العصر العباسي الثاني، والتي فقد الخلفاء فيها سائر صلاحيتهم وخضعوا لسيطرة قوى أخرى، فضلاً عن ظهور ثلاث نظم سياسية تدعي الخلافة في آن واحد (العباسية ببغداد، والأموية بالأندلس، والفاطمية في القاهرة) ما دفع بالماوردي لتصنيف كتاب «الأحكام السلطانية» بهدف التأصيل لشرعية السلطنة مع وجود الخلافة التي فقدت سيطرتها بالكامل في عهده.

وأكدت تجربة «الدولة» التي استحدثها تنظيم «داعش» أن محض الإعلان عن وجود «خليفة» لا يوفر حلولاً لمشاكل البشرية، ولا يحقق أيّاً من المطالب الشرعية، ولا يُلزم أي مسلم بالانضواء تحت راية شخص مجهول توافق على بيعته شرذمة من الحالمين في سراديب مغلقة بعيدة عن أعين الناس.

ولا شك في أن الثقافة العربية ـ الإسلامية بحاجة إلى ترميم وتجديد منظومتها الفكرية واستعادة الألق النظمي الذي تميزت به في القرون الوسيطة، حيث كان لها الفضل الأكبر في إنشاء نظم إدارة وحكم غاية في التطور والازدهار، ويرى العديد من المؤرخين الغربيين أن مفكري أوروبا في القرن التاسع عشر قد لجأوا إلى التجربة النظمية الإسلامية لتطوير مفاهيم الديمقراطية وتطبيقاتها من خلال إدخال مفاهيم «الشورى» و«أهل الحل والعقد» و«تفويض السلطات» على النظرية الديمقراطية ذات الطابع اليوطوبي،[5] والتي ظهرت في القرن الخامس قبل الميلاد.

 



[1]  وفقاً للمركز الدولي لدراسة التطرف والعنف السياسي، فقد بلغ عدد المنضمين إلى تنظيم داعش من أوروبا والأمريكيتين 13909 أشخاص، (5904 من أوروبا الغربية، و7252 من أوروبا الشرقية، و753 من الأمريكيتين)، مقابل 8485 انضموا للتنظيم المتطرف من قارة آسيا.

[2]  أبرز تلك الحركات: الجبهة الوطنية وحركة «الزاس ابور» في فرنسا، وحزب الحرية في هولندا، والحزب =  =اليميني  الألماني، وحزب البديل لألمانيا والنازيون الجدد في ألمانيا، والحزب الوطني البريطاني، وحزب «المصلحة الفلامنكية» في بلجيكا، وحزب «إف. بي. أو» في النمسا، وغيرها من الأحزاب اليمينية المتطرفة والشعبوية الأوروبية التي بلغت أوجها عام 2017، وعملت منذ منتصف عام 2019 على حشد أكبر عدد ممكن من المقاعد في البرلمان الأوروبي بهدف تمكين اليمين المتطرف من التأثير على قرارات المفوضية الأوروبية.

[3]  أحجم الإعلام الغربي عن تسمية عمليات نفذها غير مسلمين ضد المدنيين بالعلميات الإرهابية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، الغازات السامة في مترو طوكيو (1995)، وتفجير المبنى الفيدرالي بأوكلاهوما (1995)، والتفجيرات التي قام بها الجيش الجمهوري الإيرلندي بمانشستر (1996)، والتفجيرات التي قامت بها حركة «الباسك» بمدريد (2004)، وغيرها من العمليات التي استهدفت المدنيين، دون أن يطلق عليها صفة «الإرهاب»، يضاف إلى ذلك تركيز الولايات المتحدة في حربها على الإرهاب ـ  عقب تفجيرات 11 سبتمبر 2001 ـ  باستهداف جماعات «إسلامية» دون غيرها، واحتلال دول مسلمة مثل أفغانستان (2001) والعراق (2003)، ما أدى إلى سقوط الملايين من القتلى والمصابين والمهجرين في تلك الدول التي لا تزال شعوبها تعاني من تبعات «الحرب على الإرهاب».

[4]  Yuval Harari (2018) 21 Lessons for the 21st Century, Jonathan Cape, London, pp. 159 ـ 170.

[5]  اليوطوبيا: أو الطوباوية، وتسمى في الثقافة العربية «أدب المدينة الفاضلة»، وهي فلسفة تنطلق من تحقيق مجتمع مثالي يزخر بأسباب الراحة والسعادة، ويضرب هذا النمط بجذوره في «جمهورية أفلاطون» التي تقدم رؤية مثالية في السياسة والحكم.

arrow_upward