التدريب والتطوير

لتمكين الشباب العربي من الممارسة الفاعلة في العمل السياسي

لتحميل كتاب د. بشير زين العابدين (إدارة المشاريع السياسية في عالم عربي متحول)

«النضج النفسي» و«النضج السياسي»

يعرف النضج في علم النفس بأنه: «القدرة على الاستجابة للبيئة بطريقة مناسبة»، ويتمثل ذلك في تحلي الفرد باستيعاب الوقت والمكان المناسبين للسلوك، ومعرفة متى يتصرف، وفقاً لظروف وثقافة المجتمع الذي يعيش فيه، وغالباً ما ترتبط عملية النضج بالسن، حيث يحتاج الطفل لمرحلة من الوصاية والإشراف قبل أن يتمكن من استيعاب السياقات الاجتماعية والدينية والعاطفية والفكرية للسلوك الصحيح، ومن ثم التدرج في كسب مهارات صنع القرار بصورة مستقلة.

وتضيف التكنولوجيا تعقيدات غير مسبوقة على الأجيال الجديدة فيما يتعلق بمهارات التعامل والتفاعل مع الآخرين، حيث تتضاعف الحاجة إلى الاستقلالية في اتخاذ القرارات وتحمل تبعاتها، والتعامل مع الصراعات النفسية والاجتماعية المرتبطة بها.

وإذا أخذنا بنظرية ابن خلدون في قياس الدول على نمط حياة البشر، فإنه يمكن قياس تعريف «النضج النفسي» على «النضج السياسي» لدى الحركات والجمهوريات العربية، خاصة وأنه يقوم على إدراك المرء لواقعه، وتصوره للمكانة التي يجب أن يتبوأها في البيئة المحيطة به، وقدرته على إقامة العلاقات والاتصالات الاجتماعية المتوازنة والمثمرة، وفقاً للمعايير الاجتماعية والحقوق والحدود الشخصية للأشخاص الآخرين، وهي شروط أساسية لتحقيق النمو والتقدم والتطور.

ويتحقق ذلك القياس من خلال «علم النفس الاجتماعي» الذي يعتبر أحد فروع علم النفس، ويُعنى ببناء مجتمع أفضل قائم على فهم سلوك الفرد والجماعة، وذلك من خلال تحليل الخصائص النفسية للجماعات، وأنماط التفاعل الاجتماعي والتأثيرات التبادلية فيما بينها، باعتبار أن الجماعة هي وحدة اجتماعية مكونة من مجموعة من الأفراد تربط بينهم علاقات اجتماعية ويحدث بينهم تفاعل اجتماعي متبادل.

ويُعنى هذا المبحث بتحليل الصفات المميزة للمجموعات والحركات السياسية ونمط علاقاتها، حيث هيمنت مظاهر التوتر والعنف وضعف النضج المؤسسي بين مختلف المجموعات السكانية في بعض الدول العربية، والذي أفضى بدوره إلى تفشي ظاهرتي الانقلابات العسكرية لدى السلطة الحاكمة، والانشقاقات الحزبية على مستوى حركات المعارضة.

انقلابات وانشقاقات

تعود ظاهرة تأسيس الكيانات الجمهورية العربية إلى النصف الثاني من القرن العشرين، فباستثناء الجمهورية العربية السورية التي نالت استقلالها عام 1946، تأسست الجمهورية المصرية عام 1953، وجمهورية السودان عام 1956، والجمهورية التونسية عام 1957، والجمهورية العراقية عام 1958، وكل من الجمهورية العربية اليمنية والجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية عام 1962، وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية عام 1967، والجمهورية العربية الليبية عام 1969.

ونظراً لقصر عمر النظم الجمهورية مقارنة بالملكيات العربية التي ظهر معظمها في القرن الثامن عشر،[1] فإن مؤسسات الحكم قد وقعت ضحية الهيمنة العسكرية، حيث أحصت إحدى الدراسات وقوع أكثر من 120 انقلاباً في العالم العربي منذ منتصف القرن العشرين، منها نحو 40 انقلاباً ناجحاً لتغيير الحكم، وأكثر من 80 عملية انقلاب فاشلة، وشاب التوتر العلاقات بين هذه الدول منذ السنوات الأولى للتأسيس، حيث وقعت عدة حروب نتيجة تدخل بعض الدول في شؤون جيرانها، فضلاً عن الصراعات الحدودية وطموحات الهيمنة والتوسع.

وبحلول عام 2020 (أي في غضون 65 سنة من التأسيس)، انهارت المنظومة العسكرية على وقع الاحتجاجات الشعبية في الجمهوريات العربية باستثناء الجمهورية السورية التي لا يزال الصراع قائماً فيها حتى كتابة هذه السطور.

ومن خلال تتبع نسق التطور السياسي للجمهوريات العربية يمكن ملاحظة عوامل الضعف في المظاهر التالية:

 ـ  ضعف الحكم المدني وهيمنة العسكر على الحكم.

 ـ  غياب مفاهيم التداول السلمي للسلطة.

 ـ  تدهور العلاقة بين السلطة والمجتمع.

 ـ  تراجع الدبلوماسية واللجوء إلى القوة العسكرية لمعالجة الخلافات.

 ـ  تردي العلاقات بين الدول، وتفشي ظاهرة المحاور المتنازعة بدلاً من منظومات إنشاء الشراكات الإقليمية، حيث انقسمت الدول العربية منذ السنوات الأولى لتأسيسها إلى معسكرين متنافسين إحداهما جمهوري والآخر ملكي.

وفي عام 1958، ظهر كيانان اتحاديان عربيان، أحدهما جمهوري بين سوريا ومصر، والآخر ملكي بين الأردن والعراق، إلا أن الكيان الفيدرالي بين المملكتين الهاشميتين انهار في غضون خمسة أشهر إثر انقلاب عبد الكريم قاسم بالعراق في شهر يوليو من العام نفسه، بينما انهارت الجمهورية العربية المتحدة نتيجة انقلاب عسكري في شهر سبتمبر 1961.

وعلى الرغم من قيام نظامين انقلابيين بعثيين في سوريا (1963) والعراق (1968)، إلا إن العداوة قد صبغت العلاقة بين السلطتين حتى انهيار حكم البعث في العراق عام 2003.

ولم تكن جماعات وأحزاب المعارضة أحسن حالاً من السلطات الحاكمة، حيث هيمنت الصراعات البينية والانشقاقات الداخلية في تلك الأحزاب التي فشلت في تشكيل بدائل سياسية ناضجة عن النظم الانقلابية.

ويزخر عقد الستينيات من القرن الماضي بسلسلة ضخمة من الانشقاقات الحزبية، ففي العراق عصفت الخلافات بالأحزاب الرئيسية كالحزب الشيوعي، وحزب البعث العربي الاشتراكي، والحزب الديمقراطي الكردستاني، وتفشت ظاهرة الانشقاقات في صفوف تلك الأحزاب خلال الفترة 1964 ـ 1967، حيث خرج من عباءة «الحزب الشيوعي» العراقي: «حزب اليسار الشيوعي العراقي»، و«الحزب الشيوعي العمالي العراقي». وخرج من «الحزب الديمقراطي الكردستاني»: «الاتحاد الوطني الكردستاني»، ثم انشقت عن الأخير مجموعتان هما «حركة التغيير»، و«التحالف من أجل الديمقراطية والعدالة»، ووقع «حزب البعث» في دوامة صراعات إيديولوجية وتصفيات دموية، كما تعرض «حزب الدعوة الإسلامي» لانشقاق بين فئتي أصحاب العمائم و«الأفندية».

ولم يكن حظ الأحزاب السورية أوفر من الأحزاب العراقية، حيث انقسم «الحزب الشيوعي» إلى أجنحة أبرزها، «جناح وصال بكداش»، و«جناح يوسف فيصل». وانقسمت «الجبهة الاشتراكية» إلى عدة تيارات أبرزها، «حزب الاتحاد الاشتراكي»، و«الحزب الوحدوي الاشتراكي»، و«الحزب الاشتراكي»، و«الحزب الوحدوي الاشتراكي الديمقراطي» المنشق أصلاً عن «الوحدويين الاشتراكيين»، فضلاً عن ظهور «حزب الوحدة العربية الديمقراطي»، و«حزب العهد الوطني».

وانقسم «الإخوان المسلمون» في سوريا على أسس مناطقية، بحيث باتت الكتل المنقسمة تنسب إلى المدن التابعة لها مثل: «إخوان دمشق»، و«إخوان حلب»، و«إخوان حماة». وتجلت الظاهرة الانقسامية بصورة أوضح في «حزب البعث» الذي انشقت عنه مجموعة: «عبد الله الريماوي» في الأردن عام 1960، ومجموعتي «صالح السعدي» و«فؤاد الركابي» في العراق، وأكرم الحوراني الذي استقل بحزبه الاشتراكي عام 1962، وما لبث أن تحول الحزب في مرحلة ما بعد انقلاب 1963 إلى أجنحة وتكتلات أبرزها مجموعات، «رياض المالكي»، و«أمين الحافظ»، و«صلاح جديد»، فضلاً عن الصراع بين القيادتين: «القومية» و«القطرية»، والتصفيات التي أودت بمعظم أعضاء اللجنة العسكرية ودفعت قادة الحزب مثل ميشيل عفلق، وصلاح الدين البيطار، ومنصور الأطرش، ومحمد عمران للفرار من سوريا.

وعلى النسق نفسه، شهدت الحياة الحزبية المصرية سلسلة من الانقسامات، وخاصة منها في صفوف «التيار الاشتراكي» الذي عانى من عدة انشقاقات أبرزها: انشقاق «حزب العمل الاشتراكي» (1989)، والحركة الناصرية التي عانت من الحالة الانقسامية في تسعينات القرن الماضي، بالإضافة إلى حزب التجمع الوحدوي، وحزب الدستور، وحزب الوفد الليبرالي، وجماعة الإخوان المسلمين وحزب المصريين الأحرار وغيرها من الأحزاب التي برزت فيها الظاهرة الانقسامية كوسيلة وحيدة لحسم الخلافات الداخلية.

ولا تخرج أحزاب المعارضة في الجمهوريات العربية الأخرى عن هذا السياق، حيث يمكن سرد العديد من نماذج الأحزاب التي قامت لمحاربة استبداد السلطة، لكنها وقعت فيما وقعت الأحزاب الحاكمة من الفردية والتسلط والفساد، وعصفت بها عوامل، الطائفية والمناطقية والعشائرية، نظراً لضعف البناء الفكري وهيمنة عصبويات ما دون الدولة في مرحلة التشكل السياسي.

وبالإضافة إلى تفشي الانقلابات في السلطة والانشقاقات بين أحزاب المعارضة، ساد التوتر بصورة كبيرة بين العسكريين والمدنيين، وبين مؤسسات السلطة والمجتمع، بحيث تحولت النخب إلى فئات معزولة تقتسم الثروات والنفوذ فيما بينها، وأدى ذلك إلى انهيارها على وقع الاحتجاجات الشعبية في العقد الثاني من الألفية.

نهاية مفهوم «الصراع الصفري»

بالإضافة إلى الصراعات الداخلية والتوتر الإقليمي، مثّل العالم العربي خلال القرن الماضي حلبة صراع دولية تنافست فيها الشيوعية والرأسمالية للاستحواذ على النظم الحاكمة، وتدخلت العديد من الدول الغربية في تلك الصراعات التي امتدت من ستينيات القرن الماضي وحتى الوقت الحالي.[2]

واستغلت إيران حالة التشظي العربي لتنشئ بدورها منظومة من الجماعات الراديكالية والميليشيات الطائفية، وتؤسس من خلالها مراكز نفوذ لها في بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء وغيرها من المدن والبلدات العربية التي وقعت ضحية صراع طائفي مرير.

إلا أن التوقعات المستقبلية للعقد المقبل تشير إلى تقلص شهية القوى الإقليمية والدولية في شن المزيد من الحروب في المنطقة، ففي مقابل سقوط الإمبراطوريات العثمانية والهنغارية والبروسية وهزيمة الفاشية والشيوعية في القرن العشرين، يُعتقد أن مفهوم «الصراع الصفري» الذي يتم من خلاله استئصال الخصم والقضاء عليه بالكلية قد آل إلى الزوال في القرن الحادي والعشرين، وذلك نتيجة عجز القوى الكبرى عن تحقيق انتصارات نهائية في حروب الألفية، فيما تستمر القوى المهزومة بشن عمليات استنزافية تمتد لسنوات طويلة.

وعلى الرغم من استخدام القوة المدمرة، والأسلحة التي لم يُعرف لها مثيل في التاريخ البشري في معارك القرن الحادي والعشرين، وخاصة في أفغانستان (2001) والعراق (2003)، إلا أن الولايات المتحدة لا تزال تفاوض طالبان بهدف التوصل إلى اتفاق حول الوضع النهائي عقب مرور 18 عاماً من غزو أفغانستان، ولا يزال الوضع الأمني والسياسي في العراق متردياً عقب مرور أكثر من 16 عاماً على الغزو الأمريكي. علماً بأن الولايات المتحدة أنفقت نحو 1.6 ترليون دولارٍ من ميزانيتها على حربي أفغانستان والعراق.

وتستمر معضلة تحقيق أمن الممرات المائية في تشكيل المهدد الأمني الأكبر في الخليج العربي عقب انقضاء أكثر من 28 عاماً على نهاية حرب الخليج الأولى (1991).

وينتشر اسم «الحرب الطويلة» للإشارة إلى الحرب على الإرهاب، والتي لا تزال قاصرة دون تحقيق أهدافها على الرغم من إنفاق واشنطن نحو 6 ترليون دولارٍ في محاربة الجماعات الإرهابية عبر العالم خلال السنوات السبعة عشر الماضية دون التمكن من إعلان النصر عليها.

وإذا أضفنا التكلفة العالية للربيع العربي، الذي تقدر خسائره بنحو: ترليون دولار، وإزهاق أرواح أكثر من مليون نسمة، وتشريد نحو 25 مليون مدني، فإن المشكلة لا تكمن في التكلفة العالية للحروب الحديثة فحسب، وإنما في استدامة الأزمات الناتجة عن الحروب وعدم القدرة على حسمها، إذ تشير الدراسات الاستشرافية إلى أنه لم يعد من الممكن كسب أية حرب مستقبلية نظراً لتعقد المشهد الدولي وتداخل أطراف الصراع، بل يُتوقع أن يقع العبء الأكبر في المرحلة المقبلة على الجماعات ما دون الدولة من ميلشيات طائفية وعشائرية وإثنية لخوض الصراعات نيابة عن الدول التي ستنأى بنفسها عن خوض الحروب وتكتفي بتوفير التمويل لتلك الجماعات المتصارعة.

وبالنظر إلى تردي المؤسسات العسكرية، فإنه من المتوقع أن يتحول الصراع من الحروب بين الجيوش النظامية (الحروب المتماثلة) إلى الحروب بين المجموعات السكانية (الحروب اللامتماثلة)، والتي ستعتمد بصورة أساسية على المواجهات المباشرة والأسلحة الخفيفة والمتوسطة دون اللجوء إلى الأسلحة الثقيلة والدفاعات الجوية، في حين ستقتصر الدول الكبرى على نشر منظومات الردع وتقنيات التشويش والطائرات المسيرة في شن عمليات محدودة دون الرغبة في شن المزيد من الحروب.

وعلى الرغم من تلك التوقعات الاقتصادية والسياسية القاتمة للعقد الثالث من الألفية، إلا أن ظاهرة الصراع البيني في المجتمعات في المنطقة آيلة للزوال، في ظل فقدان الرغبة لدى الأجيال الجديدة في خوض المزيد من الحروب، حيث تشتكي معظم الميلشيات من تسرب عناصرها وإيثارهم الهجرة بأهليهم من مواطن الصراع إلى مناطق أكثر أمناً.

إدارة البيئة السياسية

في ظل التحولات الكبرى المتمثلة في: الزيادة السكانية، وثورة الاتصالات، وتغير نمط الحروب في المنطقة، يتعين على القوى السياسية أن تعمل على تعزيز قدراتها واستخدام أدوات مغايرة لتلك التي ساد العمل بها في القرن العشرين، ومن أبرز المهارات التي يتعين استحداثها، فنون إدارة البيئة السياسية من خلال أربعة محاور رئيسة هي:

1 ـ  البيئة الداخلية: وذلك من خلال تحديث القاعدة الفكرية فيما يعزز التعددية ويحترم التنوع داخل إطار المؤسسة، ووضع خطط إستراتيجية تتميز بالمرونة والمعاصرة، فضلاً عن تحديث الهياكل التنظيمية، وإدارة الموارد البشرية فيما يعزز التمثيل الشبابي، ويضمن تداول المناصب القيادية بدلاً من احتكارها.

2 ـ  البيئة الخارجية: والتي تهدف إلى تحقيق المواءمة بين المشروع السياسي وبين بيئته الخارجية من خلال رسم خارطة تضم مختلف القوى المجتمعية، ووضع آليات للتعامل مع الحاضنة الشعبية، وتحديد أنماط العلاقة مع مختلف أطراف السلطة السياسية والمؤسسات الاقتصادية التي تؤثر بدورها على المشهد السياسي.

3 ـ  إدارة العلاقة بين البيئتين الداخلية والخارجية: تواجه المشاريع السياسية تحديات ومخاطر تتعلق بإمكانية تحالف بعض القوى السياسية ضدها، أو تغير مزاج بعض أطراف السلطة تجاهها، أو إمكانية إبرام صفقات جانبية بين بعض القوى السياسية ما يفضي بدوره إلى عزل الحركة أو إضعافها، ولتجنب ذلك فإنه يتعين على المنظمة أن تمنع فرص قيام تكتلات مضادة عبر صياغة شبكة من العلاقات ضمن الدوائر التالية:

1 ـ  السلطة التنفيذية.

2 ـ  السلطة التشريعية.

3 ـ  القوى السياسية.

4 ـ  القوى المجتمعية.

5 ـ  القوى الاقتصادية.

6 ـ  القوى المخالفة محلياً.

7 ـ  القوى المؤيدة محلياً.

8 ـ  القوى المخالفة على الصعيد الدولي.

9 ـ  القوى الصديقة على الصعيد الدولي.

10 ـ  نمط التفاعلات الإقليمية والدولية مع الكيان الوطني.

4 ـ  صياغة سلم للعلاقات: وذلك من خلال تحديد نمط العلاقة مع المحيط، عبر إعمال تطبيقات نظريات المباريات وإدارة «سلم العلاقات» في إطارين: إيجابي وسلبي، بحيث يتم التدرج في المستويات الإيجابية على النحو التالي:

1 ـ  التواصل.

2 ـ  الحوار.

3 ـ  التنسيق.

4 ـ  التعاون.

5 ـ  التشارك.

6 ـ  التحالف.

7 ـ  الاندماج.

والتدرج في التعامل مع القوى المناوئة سلبياً على النحو التالي:

1 ـ  الحياد.

2 ـ  التجاهل.

3 ـ  القطيعة.

4 ـ  العزلة.

5 ـ  الاستدراج.

6 ـ  الإضعاف.

7 ـ  المواجهة.

ويمكن وضع إستراتيجية لإدارة العلاقات في البيئة المحيطة للمشروع وفق الجدول التالي:

جدول (17): إستراتيجية إدارة البيئة السياسية.


شكل (21): سلم العلاقات.

ويتمثل الهدف الأسمى لعملية "إدارة البيئة السياسية" في تحقيق تموضع مركزي للمنظمة في الساحة السياسية، وتفادي اللجوء إلى ممارسات العنف أو الوقوع ضحية لها، وإدارة العلاقات والتحالفات بطرق تفتح مجال الممارسة السياسية السلمية الناضجة وتجنب سلوكيات: العنف، والانقسامية، والرفض، والعدائية، والمعارك المفتوحة، والتصفية، والاغتيال، وغيرها من الممارسات السلبية التي تفشت في الحقبة الماضية.

شكل (22): إدارة البيئة المحيطة بالمشروع.

مقتضيات إصلاح البيئة السياسية

لا شك في أن المحددات التي وضعتها بعض المدارس المعاصرة للعملية السياسية مثل: «الوصول إلى السلطة والبقاء فيها لأطول فترة ممكنة»، قد حولت العمل السياسي إلى صراع تضاد عبثي، وأفرزت أجيالاً من الانتهازيين الذين يغلبون الوصولية على المبدأ، ويضحون بكافة المثل والقيم في سبيل البقاء في السلطة.

ونتيجة لذلك فقد تحول المشهد السياسي إلى ساحة صراع دموي، وحروب أهلية، وانتهاكات واسعة، يتمثل الهدف الأسمى فيها بضمان بقاء الحاكم في السلطة لأطول فترة ممكنة، فقد استمر حكم آل الأسد نحو 50 عاماً في سوريا لكن بتكلفة بشرية هائلة شملت ملايين القتلى والجرحى والمهجرين، وبقي معمر القذافي 42 عاماً في السلطة بليبيا لكن الخسائر كانت باهظة على الصعد الاقتصادية والإنسانية، وكذلك الحال بالنسبة لعلي عبد الله صالح في اليمن (34 عاماً)، وعمر البشير في السودان (30 عاماً)، وزين العابدين بن علي في تونس (23 عاماً)، وحسني مبارك في مصر (30 عاماً)، وعبد العزيز بوتفليقة في الجزائر (20 عاماً)، حيث نجح هؤلاء القادة العسكريون في البقاء لفترات طويلة، لكن التاريخ سجل حقبتهم على أنها الأسوأ في تاريخ بلدانهم من حيث الفساد والدموية والاستبداد.

ويتطلب الإصلاح السياسي في العالم العربي استحداث آليات لم يكن معترفاً بها في مرحلة الاستبداد، وتتضمن: التعددية، والتنوع، والمنافسة المشروعة، والتداول السلمي، وضمان الحقوق المتساوية في الترشيح والانتخاب والتصويت، وتحييد المؤسسة العسكرية عن العمل السياسي، وإنشاء قنوات للمشاركة الشبابية لتفادي لجوئهم إلى العنف الناتج عن انسداد الأفق السياسي.

ولا يتحقق ذلك إلا من خلال إيجاد البيئة القانونية للممارسة السليمة، ومنع احتكار السلطة والتحكم بمسارات المجتمع، وذلك من خلال سن قوانين تجعل العمل السياسي حرفة متاحة للجميع وتضمن تمكنهم من مزاولتها، وإنشاء مؤسّسات ومعاهد للتدريب والتأهيل في شتى مجالات: الدبلوماسية، والإدارة العامة، والتشريع، كما يتعين رفد النظام السياسي بهيئات ومؤسّسات رقابية تحدد المخالفات بصورة مستقلة عن الإدارة التنفيذية.

ويكمن الهدف الأسمى للعملية السياسية في العالم العربي اليوم في معالجة الانحراف السياسي، وإنشاء منظومة شاملة تقوم على أسس صحيحة، إذ إن أغلب الإخفاقات التي وقعت في «ديمقراطيات» ما بعد «الربيع العربي» تمثلت في الاكتفاء بإسقاط النظام الاستبدادي دون التمكن من إصلاح المنظومة السياسية، ما أدى إلى استعادة العسكر هيمنتهم في مصر والجزائر والسودان، واندلاع الحرب الأهلية في ليبيا واليمن، وتغول الميلشيات الطائفية العابرة للحدود في العراق ولبنان، فضلاً عن انسداد آفاق الحسم في سوريا.

شكل (23): إصلاح البيئة السياسية.

وفي ظل الانحراف المفاهيمي والمعياري والنظمي في العملية السياسية، تتضاءل القدرة على إصلاح الظاهرة السياسية من خلال الاعتماد على العمل الحزبي، إذ إن الأحزاب المدنية لا تملك القدرة على العمل بصورة سليمة في ظل استحواذ الميلشيات شبه العسكرية على العمل السياسي، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: «حزب الله» في لبنان، و«حزب الدعوة» و«المجلس الأعلى للثورة الإسلامية» و«التيار الصدري»، و«الحشد الشعبي»، و«البيشمرغة» في العراق، و«حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني» في سوريا، و«الحوثيون» في اليمن، و«الجنجويد» في السودان، وغيرها من الميلشيات المسلحة التي ينخرط بعضها في الممارسة السياسية كأحزاب مدنية، ويستحوذون على المناصب العليا في الدولة على الرغم من كونهم تشكيلات مسلحة يصعب منافستهم من خلال العمل المدني.

وتتضاعف أزمة العمل المدني جراء دعم بعض الحكومات «الليبرالية ـ الديمقراطية» الغربية لتلك الجماعات المسلحة، وتوفير التمويل والتسليح والتدريب والتأهيل لكوادرها على الرغم من تصنيف بعضها دولياً على قوائم الإرهاب، ما يمثل تناقضاً صارخاً مع القيم الليبرالية والديمقراطية على حد سواء.

ولا يعني ذلك ترك الانتماء إلى الأحزاب السياسية أو العزوف عن العمل من خلالها، ولكن يتعين قبل ذلك تشييد مؤسسات مرجعية تؤمن بالممارسة المدنية السلمية في المشهد السياسي وتمنع حصر المشروع الوطني في جماعات مسلحة وميلشيات متنافرة لا تتمتع بالخبرة اللازمة لإدارة مؤسسات الدولة، فضلاً عن ضرورة تطهير العملية السياسية في العالم العربي من مظاهر اللجوء إلى القوة المسلحة في الممارسة السياسية.

وتعتمد إدارة البيئة السياسية بصورة أساسية على مستوى نضج الدولة والمجتمع، إذ لا يمكن تصور قيام الحزب الحاكم في الدول الغربية بقتل معارضيه، أو بحظر الأحزاب المخالفة له، أو الزج برموز المجتمع المدني في السجون وتعطيل الحريات العامة، كما تفعل النظم العسكرية العربية في بلدانها، وذلك لأن النظم السياسية الغربية قد وصلت إلى مرحلة من النضج الذي يسمح لها بالتعامل مع الظاهرة السياسية بالسبل السلمية والتنافس المشروع، دون الحاجة إلى ممارسة القمع ضد المعارضين.

وقد عانت الجمهوريات العربية طوال القرن الماضي من عاملين خطيرين أثَّرا بصورة سلبية على مستوى التطور السياسي، وهما:

1 ـ  التشوهات التي شابت النظم الجمهورية في مرحلة التشكيل، وما رافقها من خلافات بينية وصراعات حدودية وتدهور في إدارة الشؤون الاقتصادية والعلاقات الاجتماعية.

2 ـ  تدهور مستوى الوعي المجتمعي في الدول العربية، ففي عام 1970 بلغت نسبة الأمية في العالم العربي نحو 70 بالمئة،[3] وانعكس تفشي الأمية وضعف الوعي على النخب السياسية التي لم تكن قد نضجت بعد، إذ إن ثقافة أغلب الحكام الانقلابيين والمحيطين بهم كانت متردية بصورة كبيرة.

ولا شك في أن تنامي الوعي المتزامن مع الزيادة السكانية والثورة الرقمية سيحدث متغيرات كبرى على مستوى البيئة السياسية والعلاقات المجتمعية، إلا أن إصلاح البيئة السياسية العربية يتطلب توفر مهارات لدى الأجيال الجديدة تُمكنّهم من معالجة تشوهات الحقبة الماضية وإصلاح العلاقات المجتمعية التي تضررت بصورة بالغة نتيجة انهيار المنظومة الجمهورية واضمحلال الحكم المركزي.

 


 



[1]  تأسس حكم آل الصباح في الكويت عام 1716، وحكم بني إياس في أبو ظبي عام 1741، وآل بوسعيد في عمان عام 1744، والدولة السعودية الأولى عام 1744، وآل خليفة في البحرين 1783، أما حكم السلالة العلوية بالمغرب فقد تأسس عام 1666.

[2]  أبرز الصراعات العربية: الحرب الأهلية في اليمن (1962 ـ 1970)، وثورة ظفار في عمان (1962 ـ 1975)، والحرب الأهلية اللبنانية (1975 ـ 1990)، والمناوشات بين مصر وليبيا (1977)، و«أيلول الأسود» (1970 ـ 1971)، وحرب الخليج الأولى (1980 ـ 1988)، والحرب الأهلية في اليمن (1986) و(1994)، وحرب الخليج الثانية (1990 ـ 1991)، فضلاً عن الحروب الثلاثة بين العرب وإسرائيل (1948 ـ 1967 ـ 1973) والغزو الأمريكي للعراق (2003) والتدخل الروسي في سوريا (2015 ـ 2020)، والعمليات العسكرية الناتجة عن الربيع العربي، كحرب اليمن (2015 ـ 2020)، والحرب في ليبيا (2020).

[3]  انخفضت نسبة الأمية عام 2014م إلى 19 بالمئة من إجمالي عدد سكان العالم العربي وفق إحصائيات المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم «الألكسو».

 

arrow_upward