التدريب والتطوير

لتمكين الشباب العربي من الممارسة الفاعلة في العمل السياسي

لتحميل كتاب د. بشير زين العابدين (إدارة المشاريع السياسية في عالم عربي متحول)

عبور هادئ... نحو العاصفة

يذكر الذين عاصروا دخول عام 2000م، بروز ظاهرة «حُمّى الألفية» التي اكتسحت العالم آنذاك، وما صاحبها من توقعات بانهيارات الأسواق العالمية نتيجة الارتباك الرقمي، والتنبؤات بوقوع كوارث طبيعية وحروب طاحنة...

إلا أن القرن الحادي والعشرين دخل بهدوء، ولم يشهد ذلك العام أية أحداث كبرى، تماماً كما دخل عام 1900م قبل قرن من الزمان، والذي دشن بدوره نهاية القرن التاسع عشر، قرن الاستكشافات الكبرى والإبداع العلمي، حيث أدى اكتشاف الجراثيم إلى تطوير تقنيات التطهير والتطعيم، وأسهم التخدير في تغيير تقنيات الجراحة، وساعد اختراع السماعة الطبية والترمومتر وأشعة إكس في تطوير المجال الطبي.

وتزامنت تلك التطورات مع اكتشافات أخرى أبرزها اكتشاف التركيب الذري للمادة والإلكترون، وحساب الشحنة التي يحملها، واختراع الراديو وماكينة الخياطة والآلة الكاتبة، وحلول قوة البخار محل أشرعة السفن، ومد خطوط السكك الحديدية، وإنشاء شبكات الصرف الصحي، وتغير أنماط الهندسة المعمارية نتيجة ارتفاع المباني بفضل اختراع الهياكل الفولاذية والإسمنت المسلح وإدخال المصاعد، وتوظيف الطاقة الكهربائية والمغناطيسية في العديد من الاختراعات كالتلغراف، والمصباح الكهربائي الذي أضاء البيوت بدلاً من الشموع والمصابيح الزيتية، بحيث نقلت تلك الطفرة العلمية البشر إلى مرحلة جديدة لا يمكن تخيل العودة معها إلى الوراء.

لكن التحولات السياسية المصاحبة حرفت مسار التطور العلمي، حيث نافست القوى الصاعدة كالولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا الإمبراطوريات التقليدية، والتي بذلت بدورها جهوداً مضنية للحفاظ على توازن عالمي هش، لم ينفرط عقده كما كان متوقعاً في مطلع عام 1900، بل استمر الحال على ما هو عليه حتى العقد الثاني من القرن العشرين، إذ شهد عام 1914 اندلاع حرب عالمية طاحنة امتدت حتى عام 1918، وتبعتها الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945) التي كانت أكثر دماراً، وذلك نتيجة توظيف الكشوفات العلمية في تطوير آليات القتال، واختراع الأسلحة الفتاكة التي حصدت أرواح الملايين.

وما إن حطت الحرب أوزارها عام 1945 حتى انقسم العالم إلى معسكرين، شيوعي ورأسمالي، واندلعت بينهما حرب باردة ارتكزت قبة الميزان الدولي فيها على إستراتيجية رعب لم تعرف البشرية له مثيلاً جراء ظهور السلاح النووي، وغيره من الأسلحة التي جعلت حروب القرن العشرين ضمن أكثر الصراعات فتكاً بالبشرية عبر التاريخ.

وعلى الرغم من ضراوة الحروب التي استمرت طوال النصف الثاني من القرن العشرين، وما صاحبها من تردٍ غير مسبوق في احترام الإنسانية وصيانة الروح البشرية، إلا أن البشرية استمرت في مسيرتها دون توقف، حيث ارتفعت تقديرات سكان العالم عام 1900 إلى نحو 1.65 مليار نسمة مقارنة بنحو مليار نسمة عام 1800، وشهد القرن العشرون نمواً بشرياً هائلاً لا يعرف له مثيل في التاريخ البشري، حيث قفزت إحصائيات عام 2000 إلى 6 مليارات نسمة، واستمرت البشرية في النمو، مطلع القرن الحادي والعشرين، بمعدل 84 مليون نسمة سنوياً، وفق تقرير «صندوق الأمم المتحدة للسكان» (UNFPA)، أي بمعدل مليار نسمة كل 12 عاماً، بحيث بلغ عدد سكان العالم نحو 7,7 مليار نسمة عام 2018، ومن المتوقع أن يصل الرقم إلى 10 مليارات نسمة بحلول عام 2050.[1]

وفي حين تشهد القارة الأوروبية تراجعاً في عدد السكان ترتفع نسبة الخصوبة في دول العالم الثالث بصورة مضطردة، وخاصة منها الدول العربية، حيث قدر عدد سكان الوطن العربي عام 1950 بنحو 76,7 مليون نسمة، وارتفع عام 2018 إلى 422,7 مليون نسمة، أي إنه تضاعف نحو ستة أضعاف في أقل من سبعين عاماً.

ويمكن تتبع مظاهر الزيادة غير المسبوقة في سكان العالم العربي من خلال عدة أمثلة، أبرزها مصر، التي قُدر تعداد سكانها عام 1900 بنحو 10 مليون نسمة، وتضاعف العدد بحلول عام 1950 ليبلغ نحو 20 مليون نسمة، ثم بلغت الزيادة ضعفين عام 1979، حيث وصل عدد السكان إلى 40 مليون نسمة ذلك العام، وتضاعف التعداد مرة أخرة ليتجاوز مئة مليون نسمة بحلول عام 2018.[2]

وتزامنت تلك الزيادة المضطردة في السكان مع بروز ظواهر الهجرة من الريف إلى المدينة، وحركة الاغتراب الضخمة التي لم يشهد تاريخ الهجرات العربية لها مثيلاً في القرون الماضية، حيث يقدر عدد المهاجرين العرب اليوم بنحو 50 مليون نسمة، يقطنون في أمريكا اللاتينية وأوروبا وأمريكا الشمالية وجنوب آسيا وغرب أفريقيا، ودول مجلس التعاون، وغيرها من الأقاليم.[3]

إرهاصات «الانفجار الكبير»

على الرغم من أن دخول عام 2000 كان في معظمه هادئاً بالنسبة للمنطقة العربية، إلا أن إرهاصات «الانفجار الكبير» بدت ماثلة للعيان، فقد شهد ذلك العام انفراط عقد منظومة الحكام الذين استحوذوا على حكم الجمهوريات العربية عدة عقود، إذ مات الرئيس السوري السابق حافظ الأسد عام 2000، تبعه الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين الذي أطيح بحكمه عام 2003 (أعدم عام 2006)، وتوفي بعد ذلك كل من الرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات عام 2004، ورئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري الذي اغتيل عام 2005، ما أدى إلى حالة من الفراغ في المشرق العربي (الشام والعراق) لم يتمكن خلفاؤهم من ملئه حتى اليوم.

وسرعان ما شهدت مصر والمغرب العربي حالة شبيهة تمثلت في: فرار الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي من تونس، وتنازل الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك عن الحكم، ومقتل الرئيس الليبي السابق العقيد معمر القذافي عام 2011، وتنازل الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح عن حكم اليمن عام 2012 (قُتل عام 2017)، تبعهم الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة الذي أعلن استقالته عام 2019، والرئيس السوداني السابق عمر البشير الذي أطيح بحكمه في العام نفسه.

وآذنت تلك التطورات بانتهاء حقبة الحكم الانقلابي ـ  العسكري التي هيمنت على العالم العربي عقب مرحلة سابقة أطلق عليها مرحلة «الاستعمار»، والتي خاضت فيها القوى الشعبية صراعاً مريراً للانعتاق من ربقة النظم الاستعمارية ـ  الانتدابية في النصف الأول من القرن العشرين.

وبرزت في المرحلة التي اصطلح على تسميتها «الربيع العربي» (2011 ـ 2020)، مظاهر السخط الشعبي العارم إزاء هيمنة فئات ضيقة تهيمن على الثروات الوطنية وتُغرق الجمهوريات في دوامة المديونية والفوضى والقمع والفساد، والتي بلغت أوجها في كل من العراق ولبنان عام 2019.

ولا يمكن عزو ذلك الحراك الشعبي إلى الزيادة السكانية فحسب، بل كان للتدهور الاقتصادي، والنزوح من الريف إلى المدينة، والهجرات واسعة النطاق نحو الخارج، أدوار مهمة، يضاف إليها عوامل أخرى أبرزها:

 ـ  تنامي مظاهر الفساد، حيث صُنفت العديد من الجمهوريات العربية في ذيل قائمة مكافحة الفساد في تقرير «منظمة الشفافية» السنوي لمؤشر مدركات الفساد (CPI) الرابع والعشرين لعام 2018، إذ حصلت 86% من 22 دولة عربية شملها المؤشر على درجة أقل من 50%، وكانت الصومال الأكثر فساداً محتلة المرتبة الأخيرة (180)، سبقتها سوريا واليمن اللتان تشاركتا المركز (178)، تبعتها دول عربية تحدث التقرير عن الأوضاع فيها مشيراً إلى: «خضوع سياساتها وميزانياتها ومصارف أموالها لنفوذ شخصيات تعمل لمصالحها الشخصية على حساب المواطنين»، ما يفسر غياب الإرادة السياسية لمكافحة الفساد في القطاع العام، والعجز عن تحقيق الالتزامات الدولية حسب الاتفاقيات الأممية وعدم الوفاء بتعهدات التنمية المستدامة، وتقييد حق حرية الرأي والتعبير، ومنع استقلال القضاء لتفادي محاسبة الفاسدين واسترداد الأموال المنهوبة، ما أدى إلى ارتفاع الكلفة التقديرية للفساد في المنطقة العربية إلى ترليون دولار ومئتي مليار دولار عام 2018.[4]

 ـ  ومثلت البطالة سبباً أكبر في تأجيج السخط الشعبي، حيث صنفت إحصائيات «البنك الدولي» بالتعاون مع «منظمة العمل الدولية» (سبتمبر 2018) منطقة الوطن العربي بأنها أعلى منطقة جغرافية في العالم في نسب البطالة، إذ شكلت نسبة 9.81% من إجمالي سكان العالم العربي، وذلك مقارنة مع المعدل العالمي لنسبة البطالة الذي بلغ 5.38 فقط.[5]

 ـ  وأسهمت الأمية والفقر في مضاعفة حالة التردي العربي، حيث أصبح نحو 30 مليون عربي تحت خط الفقر عام 2019، وتفشت الأمية التي شملت نحو 57 مليون عربي لا يعرفون القراءة والكتابة وفق تقديرات نشرت عام 2017، فضلاً عن عدم التحاق أكثر من 15 مليون طفل عربي بالمدارس عامي 2017 و2018.

 ـ  وكان لحقبة «الربيع العربي» أكبر الأثر في زيادة مظاهر الترهل العربي، حيث بلغت القيمة التقديرية لإعادة إعمار البنى التحتية نحو 600 مليار دولار،[6] وارتفعت خسائر الناتج المحلي العربي إلى 300 مليار دولار، فضلاً عن سقوط ملايين القتلى والجرحى في الحروب الأهلية والمعارك التي لا تزال محتدمة حتى تاريخ تدوين هذه السطور.

جيل التغيير، نظرة عن كثب

بغض النظر عن الجدل الدائر حول صحة تسمية الحراك الشعبي في المنطقة العربية منذ عام 2011 باسم «الربيع العربي»، فإنه من الواضح أن الموسم لم يثمر بعد، بل تبدو التقديرات الإنسانية والاقتصادية والتنموية للعقد الثالث من القرن الحالي أكثر قتامة من سابقه.

ولا يزال الشباب العربي الساخط يندفع بعشوائية في شتى الاتجاهات للتخلص من نير الحكم الشمولي ومؤسساته، ما يعزز ظاهرتي الفوضى والعنف المصاحبتين لمراحل التحول التي تمر بها الأمم، مقابل غياب النخب القادرة على ترشيد الحراك الثوري وتوجيهه نحو التشكل الإيجابي.

ويبدو من الواضح أن إسقاط الزعامات العسكرية لم يكن كفيلاً بإصلاح المعضلات التي شابت الحكم الجمهوري العربي بعد الاستقلال، بل فاقم مظاهر التدهور الاقتصادي والانقسام المجتمعي وتفشي البطالة، وعزز ممارسات القمع الرسمي والانتهاكات واسعة النطاق.

وفي ظل غياب الحركات الإصلاحية القادرة على تحويل الحراك الشعبي إلى ربيع فعلي، يبدو أن المجتمعات العربية لا تزال بحاجة إلى مرحلة جديدة تتشكل فيها بواكير الحكم المدني الرشيد لمعالجة أربع معضلات رئيسة هي:

تحديد نمط الدولة البديلة وملامح هويتها القومية.

إعادة الإعمار وإصلاح البنى التحتية وقطاع الخدمات.

تحقيق التمثيل الشعبي المتكافئ على أنقاض المنظومة السابقة.

معالجة الآثار الاقتصادية المروعة لانهيار المنظومة الجمهورية وتوفير الوظائف وفرص العمل.

وتقع هذه المهمة العسيرة على عاتق جيلين رئيسين هما:

1 ـ  جيل الألفية الثالثة (Millennial Generation): وهو الجيل الأول في التاريخ الذي نشأ وترعرع في البيئة الرقمية، من مواليد الفترة 1980 ـ 2000، حيث مثلت هوياتهم ومواقفهم وسلوكياتهم نمطاً مختلفاً عن الأجيال التي سبقتهم، ويقدر عددهم في العالم العربي بنحو 110 ملايين شابة وشاب، في حين ترفعه بعض المصادر إلى 135 مليون، ويتميزون بتحصيل علمي أكثر من أي جيل سبقهم، وبقدرتهم على توظيف التقنيات الرقمية والتواصل الشبكي للمطالبة بقضاياهم، كما أنهم أكثر وعياً بحقوقهم، وأكثر استعداداً للمجازفة من أجل تحقيق ما يؤمنون به، وهم في الغالب أقل أيديولوجية وتزمتاً من الأجيال التي سبقتهم.

ويهيمن على هذه الفئة حالة من القلق إزاء انعدام الاستقرار المالي وعدم القدرة على تحقيق الاستقلالية المادية، وحرمانهم من فرص العمل والعيش الكريم، فضلاً عن ارتفاع تكاليف المعيشة، وتفشي البطالة والفساد، ويتوقع أن يستمر هذا الجيل في إرباك السلطات السياسية عبر توظيف التقنيات الرقمية واستخدام وسائل التواصل في الحشد والعمل الشعبي، بحيث يتعذر السيطرة عليهم بالوسائل الرسمية التقليدية كاللجوء إلى القمع الأمني واستخدام البروباغاندا السياسية وإستراتيجيات السيطرة على الحشود.

ووفقاً لتقرير: «التنمية الإنسانية العربية للعام 2016: الشباب وآفاق التنمية واقع متغير» فإن جيل الشباب الحالي يمثل أكبر كتلة شبابيّة تشهدها المنطقة على مدى السنوات الخمسين الماضية، إذ يمثلون 30 بالمئة من سكّان العالم العربي، ولا بد من أخذ أفراد هذه الفئة بعين الاعتبار وإعطائهم حصةً يستحقونها في تشكيل مجتمعاتهم وجعلهم محطَّ الاهتمام، سياسيّاً واجتماعيّاً واقتصادياً.[7]

ويطلق البعض على هذا الجيل اسم (Generation Y)، والذي يمكن ترجمته حرفياً إلى «جيل: لماذا»، وذلك لنزوعهم إلى التشكيك في كل ثوابت الحقبة الماضية، وميلهم نحو التحصيل العلمي بطرق غير تقليدية، واهتمامهم بكسب المهارات، والقفز على المراحل التعليمية والمهنية من خلال توظيف الإبداع التقني لتوفير الخدمات وتحسين مستوى المعيشة، وهم لا يشكلون ثورة في سوق العمل فحسب، بل يتسع تأثيرهم ليشمل قطاعات التعليم والخدمات، إذ يدفعون باتجاه توظيف التكنولوجيا لتعزيز التواصل الجماعي والتحشيد والتأثير في الجموع بصورة تفوق قدرة مؤسسات الدولة، ولا يؤمنون بالمرجعيات الإيديولوجية الكلاسيكية التي سادت في الحقبة الماضية، بل يعتمدون على منظومات شبكية تم تطويرها في العالم الافتراضي بحثاً عن الاستقلالية والحرية في الاختيار وفي إبداء الرأي وفي اتخاذ القرار.

ولا تخضع هذه الفئة لنمط التراتب الهرمي الذي قامت عليه المجتمعات العربية في القرن العشرين، بل ينتشر تأثيرها أفقياً من خلال «الامتداد الشعبي» (Grassroots) الذي من شأنه قلب هرم السلطة رأساً على عقب، واضعاً القاعدة الأوسع في أعلى تراتبية التأثير والنفوذ.

2 ـ  جيل ما بعد الألفية (Generation Z): وهو الجيل الذي ولد بعد عام 2000، وهو أكبر حجماً من الجيل السابق، حيث يُقدّر تعداده بنحو 140 مليون نسمة لم يعرفوا منذ ولادتهم سوى الأزمات والكوارث في المنطقة، بما فيها ثورات تونس والجزائر والسودان، وحروب العراق وسوريا واليمن وليبيا واليمن، وهم الأكثر معاناة من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية الناتجة عن تلك الحروب، ويصنف الملايين منهم ضمن ضحايا حركة اللجوء الضخمة التي تزامنت مع أحداث «الربيع العربي» (2011 ـ 2020)، حيث بلغت نسبة اللاجئين من المنطقة العربية نحو 40 بالمئة من أصل 60 مليون لاجئ في العالم عام 2018، أي نحو 23 مليون لاجئ من العالم العربي،[8] وخاصة في سوريا التي أُرغم نحو 5.6 ملايين نسمة على مغادرتها، وانتشر 6.6 ملايين نسمة منهم كنازحين داخل البلاد، كما فر الملايين من مواطن الصراع في ليبيا واليمن، وكذلك من العراق التي غادرها نحو من 4.4 ملايين شخص في حربي الخليج الأولى والثانية (1990 و2003)، وأُرغم ما يُقارب من 3.4 ملايين على الهجرة بعد ظهور دولة «داعش» عام 2014، فضلاً عن وجود نحو مليوني نازح داخل البلاد، ويضاف إلى هذه الحصيلة المروعة نحو 5.9 مليون لاجئ فلسطيني وفق تقديرات وكالة غوث اللاجئين (أونروا) عام 2017.[9]

ومن خلال استشراف سلوك هذا الجيل ـ  الذي دخلت أول دفعة منه الجامعات عام 2018 ـ  يمكن القول: إنه ينزع إلى كسر القوالب التقليدية في نظرته للتعليم والعمل ونمط الحياة نتيجة توفر الكم الهائل من المعلومات والمصادر التي لم تكن متاحة لأي جيل سابق، وينزع نحو الانفتاح والاهتمام بالمشاكل الإقليمية والدولية مقابل تضاؤل الحس الوطني وضعف الشعور بالانتماء للوطن نتيجة تحمله العبء الأكبر من عمليات التهجير القسري والتطهير العرقي والنزوح واللجوء.

وبناء على تلك المعطيات فإنه من المتوقع أن يفرض هذا الجيل معايير جديدة في احترام الحقوق الأساسية والحريات العامة، وفي تبني مفاهيم السيولة السياسية والاقتصادية بصورة تختلف جذرياً عن المفاهيم التي سادت لدى الأجيال السابقة.

وتشير الدراسات المعاصرة إلى خطورة ضعف مداركنا بهذا الجيل وبالفروق التي تميزه عن جيل «الألفية»، وخاصة فيما يتعلق بنزوع أبنائه للتمرد على المنظومات المجتمعية التقليدية، وطموحهم في التأثير عبر بناء نظم ونماذج مغايرة، فعلى الرغم من هوسهم بالعالم الرقمي، إلا أن هذا الجيل يختلف عن سابقه في الرغبة بالتواصل المباشر بدلاً من التواصل الرقمي.

ويُتوقع أن يشهد العالم العربي متغيرات كبرى لدى استحواذ هذين الجيلين (اللذين يبلغ مجموع تعدادهما نحو 275 مليون نسمة أي نحو 65 بالمئة من مجموع سكان العالم العربي) على الحياة العامة، حيث يمكن استشراف معركة أجيال أكثر شراسة في العقد الثالث من تلك التي أججها «الربيع العربي» في العقد الماضي، حيث يمكن أن تشهد المنطقة جولة ثانية من السخط الشعبي الذي سينتج موجة «تسونامي» عاتية يمكن أن تودي بالمنظومة الإقليمية العربية بأسرها، بعد أن أودت الموجة الأولى بمنظومة الحكم الاستبدادي في الجمهوريات العربية.

تحديات العقد المقبل

تتمثل الظاهرة الأبرز خلال العقد الثالث من القرن الحالي في انتقال البشرية إلى مرحلة «الثورة الرقمية» التي يُتوقع أن تكون أعظم أثراً على البشرية من «الثورة الصناعية» التي شهدها العالم في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وخاصة فيما يتعلق بقطاع المعلومات الذي تضاعف بمعدل 10 أضعاف كل عامين على مدار العقود الثلاثة الماضية.

ويُتوقع أن تحدث «الثورة الرقمية» (يطلق عليها كذلك «الثورة التقنية» و«ثورة المعلومات» و«ثورة الاتصالات») متغيرات جذرية في سلوك جيلي «الألفية» و«ما بعد الألفية» مقارنة بالأجيال الماضية، حيث تتحدث المصادر عن تضاعف المعلومات في العصر الرقمي 200 مرة منذ عام 1982، وذلك بفضل النمو السريع في الإنترنت، وبث التلفزيون على مدار 24 ساعة، والمحتويات التي تُنقل عبر الهواتف النقالة، وطفرة التبادل المعلوماتي من خلال البريد الإلكتروني، والتغريد، ومواقع الشبكات الاجتماعية، والرسائل بشتى الوسائل المكتوبة والمنطوقة والمرئية.

وعلى الرغم من تلك النقلة الهائلة فإن ما تحقق حتى الآن، من حيث تدفق المعلومات والقدرة على تخزينها، ليس إلا جزءاً يسيراً للغاية من عملية الانتقال الكامل إلى «العصر الرقمي»، وخاصة فيما يتعلق بحفظ المعلومات التي يتم تخزين نحو 94 بالمئة منها بشكل رقمي يسمح بتدفق 295 «إكسابايت» من المعلومات (295 وإلى جانبها عشرون صفراً) أي ما يعادل 315 ضعف عدد حبات الرمل في الكرة الأرضية.

وستفتح تلك التطورات آفاقاً واسعة في مجالات: مصادر المعلومات المفتوحة (OSINT) ووسائل الإعلام الاجتماعي (SOCMINT)، والاستخبارات الاجتماعية (COMMUNIT)، وتقنيات الجيل الخامس (5G)، وستكون المنظومات الاستخباراتية والأمنية التقليدية الأكثر تضرراً في تلك الحقبة خاصة وأن ممارستها القمعية قد أحدثت فجوة هائلة بين «أمن الدولة» و«أمن المجتمع».

وفي المقابل يُتوقع أن تفتح مصادر «المعلومات المفتوحة» آفاقاً لمرحلة جديدة تقوم على تحديات أمنية غير مسبوقة، حيث تجلب التقنيات المتطورة معها تهديدات بالغة الخطورة في عالم الفضاء الإلكتروني والحروب السيبرانية، إذ تشكل نظم الاختراق والتشويش تهديداً وجودياً للجيوش النظامية، وتُضاعف من مخاطر حيازة واستخدام أسلحة الدمار الشامل من قبل فئات مارقة، فضلاً عن قيام الجماعات الراديكالية بتوظيف التقنيات الرقمية للدعاية والتجنيد وتنفيذ العمليات الإرهابية، وسعي بعضها لتعطيل شبكات التواصل عبر العالم أو التحكم في مسارات الطائرات والسفن والبوارج الحربية، ومحاولات تعطيل الإضاءة بالمدن الكبرى، وحيازة تقنيات الطائرات القتالية دون طيار والتي أصبحت متاحة لمعظم الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة.

وفي ظل الازدحام السكاني، وتراجع منظومة القيم والمُثُل، وتضاؤل دور النخب، تتحدث المصادر الاستشرافية عن فقدان الدولة دورها ـ  بالمفهوم القانوني ـ  لتحل محلها دويلات أو مجموعات إثنية تدعمها قوى خارجية، بحيث تسعى كل مجموعة للاستئثار بحصة من الموارد الطبيعية والمنافذ المائية على حساب المجموعات السكانية الأخرى.

ونظراً لضعف الجيوش التقليدية وإفراغ ترساناتها من الأسلحة النوعية خلال مرحلة «الربيع العربي»، تبرز مخاطر جمة على صعيد العلاقات المجتمعية، حيث يُتوقع أن تلجأ الجماعات الإثنية والطائفية المسلحة والشركات الأمنية وقوات المرتزقة، لخوض أنماط جديدة من الصراعات العابرة للحدود يطلق عليها «الحروب اللامتماثلة»،[10] والتي تنتقل بموجبها المعارك من «الحروب بين الدول» إلى «الحروب بين الشعوب» وتقوم على مزيج من: الأسلحة التقليدية، والتكتيكات غير النظامية، والممارسات الإرهابية، والسلوكيات الإجرامية للمجموعات المسلحة خارج إطار الدول.

ويُتوقع أن تعزز حالة التراجع القُطري في الدول العربية وضعف السلطة المركزية فيها ظاهرة تعاظم الإمبراطوريات المالية واتساع نفوذها، مكتسحة الاقتصاديات المحلية (Local Markets) التي يُتوقع أن تشهد نكوصاً وتراجعاً أمام تغول الشركات الغربية الكبرى.

وفي ظل تلك التحولات التي لم تعرف المنطقة العربية لها مثيلاً في تاريخها المدون، لا تبدو الجماعات السياسية وأحزاب المعارضة أوفر حظاً من حكومات الجمهوريات المتهاوية، حيث ظهرت أغلب تلك الجماعات في النصف الأول من القرن الماضي، وأخذت بنيتها الفكرية والتنظيمية قوالب جامدة خلال النصف الثاني منه، وتعجز اليوم عن اللحاق بركب التطور والتسلح بمصادر القوة أو أدوات الممارسة الفاعلة، في حين تنخر الانشقاقات والانقسامات كياناتها التي يبدو أنها ستؤول إلى مصير السلطات السياسية التي دأبت على معارضتها، خاصة وأن قيادات تلك الجماعات تنتمي إلى جيل سابق يجد صعوبة في التأقلم مع مقتضيات المرحلة ومع تبعاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ونظراً لعمق التحولات فإن المرحلة التي تمر بها المنطقة العربية تجعل أدوات القياس التقليدية غير فاعلة، في حين تخفق النظريات الكلاسيكية، وعلى رأسها نظريات «العودة التاريخية»، في تقديم قراءة دقيقة لملامح المرحلة المقبلة، وذلك نظراً لفرادة النموذج المقبل من حيث الزيادة العددية والتطور النوعي والظروف الجيوسياسية، ما يؤكد على ضرورة استحداث آليات جديدة للقياس والتحليل والاستنتاج، وخاصة في مجالات تحديد مصير الهوية الوطنية في مرحلة ما بعد الدولة القومية، ومآلات الانزياحات السكانية الكبرى الناتجة عن الهجرة واللجوء والنزوح، وتغير أنماط العلاقات المجتمعية، وندرة الموارد بالنسبة لعدد السكان، وغيرها من العوامل التي تتناولها الفصول المقبلة بتفصيل أكبر.



[1]  https://population.un.org/wpp/

[2]  في مطلع القرن العشرين قُدّر تعداد سكان الدولة العثمانية بنحو 30 مليون نسمة، في حين قدرت مصادر الانتداب الفرنسي عدد سكان سوريا ولبنان عام 1925 بنحو 2.86 مليون نسمة، (وجيه كوثراني «1980»، بلاد الشام: السكان، الاقتصاد والسياسة الفرنسية في مطلع القرن العشرين، معهد الإنماء العربي، بيروت، ص: 30)، وقدرت المصادر البريطانية عدد سكان سوريا عام 1943 بنحو 2.8 مليون، ولبنان بنحو 1.12 مليون نسمة

(Bourne. K, and Watt, D.C. edits. (1985) British Documents on Foreign Affairs, (E 1771/1771/89), 1st March 1945).

في حين بلغ عدد سكان سوريا عام 2018 نحو 22 مليون، ولبنان نحو ستة ملايين نسمة، وبلغ عدد سكان العراق نحو 33 مليون نسمة.

[3]  يقدر عدد المغتربين (المقيمين خارج بلادهم) من المملكة المغربية بنحو أربعة ملايين ونصف، ومن الجزائر بنحو 3 ملايين مغترب، ومن تونس بنحو مليون مهاجر. ويقيم نحو 15 مليون مغترب عربي في أمريكا اللاتينية، ونحو ستة ملايين عربي في دول مجلس التعاون، ونحو خمسة ملايين في أندونيسيا، في حين بلغ تعداد المغتربين العرب في تركيا نحو خمسة ملايين نسمة وفق إحصائيات «الجمعية العربية» في إسطنبول عام 2019.

[4]  https://www.transparency.org/cpi2018

[5] https://www.ilo.org/global/about ـ the ilo/newsroom/news/WCMS_615590 /lang ـ  ـ en/index.htm

[6]  https://www.bbc.com/arabic/business ـ 37945918

[7]  https://www.un.org/ar/esa/ahdr/ahdr16.shtml

[8]  Syria Regional Refugee Response,” United Nations High Commissioner for 

Refugees (UNHCR), last updated July 31, 2018, https: //data2.unhcr.org/en/situations/syria/location/71

[9] ـ https://www.unrwa.org/sites/default/files/content/

resources/unrwa_in_figures_2017_english.pdf

[10]   الحرب اللامتماثلة (Asymmetric Warfare) هي حرب تحددها التباينات الكبيرة بين المقاتلين في القوة العسكرية وفي طريقة تنظيم القوة وتوظيفها، ومنها: حروب العصابات، وحروب التحرير، وحركات التمرد، والعمليات الإرهابية، وغيرها من أنماط الحروب التي تقوم فيها قوات صغيرة ومتنقلة، ودون زي عسكري بمهاجمة تشكيلات عسكرية أكبر حجماً، وتستخدم فيها أسلحة خفيفة ومتوسطة، ويلجأ فيها المقاتلون إلى أنماط: التفخيخ، وزراعة الألغام، والكمائن، والعمليات الانتحارية، والاغتيالات، وغيرها من الإستراتيجيات التي لا تقوم بالضرورة على المواجهة المباشرة بين جيشين نظاميين.

arrow_upward